الآثار السورية بين الإهمال والقصف والنهب في اليوم العالمي للمتاحف

تواجه الآثار السورية مرحلة صعبة بعد سنوات الحرب، وسط الإهمال والسرقة وتراجع أعمال الترميم، حيثُ تعرضت مواقع تاريخية ومتاحف عديدة لأضرار كبيرة وعمليات نهب، بالتوازي مع انتشار التنقيب غير الشرعي.

الآثار السورية بين الإهمال والقصف والنهب في اليوم العالمي للمتاحف
الإثنين 18 مايو, 2026   03:50
مركز الأخبار

يأتي الثامن عشر من أيار، اليوم العالمي للمتاحف، فيما تعيش الآثار السورية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ عقود طويلة، بعد سنوات ثقيلة من الحرب والفوضى والهجرة والنزوح، وما رافقها من تخريب للمواقع التاريخية وتهريب للقطع الأثرية وتراجع واضح في أعمال الترميم والصيانة.

حيثُ تعرضت المتاحف السورية للإهمال والسرقة في ظل الأزمة التي دامت لعقدٍ ونصف، وصولاً إلى الظروف الاقتصادية والأمنية التي تعيشها مناطق عديدة في ظل الحكومة المؤقتة في سوريا.

إرث حضاري يمتد لآلاف السنين

تُعدّ سوريا واحدة من أغنى مناطق العالم بالمواقع الأثرية، إذ تحتضن مدناً وممالك تعود إلى حضارات متعددة مثل الآشورية والميدية والآرامية والرومانية والبيزنطية والإسلامية والأيوبية، إضافة إلى مدن تاريخية شكلت مراكز ثقافية وتجارية بارزة عبر العصور، من بينها تدمر وأوغاريت وإيبلا وتل موزان وقلعة حلب والمدينة القديمة في دمشق وتل حلف بسري كانيه/ رأس العين وغيرها الكثير.

وخلال سنوات الحرب، تعرضت عشرات المواقع الأثرية لأضرار كبيرة، نتيجة المواجهات العسكرية والقصف وأعمال الحفر العشوائي والسرقات المنظمة، الأمر الذي أدى إلى فقدان آلاف القطع الأثرية التي ظهرت لاحقاً في أسواق التهريب الدولية.

سلسلة نهب واسعة طالت المتاحف والمواقع الأثرية

وخلال سنوات الأزمة، تحولت مواقع أثرية ومتاحف سورية عديدة إلى أهداف مباشرة لعمليات النهب والتخريب، في ظل الفوضى الأمنية وتعدد القوى المسيطرة على المناطق. ففي عام 2012 تعرض متحف معرة النعمان في إدلب لعمليات اقتحام وسرقة ألحقت أضراراً كبيرة بأقسامه الداخلية وفسيفسائه الشهيرة.

وفي أيار 2015، شهد متحف تدمر عمليات نهب واسعة عقب سيطرة مرتزقة "داعش" على المدينة، بالتزامن مع تدمير معالم تاريخية وتهريب قطع أثرية نادرة.

كما تعرض متحف الرقة ومخازن الآثار بين عامي 2013 و2014 لسرقات متكررة، وسط انتشار الحفر غير الشرعي في المواقع الأثرية المحيطة. وفي دير الزور والبوكمال والميادين، تحولت التلال الأثرية خلال سنوات الحرب إلى مناطق تنقيب مفتوح تديرها شبكات تهريب محلية.

كذلك أثارت تقارير حقوقية نشرتها منظمة حقوق الانسان عفرين منذ عام 2018 مخاوف بتجريف مواقع أثرية في عفرين، بينها عين دارة، وذكرت تقارير أخرى عمليات الحفر الواسع في مدينة أفاميا الأثرية بسهل الغاب.

وفي أواخر عام 2025، تعرض المتحف الوطني بدمشق لسرقة ست قطع أثرية من جناحه الكلاسيكي، تعود للعصر الروماني، من بينها تماثيل رخامية نادرة وسبائك ذهبية تاريخية.

المتاحف السورية بين الإغلاق والخسائر

ويرى مختصون في مجال الآثار أن المتحف السوري تحول خلال السنوات الماضية من فضاء ثقافي وتعليمي إلى مساحة مهددة بفقدان الكثير من مقتنياتها، نتيجة غياب الدعم الكافي وضعف البنية الإدارية المختصة بحماية الإرث الثقافي.

وفي مناطق شمال وشرق سوريا، جرت خلال الأعوام الماضية محاولات لإعادة افتتاح بعض المتاحف وتنظيم معارض تراثية محلية بهدف الحفاظ على الهوية الثقافية وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ المنطقة. فيما تعرضت مناطق أثرية، سيما معبد عين دارة ومواقع أثرية أخرى بعفرين، لقصف الاحتلال التركي إبان غزوها في العالم 2018، ما أدى لتدميرها بشكل كامل، كما دمرت مرتزقة داعش معالم أثرية في مدينة تدمر بريف حمص سنة 2017.

تحديات المرحلة الراهنة

ومع استمرار التوتر وعدم الاستقرار في مناطق عديدة من البلاد، تتعرض المتاحف والمؤسسات المعنية بالآثار للإهمال والتجاوزات والسرقات، بالتوازي مع عدم تأهيل المواقع المتضررة، وانتشار عمليات التنقيب غير الشرعي التي تنشط في عدد من المناطق.

ويرى مراقبون أن أهمية المتحف السوري تتجاوز عرض القطع القديمة، إذ يمثل مساحة تحفظ ذاكرة الشعوب وحكايات المدن والتحولات الاجتماعية والثقافية التي مرت بها البلاد عبر قرون طويلة.

ومن هذا المنطلق، يكتسب اليوم العالمي للمتاحف هذا العام بعداً مختلفاً لدى السوريين، في ظل الحاجة إلى إعادة الاعتبار للثقافة والتراث بوصفهما جزءاً من عملية التعافي المجتمعي.

(ع م)