محامي: غياب الأساس القانوني يُبقي عملية السلام رهينة القرار السياسي

أكد المحامي مسلم دالار أن غياب الضمانات القانونية لكل من عملية السلام ووضع القائد عبد الله أوجلان يجعل مسار العملية في تركيا رهناً بالإرادة والقرار السياسي، بما يتعارض مع مبدأ سيادة القانون.

محامي: غياب الأساس القانوني يُبقي عملية السلام رهينة القرار السياسي
الثلاثاء 7 تموز, 2026   09:50
مركز الأخبار

في أطار نجاح عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، والإجراءات القانونية المطلوبة الواجب اتخاذها من أجل تحقيق الحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان، ووضعه القانوني، تحدث لوكالتنا عضو مجلس إدارة نقابة المحامين في آمد بشمال كردستان، المحامي مسلم دالار.

استهل دالار حديثه بالإشارة إلى قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في 9 تموز 2013، القاضي بضرورة وجود آلية فعالة لإعادة النظر في أحكام السجن المؤبد خلال مدة لا تتجاوز 25 عاماً.

"يجب تقييم وضع السيد أوجلان على أساس قانوني"

وأشار دالار إلى النقاشات الجارية بشأن الوضع القانوني للقائد عبد الله أوجلان، قائلاً: "إن القانون يحدد حقوق الفرد أو المؤسسة أو المجتمع وصلاحياتهم ومسؤولياتهم وعلاقتهم بالدولة ضمن المنظومة القانونية. وانطلاقاً من ذلك، ينبغي تقييم وضع السيد عبد الله أوجلان على أساس قانوني أيضاً".

كما نوّه دالار إلى الوضع القانوني للقائد عبد الله أوجلان ودوره في عملية السلام الجارية في تركيا لحل القضية الكردية، مشدداً على ضرورة وضع إطار قانوني يتيح له قيادة هذه العملية. وحذّر من أن غياب هذا الإطار يجعل مسار السلام برمّته رهينة للقرار السياسي، ويقوّض مبدأ سيادة القانون.

وردّاً على سؤال؛ بعد مرور 26 عاماً على اعتقال القائد عبد الله أوجلان، ماهي الخطوات القانونية المطلوبة لتحقيق حريته الجسدية، بالتزامن مع الظروف الحالية والقانونين الداخلي والدولي؟ أجاب دالار: "وفقاً للنظام القضائي التركي، فإن السيد عبد الله أوجلان ليس موقوفاً من الناحية القانونية، بل هو محكوم عليه. إلا أن النقاش اليوم لا يدور حول الحكم بحد ذاته، وإنما حول النظام الذي ينفذ في إطاره هذا الحكم. وبالتالي، فإن القضية لا تقتصر على الإدانة، بل تتعلق بما إذا كان تنفيذ العقوبة يتم وفق معايير حقوق الإنسان أم لا".

وذكر أن نظام السجن المؤبد المشدد في تركيا، ولا سيما المستند إلى المادة 107 من القانون رقم 5275 الخاص بتنفيذ العقوبات والتدابير الأمنية، بالإضافة إلى الأحكام ذات الصلة في القانون رقم 3713 لمكافحة الإرهاب، يلغي بشكل كامل إمكانية الإفراج المشروط بالنسبة لبعض الجرائم، الأمر الذي يحول العقوبة عملياً إلى السجن المؤبد مدى الحياة دون أي أمل بالإفراج.

ووفقاً للمحكمة الأوروبية، يجب أن يخضع المحكوم بالسجن المؤبد خلال فترة تنفيذ عقوبته لإعادة تقييم مستقلة وموضوعية لحقوقه، بما يتيح النظر في إمكانية الإفراج عنه أو استمرار تنفيذ العقوبة.

وأكد دالار: "كما أنه لا يمكن للنظام القانوني أن يقول منذ البداية للمحكوم: لا يمكنك نيل حريتك، لأن هذا النهج يتعارض مع حظر التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللا إنسانية أو المهينة المنصوص عليه في المادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان".

يعد حكم فينتر الصادر عن الغرفة الكبرى للمحكمة الأوربية في 9 تموز 2013، من أهم الأحكام المتعلقة بـ"الحق في الأمل"، إذ أكد ضرورة وجود آلية فعالة تضمن إعادة النظر في أحكام السجن المؤبد خلال مدة لا تتجاوز 25 عاماً.

وأشار دالار إلى ضرورة تعريف مصطلح "الوضع القانوني" بشكل دقيق، مع بدء عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، والحديث حول الوضع القانوني، للقائد عبد الله أوجلان، سواء من الناحية القانونية والدستورية، وقال: "لأن المصطلح يستخدم كثيراً خلال النقاشات العامة السياسية، بينما من الناحية القانونية يحدد حقوق الفرد أو المؤسسة أو الجماعة، وصلاحياتها ومسؤولياتها، وطبيعة علاقتها القانونية مع الدولة ضمن المنظومة القانونية".

وتابع: "كما أن الوضع القانوني ليس امتيازاً، بل هو إطار قانوني يهدف إلى توفير الضمانات وتحقيق الأمن القانوني. بالإضافة أن الحديث عن "الوضع القانوني" لا يقتصر على ظروف الاحتجاز أو نظام تنفيذ العقوبة، بل يتعلق بكيفية تنظيم دوره قانونياً في العملية الديمقراطية المرتبطة بحل القضية الكردية، والحقوق والصلاحيات التي يمكن أن يشارك من خلالها في هذه العملية، والضمانات القانونية التي تكفل ذلك".

وبيّن دالار أن هناك تجارب دولية تقدم نماذج مشابهة في هذا المجال، خلال عملية إنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، حيث لم يكن ينظر إلى نيلسون مانديلا على أنه مجرد سجين، بل اعتُرف به قانونياً وسياسياً بوصفه طرفاً رئيساً في عملية التفاوض، كذلك الأمر في كولومبيا، من خلال عملية السلام مع القوات المسلحة الكولومبية FARC) )، التي شهدت وضع أطر قانونية خاصة ضمن آليات العدالة الانتقالية، بهدف تحقيق التوازن بين القانون الجنائي والحل السياسي.

وأوضح دالار أن القاسم المشترك بين هذه التجارب يتمثل في أن عمليات حل النزاعات لا تعتمد على الإرادة السياسية فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى ضمانات قانونية، لأن غيابها يجعل العملية رهينة الأشخاص والإرادات السياسية المؤقتة. ورأى أن السبب يعود إلى الأسس التي قامت عليها الجمهورية التركية منذ تأسيسها عام 1923، والتي أدت إلى تفاقم هذه المشكلة واستمرارها حتى يومنا هذا، مؤكداً أن على الدولة التركية إنهاء النهج الأحادي والاعتراف بحقوق الشعب الكردي.

وأكد دالار بأنه: "من هنا يكتسب مفهوم (المجتمع الديمقراطي) أهميته، والمجتمع الديمقراطي لا يقتصر على الانتخابات أو البرلمان أو المؤسسات الدستورية، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تعرفه باعتباره مفهوماً ديناميكياً يقوم على التعددية، والمشاركة، وحرية التعبير، وحرية التنظيم، والإدارة السلمية للاختلافات داخل المجتمع، والمجتمع الديمقراطي الحقيقي يجب أن يدير عملية السلام من خلال آليات قانونية".

وشدد دالار على ضرورة ألا يقتصر النقاش حول الوضع القانوني للقائد عبد الله أوجلان فقط بظروف اعتقال شخصي فقط، بل يجب طرح أسئلة حول كيفية معالجة تركيا للقضية الكردية ضمن إطارها القانوني، وكيف ستفسر مبدأ المجتمع الديمقراطي، وما هي الأدوات الدستورية والقانونية التي ستستخدمها لإدارة عملية السلام.

وأكد دالار أن الشرط الأساسي لتحقيق سلام دائم هو أن تكون العملية محمية بضمانات قانونية، وأي عملية سلام لا تستند إلى إطار قانوني من الصعب استمرارها لوقت طويل.

ونوه إلى أن القانون هو الذي يضمن استمرارية المؤسسات، لا السياسة مؤقتة؛ لذلك، فإن القضية الأساسية التي ينبغي مناقشتها اليوم هي: ما هي الأطر القانونية التي ستضعها تركيا لإنجاح عملية السلام؟ الحلول المستندة على الأشخاص تبقى مؤقتة، أما الحلول القائمة على سيادة القانون فهي وحدها القادرة على الاستمرار.

ويرى دالار أن بناء المجتمع الديمقراطي تتطلب حماية حقوق أساسية، مثل حرية الرأي، وحرية التنظيم، وحرية التعبير، والحق في المشاركة السياسية، وضمان الأمن القانوني.

وبيّن أن إحدى أهم نقاط الإصلاحات المطلوبة من الدولة التركية، هي الإصلاحات الدستورية والسياسية، لأن القضية الكردية ليست مجرد مسألة مرتبطة بالقانون الجنائي، بل هي قضية ديمقراطية ومواطنة ودستور.

كما أن حصر عملية السلام والمجتمع الديمقراطي في تعديلات على تنفيذ قانون العقوبات لن يكون كافياً، بل يجب أن تشمل الإصلاحات تعزيز الديمقراطية المحلية، من خلال توسيع حرية التعبير، وتطوير آليات المشاركة السياسية، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، وضمان الحقوق الأساسية وفق المعايير الدولية.

وأوضح دالار أن أي دور للقائد عبد الله أوجلان في إطار عملية السلام يجب أن يكون ضمن الإطار القانوني، لأن المسألة لا تتعلق بمنح شخص وضع استثنائي فوق القانون، بل هي حل لمشكلة مجتمعية. وقال: "من دون ضمان الأسس القانونية لعملية السلام والسيد عبد الله أوجلان، تبقى العملية مرهونة بالقرار السياسي، بالتالي التعارض مع مبدأ سيادة القانون".

(د ج/م ن)

ANHA