اقتصاد منهك يضغط على الفئات الأضعف ويزيد مشاهد العجز في شوارع سوريا

يغلب على شوارع سوريا مشهد عمالٍ في بيع المنتجات أو جمع القمامة لتأمين لقمة العيش، في ظل تدهور معيشي حاد وارتفاع معدلات الفقر وتراجع قيمة الليرة السورية إلى مستويات تجاوزت 12–15 ألف ليرة للدولار الواحد، ما يعكس اتساع الأزمة الاقتصادية وانعكاسها المباشر على الفئات الهشة.

اقتصاد منهك يضغط على الفئات الأضعف ويزيد مشاهد العجز في شوارع سوريا
الجمعة 22 مايو, 2026   03:35
دمشق

أينما تتجول في شوارع العاصمة دمشق، تجد كبار السن يجلسون ويستندون على الأرصفة من أجل بيع بعض المنتجات الريفية أو العمل على بسطة لبيع الخبز. ومنهم من تسعفه صحته فيجرّ عربة قمامة بحثاً عن لقمة العيش في ظل هذه الظروف الصعبة وتدهور الحالة المعيشية بعد رفع الدعم والانتقال من الاقتصاد الاجتماعي إلى اقتصاد السوق الحر.

في منطقة الفحامة بدمشق، يجلس عجوز عرّف عن نفسه باسم أبو نديم أمام بسطة لبيع الخبز، ويقول ويداه ترتجفان إنه غير مرتاح لما تقوم به شرطة البلدية من تضييق على أصحاب البسطات ومنعهم من العمل.

وأضاف: "أكثر من مرة صادروا لي عدداً من ربطات الخبز، وعدت إلى المنزل مكسوراً على سعرها. أذهب إلى أكثر من فرن لجمع ربطات من الخبز، أحمل الخبز على كتفي، وأجلس في هذه الزاوية لأبيع الخبز. أشتري الربطة بـ4000 ليرة وأبيعها بـ6000 ليرة، ويصل مدخولي في اليوم أحيانا إلى 50 ألف ليرة، وهو ثمن الخبزات وطبخة للمنزل وعلبة دواء".

وأشار العم أبو نديم إلى أنه يبلغ من العمر 74 عاماً وهو متقاعد سابق يقبض 700 ألف ليرة، وهي مبلغ لا يكفيه ثمن الطعام والشراب، ولديه ابنة في المنزل من ذوي الاحتياجات الخاصة. وذكر أن مد اليد وطلب المساعدة صعبة عليه جداً، فهو يعمل بجهده ويجلس على الرصيف عدة ساعات حتى يعود إلى منزله.

حال أبو نديم هو حال العشرات من سكان ريف دمشق الذين يبيعون منتجات ريفية على الأرصفة لتأمين مصدر رزق، ومشكلتهم الوحيدة هي ملاحقة شرطة البلدية أو ما يعرف "بالشيخ" لهم ومنعهم من العمل.

الأستاذ الجامعي قيس محمد (اسم مستعار) أكد لوكالتنا أن عودة كبار السن إلى العمل ظاهرة منتشرة بكثرة في سوريا وبالأخص في العاصمة دمشق، والسبب يعود إلى تسريح الشباب من وظائفهم والاعتماد على كبار السن في أعمال النظافة، وهذه الأعمال تحمل مخاطر كبيرة على صحة كبار السن. داعياً إلى منع العمل في هذه المهنة لكل من يتجاوز عمره 55 سنة.

وأضاف محمد أن سبب عودة كبار السن إلى العمل هو الحاجة الماسة إلى الطبابة، بعد ارتفاع سعر المعاينة إلى 150 ألف ليرة وشراء الأدوية، إضافة إلى عدم شمول هذه الفئة بزيادة الرواتب التي ستُصرف نهاية هذا الشهر، فضلاً عن عدم امتلاكهم تأميناً صحياً. وأشار إلى أن من لا يملك دعماً من الخارج يواجه أوضاعاً صعبة جداً، فيما يزداد الوضع سوءاً لمن لا يملك أي مصدر دخل، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.

وذكر محمد أن الحكومات التي لا تُقدّر كبار السن وتحترمهم وتؤمّن لهم الطعام والشراب والأدوية هي "حكومات لا تستحق التقدير ولا الاحترام"، داعياً إلى الالتفات إلى هذه الفئة وتقديم الحماية لها، مؤكداً أن رؤيتهم في الشوارع يعملون في الشتاء والصيف مشهد يدمى له القلب.

ويشهد الاقتصاد السوري خلال عام 2026 استمراراً في حالة التدهور الحاد، مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية بشكل كبير، في ظل اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.

ويقدّر مختصون اقتصاديون أن سعر صرف الليرة السورية في السوق الموازية شهد تذبذباً حاداً، متجاوزاً مستويات تتراوح بين 12 و15 ألف ليرة مقابل الدولار الواحد في فترات مختلفة، مع استمرار فقدان العملة لقيمتها الحقيقية نتيجة ضعف الإنتاج وتراجع الموارد وارتفاع الاعتماد على الاستيراد.

وأشاروا إلى أن ذلك يأتي بالتوازي مع استمرار رفع الدعم عن العديد من السلع والخدمات الأساسية، ما انعكس مباشرة على أسعار الغذاء والطاقة والنقل.

كما تشير تقارير أممية ودراسات اقتصادية إلى أن أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر في سوريا، في ظل معدلات تضخم تُصنف ضمن الثلاثية أو المفرطة في بعض التقديرات، وانخفاض متوسط الأجور مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة والطبابة والإيجارات.

ويؤكد خبراء أن هذا الانكماش الاقتصادي المتواصل أدى إلى اتساع ظاهرة العمل غير النظامي وعودة فئات واسعة، بما فيها كبار السن، إلى سوق العمل لتأمين احتياجاتهم الأساسية، وسط غياب أنظمة حماية اجتماعية فعّالة وتراجع قدرة المؤسسات على ضبط الاستقرار المعيشي.

(أم)

ANHA