لم تتحقق العدالة رغم مرور عام- بيريفان بيار

لم تتحقق العدالة رغم مرور عام- بيريفان بيار
الأحد 19 كانون الثاني, 2025   04:45

 "إذا كان الناس مضطهدين، فإن الحياة هي موت يومي بالنسبة لهم، فلا الأرض ولا الحياة يقبلان بهم، ويعيشون كأشخاص منافقين يتعرضون للإهانات والتوبيخ كل يوم، ولا يصلحون لشيء ووجوههم سوداء، أما إذا مات الإنسان على صخرة ما أو في سهل حر أو على أرض طاهرة لم تدنسها آثار المحتلين والمنافقين، فحينها يكون قد ولد حراً ومات حراً، لتكن الوسادة التي تحت رأسي من حجر الجبل، والملاءة  التي تغطيني من القش وأعشاب السهل، وفراشي تراباً أحمر، فحينها الموت حق مشروع لي، أنا لا أخاف الموت، ولكن أخشى أن أموت بلا قيمة وكرامة، فهذا حرام ولا معنى له بالنسبة لي، وهذا ما لا أقبله لنفسي،  لقد ضحى الكثير من الشباب بحياتهم وهم في بداية حياتهم، وأصبحوا أبطال الديمقراطية والسلام والمساواة حتى يتمكن جميع الناس من حماية أنفسهم من كل وحشية واحتلال وهجمات تحت مظلة واحدة".

هذا جزء من مذكرات الشهيدة زلال، ولكن عندما يفكر الإنسان في هذا النص حرفاً حرفاً، وكلمة كلمة، وجملة جملة، يدرك أنّ الخوف والهروب من الموت هو الموت بحد ذاته، وأنّ الشهادة حياة، والحرية هي شجرة الخلود المسقية بقطرات الدم، والشهيدة زلال زاغروس هي واحدة من الكثيرين الذين لم يختاروا العيش تحت نير الاحتلال والقمع والاضطهاد وضحوا بحياتهم من أجل حرية الشعب وضمان حقوق المرأة وبناء مجتمع أخلاقي.

بالنسبة لزلال، لم يكن موتاً عادياً؛ فقد نالت الشهادة التي تستحقها، لقد كان استشهادها في سبيل رفع راية الحرية وكان في سبيل قضية الشعب المشروعة، كان من أجل حرية شعب يعاني تحت وطأة نيران الاحتلال، لقد ناضلت زلال لتحرير المرأة من قيود العبودية التي كانت مقيدة بها، ولتنير طريق الحرية والكرامة، واستشهدت في سبيل ذلك.

يصادف 18 من كانون الثاني الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد إحدى قياديات حركة حرية المرأة الكردية، السياسية والثورية والمناضلة منذ 31 عاماً، زلال زاغروس (فريال سليمان خالد) التي اغتيلت على يد الاستخبارات التركية، ورغم مرور عام على استشهادها، إلا أنه لم يتم الكشف عن القتلة بعد ولم تتحقق العدالة حتى الآن.

وُلدت زلال زاغروس في قرية سلندر التابعة لمدينة عامودا في روج آفاي كردستان عام 1976، وترتبط القرية التي نشأت فيها زلال أيضاً بالثقافة والتقاليد الكردية، لذا، نشأت زلال كشابة عفوية تنتمي لطبيعتها، ولأنها لم تدرس في المدارس الحكومية، لم تتأثر شخصيتها بفساد النظام الرأسمالي.

ولأن زلال كانت الابنة الكبرى للأسرة، فقد تحلت بحس المسؤولية ومظاهر العمل الجاد في سن مبكرة، وكانت تؤدي ما يطلب منها من واجبات ومهام في المنزل دون كلل ولا تردد، ودخلت قلوب الجميع بعفويتها ووجهها البشوش واحترامها لجميع من حولها.

وكان الحس الوطني لديها في المقدمة دائماً مثلها مثل عائلتها، وعندما بدأت حركة أيديولوجية حزب العمال الكردستاني وانتشرت بقيادة عبد الله أوجلان، رحبت عائلة الشهيدة زلال، كغيرها من العوائل في كردستان، بهذه الأيديولوجية ترحيباً حاراً، وقدمت الدعم المادي والمعنوي للحركة، وكانت زلال ذات الشخصية الفضولية والهادفة في بحث دائم عن الحقيقة، وتعلمت من دون الذهاب إلى المدرسة أو تلقي التعليم من أحد، تعلمت بجهودها الخاصة، وفي الوقت نفسه علّمت إخوتها وأخواتها، وكانت تسعى دائماً لتنمية نفسها على الصعيد الفكري ومعرفة تاريخ وجغرافية شعبها.

لقد ذكرت زلال زاغورس والدتها في مذكراتها عدّة مرات، منها قولها: "انضممت إلى الحركة في سن مبكرة جداً بتشجيع من والدتي، كانت والدتي تقول لي دائماً، كم أتمنى لو كنت مثلك وانضممت أيضاً، وهكذا كنت أرافق الرفيقات حتى تعلمت شيئاً فشيئاً".

بدأت زلال مسيرة الحرية عام 1993 بمساعدة والدتها وتشجيعها وإيماناً منها بالنصر، حيث بدأت مسيرتها النضالية في مدينة الحسكة وقراها بتنظيم الأهالي، والتقت بالقائد عبد الله أوجلان مع حشد كبير عام 1995، وفي ذلك اللقاء دار بينهم نقاش عميق، ومنه يفهم القائد عبد الله أوجلان شخصيتها الصادقة والواضحة من أسلوبها البسيط وكلماتها العفوية، ويطلق عليها اسم زلال (الوضوح والنقاء).

تأثرت شخصية زلال برؤية القائد عبد الله أوجلان وأصبحت وسيلة لمواصلة مسيرة الحرية وخاصة للمرأة، لذا، توجهت إلى الجبال الحرة بشغف كبير في شهر آب عام 1995، وهناك وجدت الفرصة للتعرف على نموذج القائد عبد الله أوجلان عن كثب وترسيخ مبادئ حركة حرية المرأة في شخصيتها أكثر، وتأقلمت زلال مع حياة مقاتلي الكريلا بسرعة بفضل شخصيتها الصادقة والعفوية والفضولية، لقد وضعت النجاح والانتصار نصب عينيها في جميع أعمالها وأنشطتها، وأدت مهامها بتفانٍ، وبسبب روح الرفاقية الصادقة التي تمتعت بها حظيت بتقدير ومحبة الجميع.

وبعد سنوات من العمل الشاق والنضال في الجبال الحرة، انتقلت زلال في عام 2002 إلى جنوب كردستان، وكانت زلال إحدى مؤسسات حزب الحل الديمقراطي الكردستاني (PÇDK)، وعملت خلال الفترة الممتدة بين عامي 2002 و 2006، على نشر أفكار حركة التحرر الكردستانية في المجتمع، وفي ذلك الوقت، كانت هناك حالة الأزمة والاضطراب بين جنوب كردستان والعراق، إذ كان النظام حديث الانهيار، وعلى الرغم من ذلك واصلت عملها وكفاحها بتفانٍ، لقد عملت بكل حواسها وعقلها ليكسب مجتمع جنوب كردستان ومكونات كركوك ويستفادوا، لقد تركت بمواقفها وتوجهاتها أثراً في نفوس مجتمع جنوب كردستان أطفالاً، شباباً وكباراً، وما زالوا يتذكرونها ويذكرونها.  

لم يقتصر عمل ونضال زلال زاغروس على كردستان، ففي الـ 16 من تشرين الأول عام 2006 توجهت إلى أرمينيا، وقضت هناك حوالي 6 سنوات في النضال من أجل الحرية وتنظيم المرأة وتعريفها بحقوقها، حيث تركت أثرها وبصمتها هناك أيضاً.

مع بداية ثورة روج آفاي كردستان (2012)، قررت زلال العودة إلى روج آفا والانضمام إلى الثورة والأنشطة التنظيمية الشعبية، وفي طريق العودة، عبرت الحدود الأرمينية بسهولة وبشكل قانوني، وبعد عبورها حدود إيران، يتم استجوابها من قبل قوات الأسايش التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على جانب الحدود ضمن جنوب كردستان ويتم إعادتها إلى إيران دون سبب، لتتواصل زلال مع مسؤولي الحزب الديمقراطي في شرق كردستان، ولا يُسمح لها بالعودة بذريعة أنّها عضوة في حزب العمال الكردستاني، وأكثر من ذلك، فقد وضعها مسؤولو مكتب الحزب الديمقراطي الكردستاني في روجهلات كردستان في نخدة أمام خيارين؛ إما أن تترك وظيفتها وتصبح عضوةً لديهم وتحصل على امتيازات، أو لن يُسمح لها بالعودة إلى روج آفا، لتغضب زلال بسبب ذلك، وتلقن أولئك المسؤولين درساً عن حقيقة الكرد والكرامة، ونتيجة للمقاومة التي استمرت حوالي 3 أشهر، وصلت زلال إلى روج آفا بعد أكثر من 15 عاماً.

شاركت زلال في أعمال تشكيل الكومينات والمجالس ومؤسسات المرأة في العديد من مدن روج آفا كقامشلو وتربه سبيه، كما بذلت جهوداً كبيرة في دمشق ومنبج ودير الزور، وبفضل جهودها وتصرفاتها العفوية والصادقة، حظيت بتقدير ومحبة المجتمع العربي أيضاً.

واغتيلت زلال زاغروس، التي توجهت إلى جنوب كردستان للقاء المنظمات النسائية، في مدينة كركوك في الـ 18 من كانون الثاني عام 2024، بـ 8 رصاصات على يد استخبارات دولة الاحتلال التركي. 

أصبحت زلال زاغروس بنضالها الذي دام 31 عاماً، وبشخصيتها المتواضعة وموقفها الحازم وحبها للحياة، المثال الأبرز للمرأة الكردية الحرة، وستبقى ذكراها حية في قلوب وعقول المناضلين والأحرار ومحبي الحياة.

(ر)