ما العوائق التي تقف أمام دمقرطة سوريا؟ باحث يجيب

أكد الكاتب والباحث السياسي السوري مالك الحافظ أن دمقرطة سوريا لا تواجه فقط صعوبات ناتجة عن الحرب المديدة والانقسامات الاجتماعية العميقة، بل تصطدم بعقبات بنيوية أعمق تتعلق بطبيعة السلطة ومنظومتها الفكرية والسياسية. فالمشكلة تبدأ من غياب أي تصور جاد لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة تعاقدية جديدة بين السلطة والمجتمع، عقد يقوم على المواطنة والكرامة والعدالة، لا على الغلبة والوصاية.

ما العوائق التي تقف أمام دمقرطة سوريا؟ باحث يجيب
الخميس 24 تموز, 2025   02:30
قامشلو
أحمد سمير

لم تعكس ممارسات الحكومة الانتقالية في سوريا طموحات السوريين في البلاد، بدءاً من المراسيم والقوانين التي تسنّها وتفرضها، بعد سقوط نظام البعث، وصولاً لما تحاول فرضه عبر العنف على بعض المناطق الخارجة عن هيمنتها، مما يثير مخاوف السوريين من نظام لا يختلف عن سابقه بعد أكثر من 13 عاماً من انطلاق الثورة.

السلطة الانتقالية تريد ترسيخ سلطة احادية

يقول الكاتب والباحث السياسي السوري مالك الحافظ: "سلوك السلطة الانتقالية الحالية، يعكس ما يمكن تسميته بإدارة الأمر الواقع بقوة التشريع، حيث تتحوّل أدوات القانون والمراسيم إلى وسيلة لترسيخ سلطة أحادية، ليس لإدارة مرحلة انتقالية يفترض أن تكون مؤقتة ومفتوحة على التعدد. فبدلاً من أن تكون هذه المرحلة جسراً نحو إعادة بناء الدولة على أسس تشاركية، تُمارس السلطة اليوم دور الحاكم المطلق، متجاوزة روح أي إعلان دستوري، بل وحتى نصوصه الصريحة، كما ظهر بوضوح في إعلان تشكيل "الصندوق الاستثماري"، وهو كيان يتمتع بصلاحيات واسعة دون وجود أي رقابة مستقلة أو مساءلة فعلية، ويجعل كل أصول الأملاك العامة بيد الرئاسة الانتقالية".

"يستخدم اللغة القانونية لفرض رؤية ضيقة للحكم"

ويشير الحافظ إلى أن جوهر المشكلة لا يتوقف عند تجاوز نصوص الإعلان الدستوري، فهو يصل في نزع الطابع المؤقت عن المرحلة الانتقالية، والتعامل معها كأنها مرحلة حكم نهائية تتيح للسلطة هندسة المشهد السياسي والاقتصادي والإداري وفق مقاساتها الخاصة.

ويفسر الحافظ "هذا النمط من ممارسة السلطة يعبّر عن إعادة إنتاج لبنية الدولة السلطوية، ولكن بثياب مختلفة. فهو يستخدم اللغة القانونية لفرض رؤية ضيقة للحكم، تُمأسس لمصالح نخب محددة، وتُعيد إنتاج المركزية والوصاية".

ما العوائق التي تقف أمام تحقيق دمقرطة سوريا؟

وعن العوائق التي تواجه دمقرطة سوريا، يقول الحافظ: "دمقرطة سوريا لا تُواجه فقط صعوبات ناتجة عن الحرب المديدة والانقسامات الاجتماعية العميقة، بل تصطدم بعقبات بنيوية أعمق تتعلق بطبيعة السلطة ومنظومتها الفكرية والسياسية. فالمشكلة تبدأ من غياب أي تصور جاد لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة تعاقدية جديدة بين السلطة والمجتمع. عقد يقوم على المواطنة والكرامة والعدالة، لا على الغلبة والوصاية. وما يُفاقم هذا الانسداد هو استمرار السلطة في إنتاج شرعيتها من خارج المجتمع، مستندةً إلى سرديات جاهزة عن ضرورة الاستقرار".

لا يجب أن تُفهم الدولة كأداة تُدار بعقلية الغنيمة

ويضيف "في هذا السياق، تغيب مؤسسات الرقابة والتوازن، ويغيب معها المعنى الحقيقي للديمقراطية بوصفها ثقافة تداول وشفافية. لا يجب أن تُفهم الدولة كأداة تُدار بعقلية الغنيمة، حيث تُوزَّع السلطة بوصفها مكافأة لمن "حرر"، ولا مسؤولية يجب أن تخضع للرقابة والمساءلة".

الاستمرار في تسييس الهويات يعمّق الشرخ الأهلي ويحوّل التنوع إلى أداة صراع

ونوّه الحافظ أن ما يزيد الطين بلّة هو الاستمرار في تسييس الهويات وتطييف المجال العام، حيث تُستدعى الانتماءات القومية أو الطائفية، ليس بهدف إنصافها أو دمجها في العقد الوطني، وإنما بغرض تعبئتها أو احتوائها في بنى سلطوية جديدة، ما يعمّق الشرخ الأهلي ويحوّل التنوع إلى أداة صراع.

ويؤكد الكاتب والباحث السياسي السوري مالك الحافظ، أن الديمقراطية في سوريا لا يمكن أن تُختزل إلى وصفة جاهزة أو مرحلة زمنية محددة، ولكن هي مشروع لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، في المعنى السياسي والأخلاقي معاً. وأن هذا المشروع ما زال غائباً، أو بالأحرى مغيّباً لدى السلطة الحالية، بفعل منطق الاستحواذ الذي يحكم السلطة الحالية، والذي قد يرى في الديمقراطية تهديداً لوجوده.

(أم)

ANHA