تطبيق غير مرخص وضبابي بمالك مجهول أداة نفوذ مالي في سوريا

بات تطبيق غير حكومي يهيمن تدريجياً على القطاع المصرفي والاقتصادي في سوريا، حيث تراجع دور المصارف الحكومية وتزايد الاعتماد على منصة تُدار خارج أطر الترخيص والشفافية المعتمدة. هذا الوضع يثير مخاوف جدية حول حماية البيانات والسيطرة النقدية، كما يطرح تساؤلات حقيقية عن علاقة البنك المركزي بهذا النظام الجديد وقدرته على ضبطه.

تطبيق غير مرخص وضبابي بمالك مجهول أداة نفوذ مالي في سوريا
الجمعة 5 يلول, 2025   02:30
دمشق
أسامة عبيد الله

بشكل مفاجئ، تحولت البنوك الحكومية الستة في سوريا "مصرف سوريا المركزي، والمصرف التجاري السوري، والبنك الزراعي التعاوني، والمصرف الصناعي، وبنك التسليف الشعبي، والبنك العقاري" إلى بنوك خاوية، دون صلاحيات أو عمل.

ووفقاً لموظفي البنوك، تُسحب السيولة من هذه البنوك التي كانت تتلقى منها بشكل يومي مردوداً من الأفران ومحطات المحروقات وغيرها، إلى المصرف المركزي، لصالح تطبيق "شام كاش"، الذي تحول إلى أداة نفوذ اقتصادي رقمي وحيد وأوحد في سوريا، ما أعاد رسم خريطة النفوذ المالي لمصلحة التطبيق مجهول الملكية.

ويتداول الناس في الشارع أن التطبيق، بفضل صلاحياته المفتوحة، يعود بالتأكيد إلى مقرب من رأس السلطة في الحكومة الانتقالية ومقره إدلب. كما أكد خبير مالي، فضل عدم التصريح باسمه لأسباب أمنية، أن منح هذا التطبيق جميع الصلاحيات وبسيولة مفتوحة لم يكن ليحدث لو لم تكن عائدية التطبيق إلى متنفذ كبير ومقرب من رأس السلطة.

وبعد البحث المعمق من وكالتنا عن مالك تطبيق "شام كاش"، وجدنا أن بنك شام الخاص هو "الجهة الضامنة" للتطبيق، ويشرف عليه فريق من المبرمجين، دون معلومات شاملة وكافية. إذ لا يوجد أي ترخيص رسمي لهذا التطبيق، حتى في الهيئة الناظمة، ولم يتم الإعلان عن ترخيص "شام كاش". كما أنه لا يوجد رقم هاتف (لا أرضي ولا موبايل) يمكن من خلاله التواصل مع البنك أو التطبيق، والتواصل الوحيد المتاح يتم عبر "بوتات"، أي (برامج تلقائية تنفذ مهام محددة ومكررة عبر الإنترنت) خاصة بالخدمات.

وباتت تُقدّر أرباح هذا التطبيق الشهرية بقيمة 3 مليارات ليرة، و3 ملايين دولار سنوياً، وفقاً لنسبة 5 بالألف التي يقتطعها التطبيق من الحسابات، كما يؤكد خبير مالي سوري.

هذا التحريك المالي من قبل سلطات الحكومة الانتقالية في سوريا، يثير تساؤلات ما هي علاقة البنك الخاص وتطبيقه مع البنك المركزي السوري الحكومي المسؤول عن السياسة المالية والنقدية في سوريا؟

ويستغرب مودعو الحسابات في المصارف الحكومية من التعقيدات التي تواجههم، وكيفية محاولة توجيههم نحو هذا التطبيق، مشيرين إلى أنها خطوة لتحويل جميع المواطنين للتعامل مع التطبيق بدلاً من المصارف الحكومية.

يقول المواطن عبد الله حسان، مودع مالي، معبّراً عن استغرابه: "إذا كنت كمواطن تملك مليون ليرة في المصرف التجاري السوري، أعرق مؤسسة مالية سورية، فلا يمكنك سحبها بسبب تقييد السيولة. عليك أن تطلب تحويلها إلى تطبيق شام كاش من أجل سحبها. وهل يُعقل أن المصرف ممنوع عليه صرف أكثر من 500 ألف بالشهر بحجة عدم وجود سيولة، بينما يستطيع أي مواطن صرف 100 مليون في لحظة من نوافذ شام كاش التي تم إحداثها في المصرف المركزي؟".

خبير مالي ومسؤول في أحد البنوك الحكومية، الذي فضل عدم التصريح باسمه لأسباب خاصة، أشار إلى أن التطبيق منح جميع الصلاحيات المالية في البلاد وبسيولة مفتوحة. وقد بات الموظفون والعاملون في القطاع الحكومي يستلمون رواتبهم عبره، مما أدى إلى تجاهل آلاف الصرافات التي تم دفع ثمنها، وكذلك تجاهل منظومة الدفع الإلكتروني التي عملت عليها المؤسسات الحكومية سابقاً. أصبح الشعب يتوجه إلى تطبيق مجهول النسب والملكية والمرجعية، ويجري نقل جميع البيانات والقيود والحسابات إليه.

ويرى الخبير المالي أن هذه الإجراءات تعدٍّ صريح وواضح على أملاك الدولة ومؤسساتها، محذراً في الوقت نفسه من نقل جميع البيانات والقيود والحسابات من مؤسسات الدولة الموثوقة إلى تطبيق مجهول الملكية. ويتساءل: "من يحمي بيانات الناس اليوم؟ ومع كون الحرب الأكثر قوة اليوم في العالم هي حرب البيانات، من يضمن عدم المتاجرة بهذه البيانات؟"

ويلفت الخبير المالي إلى مخاوف من هكذا إجراء، خاصة بشأن بيانات الموظفين والمواطنين على هذا التطبيق غير الحكومي، وإمكانية متاجرة الجهة المسؤولة عن التطبيق ببيانات المواطنين.

كما أشار الخبير المالي إلى أن الأرباح الشهرية المقدرة بقيمة 3 مليارات ليرة، و3 ملايين دولار سنوياً، وفقاً لنسبة الاقتطاع، تعد سرقة بتوجيه من الحكومة، وخسارة لخزينة الدولة، حيث تعود هذه الأرباح إلى مجهولين بدلاً من مصارف الحكومة.

هذا يدفع السوريين إلى التساؤل: "هل تطبيق شام كاش يقود المؤسسات المالية في سوريا، بما في ذلك المصرف المركزي؟ أم أن المركزي عاجز أمام قوة المالك المجهول لشام كاش؟ وهل سنشهد إغلاق فروع المصارف الحكومية ودمجها لاحقاً بحجة عدم وجود عمل لها بعد سحب وسرقة أعمالها عنوة من تطبيق شام كاش؟"

(أم)

ANHA