أطلال بدلاً من نهر ونواعير

تعود نواعير الحسكة التاريخية إلى عام 1896، وكانت شاهدة على جمال نهر الخابور وروعة مياهه. أما اليوم، فقد أصبح النهر جافاً، واندثرت النواعير، ولم يتبقَّ سوى أطلالها كرموز صامتة لإرث شعبي وذاكرة المدينة التي فقدت جزءاً من نبض حياتها.

أطلال بدلاً من نهر ونواعير
أطلال بدلاً من نهر ونواعير
أطلال بدلاً من نهر ونواعير
أطلال بدلاً من نهر ونواعير
أطلال بدلاً من نهر ونواعير
أطلال بدلاً من نهر ونواعير
الثلاثاء 30 يلول, 2025   05:10
الحسكة
ديار أحمد

تزخر مدينة الحسكة بشواهد طبيعية وتاريخية تعكس حياة أهالي المنطقة عبر قرون، من أبرزها نهر الخابور، الذي كان شريان حياة يسقي الأراضي الزراعية ويغذي المجتمعات الواقعة على ضفافه من مدينة سري كانيه المحتلة من قبل تركيا شمالاً حتى مدينة البصيرة في ريف مقاطعة دير الزور.

ومنذ القدم، شكل النهر مصدراً أساسياً للمياه، وموطناً للأنشطة الاقتصادية والزراعية، وأنشأت عليه نواعير اعتمدت على تدفقه لتدوير عجلاتها ونقل المياه إلى الأراضي المحيطة.

ولكن خلال السنوات العشر الأخيرة، وبالتحديد منذ عام 2015، تعرض نهر الخابور لجفاف متواصل نتيجة قطع المياه من قبل الاحتلال التركي، ما تسبب في أزمة مائية حادة لأهالي الحسكة، هذا الإجراء أدى إلى حرمان السكان من الموارد المائية الأساسية، وأثر بشكل مباشر على الحياة الزراعية والصناعية في المنطقة.

وعلى ضفاف نهر الخابور، كانت هناك نواعير، وكانت تُعد من أبرز المعالم التراثية في المدينة، والتي تعكس مهارة الأهالي في الاستفادة من الموارد المائية منذ أكثر من قرن.

أحمد المحشوش البراك، من سكان حي المرديان، تحدث عن تاريخ هذه النواعير قائلاً: "بنى جدنا الشيخ محشوش البراك الملحم هذه النواعير عام 1896، حيث جلب مهندساً أرمنياً لتصميمها، وأحضر الأخشاب المناسبة لصناعتها من مدينة البوكمال في دير الزور".

النواعير كانت تعمل بشكل مستمر حتى عام 1969، عندما قام محافظ الحسكة آنذاك، بنزعها لمنع الأهالي من "المطالبة بالأراضي التي استملكها النظام البعثي السابق"، وفق براك.

عام 1984 جرت محاولات لترميم النواعير من قبل مجلس مدينة الحسكة والعمال المهرة في صناعة النواعير، لكنها لم تدم طويلاً، إذ دمر الفيضان معظمها، وبقيت منذ عام 1985 على حالتها الحالية.

ويعود أحمد المحشوش البراك بذاكراته إلى الوراء قبل قطع الاحتلال التركي لمياه الخابور، ويقول: "كنت شاهداً على جمال مياه الخابور، حيث كان الأهالي يستفيدون منه من مدينة سري كانيه/ رأس العين حتى مدينة البصيرة، واليوم، جفاف النهر جريمة بحق الإنسانية، فهذا الشعب محروم من مياه الخابور منذ أكثر من عشر سنوات، بسبب القطع المتعمد من قبل دولة الاحتلال التركي".

وأضاف: "نواعير الحسكة إرث تاريخي بالنسبة لنا، تم بناؤها على أرضنا وهذه المنطقة كانت كلها أراضينا وتم استملاكها من قبل النظام السابق دون تعويض، ولهذه النواعير قيمة كبيرة لدينا، لا نقبل أن يمسها أحد، ولذلك نحن نحافظ عليها رغم عدم وجود مياه لتشغيلها أو جهة ترممها، وستبقى هذه النواعير رمزاً من رموز الحسكة القديمة وتراثها الثقافي".

النواعير، التي لطالما شكلت مثالاً على الاستفادة الذكية من الموارد المائية، اليوم تقف شاهدة على حقبة تاريخية مضت، وعلى أزمة مياه مستمرة منذ عام 2015، وعلى إرث شعبي يحاول الأهالي الحفاظ عليه رغم مرور أكثر من قرن على إنشائها. وتحكي النواعير قصة صمود الأهالي في وجه الجفاف وغياب الدعم الحكومي، لتظل جزءاً من ذاكرة مدينة الحسكة وهويتها الثقافية.

(ح)

ANHA