الحشد الشعبي في العراق.. النشأة والتشكيل والدور والتحديات

تأسس الحشد الشعبي في العراق عام 2014 لمواجهة مرتزقة داعش، ويضم فصائل متعددة أبرزها فصائل شيعية يُنظر إلى بعضها على أنه قريب من إيران. ورغم إدماجه قانونياً ضمن مؤسسات الدولة عام 2016، لا يزال يشكل محوراً للنقاش السياسي والأمني بشأن مستقبل الفصائل المسلحة ودورها داخل الدولة العراقية.

الحشد الشعبي في العراق.. النشأة والتشكيل والدور والتحديات
الخميس 4 حزيران, 2026   10:08
مركز الأخبار

تُعد هيئة الحشد الشعبي من أبرز التشكيلات العسكرية والأمنية التي ظهرت في العراق خلال العقد الأخير، وقد لعبت دوراً في الحرب ضد مرتزقة داعش بعد اجتياحه مساحات واسعة من البلاد عام 2014. ومنذ تأسيسها تحولت من قوة تطوعية نشأت في ظروف استثنائية إلى مؤسسة رسمية ضمن المنظومة الأمنية العراقية، لكنها بقيت في الوقت ذاته موضع جدل سياسي.

النشأة والتأسيس

تأسس الحشد الشعبي في حزيران 2014 عقب سقوط مدينة الموصل بيد مرتزقة داعش وانهيار وحدات عسكرية عراقية في عدد من المحافظات الشمالية والغربية. وفي 13 حزيران أصدر المرجع الديني الأعلى في العراق فتوى "الجهاد الكفائي" التي دعت المواطنين القادرين إلى التطوع للدفاع عن العراق ومؤسساته ومقدساته، ما أدى إلى تدفق عشرات الآلاف من المتطوعين وتشكيل إطار تنظيمي حمل اسم "الحشد الشعبي".

أسباب التشكيل

جاء تشكيل الحشد الشعبي استجابة للظروف الأمنية التي شهدها العراق عام 2014 عقب سيطرة داعش على مناطق واسعة من البلاد، بهدف دعم القوات الأمنية العراقية والمشاركة في حماية المدن والمواقع الدينية واستعادة المناطق التي سيطر عليها داعش ومنع تمدده.

ومع توسع دوره لاحقاً، برزت نقاشات سياسية وأكاديمية حول تأثير بعض فصائله المرتبطة سياسياً أو عقائدياً بإيران في موازين القوى داخل العراق، بينما يؤكد مؤيدوه أن الحشد كان جزءاً أساسياً من الجهد العسكري الذي أسهم في هزيمة داعش ومنع انهيار مؤسسات الدولة.

مكونات الحشد الشعبي

لا يتكون الحشد الشعبي من فصيل واحد، بل يضم عشرات الفصائل والتشكيلات المسلحة التي اندمجت تحت مظلته، وتشمل فصائل شيعية وسنية وتركمانية ومسيحية. وتعد الفصائل الشيعية الأكبر عدداً، ومن أبرزها منظمة بدر، وعصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله، وسرايا السلام، وحركة النجباء، وكتائب الإمام علي.

الحشد الشعبي والنفوذ الإيراني

رغم أن الحشد الشعبي مؤسسة عراقية رسمية تتبع للدولة، فإن عدداً من أبرز فصائله يُنظر إليه على أنه "قريب من إيران سياسياً وعقائدياً". كما لعب قاسم سليماني دوراً في التنسيق مع بعض هذه الفصائل خلال الحرب ضد داعش. ويرى مراقبون أن صعود الحشد بعد عام 2014 أسهم في "تعزيز النفوذ الإيراني داخل العراق"، في حين يرى أنصاره أن هذه العلاقات لا تنفي دوره العسكري والأمني ضمن جهود الدولة العراقية في مواجهة داعش.

الوضع القانوني

في عام 2016 أقر مجلس النواب العراقي قانون هيئة الحشد الشعبي الذي عدَّ قواته جزءاً من المنظومة الأمنية العراقية، ومنح منتسبيه حقوقاً وامتيازات مماثلة لبقية القوات المسلحة. وترتبط الهيئة رسمياً بالقائد العام للقوات المسلحة وتتلقى موازنتها من الدولة العراقية.

الجدل ومستقبل الحشد

لا تزال هيئة الحشد الشعبي من أكثر الملفات إثارة للجدل في العراق، في ظل النقاشات المتعلقة بمستقبل الفصائل المسلحة ودورها ضمن المنظومة الأمنية. فبينما تشير الحكومة العراقية إلى أن أي إجراءات تنظيمية أو إصلاحية تهدف إلى "تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية"، ترى أطراف أخرى أن هذه التحركات تتأثر أيضاً باعتبارات وضغوط إقليمية ودولية، ولا سيما فيما يتعلق "بنفوذ الفصائل القريبة من إيران".

وفي هذا السياق، أعلنت فصائل "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" و"سرايا السلام" رسمياً فك ارتباطها بهيئة الحشد الشعبي خلال الأسبوع الجاري، في خطوة أعادت طرح ملف إعادة هيكلة بعض الفصائل ودمجها بصورة أوسع داخل المؤسسات الأمنية الرسمية.

في المقابل، لم تعلن فصائل أخرى بارزة أي خطوات مماثلة إعادة هيكلة وضعها العسكري حتى الآن، وفي مقدمتها كتائب "حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء"، وهي أطراف تعد من أبرز التشكيلات المنضوية ضمن ما يعرف بـ "فصائل المقاومة الإسلامية" في العراق.

وبينما تلتزم هذه الفصائل الصمت حيال الدعوات المطروحة لإعادة تنظيم العلاقة بين الفصائل المسلحة والدولة، يرى مراقبون أن موقفها سيكون عاملاً حاسماً في تحديد مدى نجاح أي خطة حكومية تهدف إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، إذ إن أي عملية إعادة هيكلة واسعة النطاق لن تحقق أهدافها بشكل كامل ما لم تشمل مختلف الفصائل الرئيسية الفاعلة على الساحة الأمنية والعسكرية العراقية.

ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن قرار رسمي بحل هيئة الحشد الشعبي، بل يتركز النقاش على تنظيم بعض الفصائل وتعزيز خضوعها لسلطة الدولة. ويعكس هذا الملف تداخلاً بين اعتبارات الأمن الوطني العراقي والتوازنات السياسية الداخلية والتجاذبات الإقليمية والدولية المرتبطة بمستقبل السلاح ودور الفصائل المسلحة في البلاد.

(أم)

ANHA