المهجّرون من عفرين.. صرخة عودة لن تموت

وسط حقائب صغيرة تحمل ما تبقى من ذكريات الوطن وسبع سنوات من الصمود، يواصل مهجّرو عفرين، الذين شتتهم الاحتلال التركي، رفع أصواتهم مطالبين بالعودة الآمنة إلى أراضيهم التي أجبروا على تركها مرتين. قصة هؤلاء المهجّرين ليست مجرد سردٍ لحياة نزوح، بل شهادة على صراعٍ من أجل البقاء والتمسك بحقوقهم رغم محاولات الطمس والإقصاء.

المهجّرون من عفرين.. صرخة عودة لن تموت
المهجّرون من عفرين.. صرخة عودة لن تموت
المهجّرون من عفرين.. صرخة عودة لن تموت
الأحد 19 كانون الثاني, 2025   05:50
حلب
نسرين شيخو

في عام 2018، شن الاحتلال التركي ومرتزقته هجوماً عسكرياً على مدينة عفرين، هذه المدينة التي كانت ملاذاً آمناً لأبنائها ولعشرات الآلاف من السوريين الذين فروا من الحرب بين النظام البعثي والمجموعات المسلحة والمرتزقة. الهجوم الذي رافقه غارات جوية مكثفة وهجمات عنيفة انتهت باحتلال المدينة وتشريد أكثر من 300 ألف من سكانها.

هرباً من ويلات الحرب، لجأ المهجّرون قسراً إلى الشهباء، حيث أُقيمت مخيمات مؤقتة، لتصبح بعد ذلك مأوىً لهم لمدة سبع سنوات. اختار المهجرون قسراً البقاء في مخيمات قريبة من عفرين، ليشعروا دوماً بالأمل في العودة القريبة إلى ديارهم، ولكن هذا الأمل تحطم مرة أخرى أواخر عام 2024، مع شن الاحتلال التركي ومرتزقته هجوماً على تل رفعت والشهباء، ما أجبر أكثر من 100 شخص على الهجرة القسرية مرة أخرى.

ذكريات التهجير الأول: وجع الوطن المفقود

ويروي خليل عبدو عبد الله، أحد المهجّرين من قرية كاوركو في منطقة جندريسة، تفاصيل مؤلمة عن رحلة تهجيره القسري الأولى، قائلاً: "في عام 2018، كانت السماء مليئة بالطائرات الحربية التركية، التي لم تفرّق بين مدني ومقاتل. كل شيء كان مستهدفاً، البيوت، المدارس، وحتى الطرق. في النهاية، اضطررنا إلى الهروب. اتجهنا إلى الشهباء لأننا أردنا البقاء قريبين من عفرين، لكن العودة لم تتحقق".

تهجيرٌ ثانٍ: ألم مضاعف ومعاناة متكررة

التهجير الثاني لم يكن أقل مأساوية. العم خليل يصف لحظة إخلاء الشهباء بمرارة، قائلاً: "كنا نعيش في الشهباء، نزرع ونحاول بناء حياة بسيطة رغم قسوة الظروف، حتى جاءت الأخبار المفاجئة بضرورة الإخلاء. لم يكن لدينا الوقت لتحضير شيء، أخذنا فقط ما يمكننا حمله. كل ما تبقى من ذكرياتنا ومقاومتنا في الشهباء تركناه خلفنا".

وعلى الطريق إلى حيي الشيخ مقصود والأشرفية، عانت العائلات من ظروف قاسية. ويقول العم خليل: "البرد كان قاسياَ، والطريق طويل وشاق. رأينا مناظر مروعة، بينها جثث على أطراف الطرق. ومع ذلك، قررنا المضي قدماً؛ لأننا رفضنا الاستسلام للاحتلال التركي".

حكايات المهجّرين: صمود رغم الألم

وداد جميل، أم لستة أطفال، تتحدث عن معاناتها الشخصية مع التهجير المتكرر، قائلةً: "هذه المرة الثالثة التي أتعرض فيها للتهجير. عائلتي وأطفالي عاشوا ظروفاً لا يمكن وصفها. نحن نعيش في حالة دائمة من الاغتراب، ونريد فقط العودة إلى ديارنا. لماذا يُسمح للسوريين الآخرين بالعودة بينما نبقى نحن مشردين؟".

وتتابع وداد حديثها بحسرة: "تركنا كل شيء خلفنا. منازلنا، ذكرياتنا، حتى أبسط احتياجاتنا اليومية. نحن الآن نعيش في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، لكن قلوبنا ما زالت في عفرين. العودة إلى الوطن ليست مجرد رغبة، بل هي حق يجب أن نحصل عليه".

حنين لا يهدأ: الوطن هو الملاذ الوحيد

سعاد محمد حسن، التي عاشت التهجير القسري مرتين، تصف مشاعرها بالقول: "كلما اضطررنا للتهجير، زاد تمسكنا بعفرين. نحن لا نريد شيئاً سوى العودة إلى أرضنا. لن نتنازل عن حقنا في استعادة منازلنا. مهما حاول المحتل أن يمحو هويتنا، نحن باقون".

سعاد، التي تعيش الآن في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، تتحدث عن ضرورة الاتحاد بين أبناء عفرين، قائلةً: "في هذه المرحلة الصعبة، علينا أن نتحد ككرد وكأبناء عفرين. إذا بقينا متماسكين، سنستعيد أرضنا. نحن لا نسعى للانتقام، بل للعودة إلى حياة كريمة على أرضنا".

دعوة إلى العالم: نحن بحاجة إلى العدالة

ويطالب المهجّرون العفرينيون القوى الدولية بتحمل مسؤولياتها تجاه معاناتهم. إذ يقول العم خليل: "كل الشعوب التي عانت من الاحتلال والتشريد حصلت على حقها في العودة، لماذا نحن مستثنون؟ العالم يجب أن يدرك أن عفرين ليست مجرد أرض، بل هي هوية وتاريخ".

العودة حق

رغم سنوات النزوح القاسية، يواصل العفرينيون المهجرون قسراً التمسك بحلم العودة. بالنسبة لهم، العودة ليست مجرد خيار، بل هي مطلب لن يتخلوا عنه مهما طال الزمن. ويقول العم خليل: "نحن لا نريد سوى العودة إلى منازلنا. كل ما نريده هو أن ننهي هذه الرحلة الطويلة من المعاناة ونعيش بكرامة على أرضنا. عفرين تنتظرنا، ونحن لن نتخلى عنها".

(ح)

ANHA