الانتخابات البلدية في شمال وشرق سوريا ليست مجرّد انتخابات فقط - رؤوف كاراكوجان

الانتخابات البلدية في شمال وشرق سوريا ليست مجرّد انتخابات فقط - رؤوف كاراكوجان
23 حزيران 2024   12:05

أجّلت الإدارة الذاتيّة الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، الانتخابات البلدية، لكنّ هذا لم يكن كافياً لتخفيف التوتر في تركيا، فهي تصرّ على مواصلة الحديث عنها وسرد ملاحم بطولية زائفة حولها، تُعدّ هذه الانتخابات انتخاباتٍ محليّة يحدّد فيها الشعب إداراته المحليّة، فما الداعي للخوف منها؟ لقد صبّوا عليها جلّ اهتمامهم وركّزوا عليها وجعلوها محور محادثاتهم ونشاطهم الدبلوماسي، في الواقع لم تكن الإدارة الذاتيّة تتوقّع شيئاً كهذا، فقد تضخمت قضية الانتخابات ككرة الثلج ولا تزال تتضخّم أكثر فأكثر. 

ولا يزال الإعلام التركي يتحدّث عن قضايا مثل "أزمة بين أنقرة وواشنطن، لقد اختلفتا وتعارضتا، التفاوض بين أنقرة وموسكو حول هذا الموضوع" وغيرها، فما إن أعلنت الإدارة الذاتيّة تأجيل الانتخابات البلدية إلى شهر آب المقبل لأسباب معينة ذكرتها، حتّى سارعت تركيا لاستخدامها مادة دعائية تروّج بها لانتصاراتها المزيّفة، وأصبحت الأجندات السخيفة من قبيل "نجحت الضغوط، أجّلوا الانتخابات" محور السياسة والإعلام الموالي للسلطة، لقد خلق القوميون لأنفسهم انتصاراً مزيفاً وبدؤوا بدعاية غسل الأدمغة مستغلين هذا الحماس، ورفع الديكتاتور التركي أردوغان وتيرة ذلك وقال: "التأجيل وحده غير كافٍ يجب إلغاءها نهائياً".

لنقل مثلاً إنّ أمر الديكتاتور أردوغان "بإلغاء الانتخابات البلدية" قد نُفّذ، فهل سيبقى الشعب حينها بدون إدارة؟ يحقّ لأهالي شمال وشرق سوريا والشعب السوري عموماً، انتخاب إدارةٍ تتماشى مع تطلعاتهم، ولا يمكن حرمانهم من هذا الحق، وسيدرك من لا تستوعب عقولهم هذا الأمر، هذه الحقيقة عاجلاً أم آجلاً وسيضطرّون لقبولها.

لقد اتّخذت السلطة الغازية لكردستان من التحكّم بمصير الشعب الكردي وظيفةً لها، إذ تعيّن الولاة والأوصياء وتتّخذ من بلديات شمال كردستان وشمال وشرق سوريا ذريعةً للحرب، إنّهم يرهنون مستقبل الشعب الكردي، ويمكن القول إنّ هذا الأمر أصبح مسألة وجوديّة في تركيا.

يجب إدراك هذه الحقيقة؛ لم يُتّخذ قرار الانتخابات بعد التشاور مع أي قوى، ولم يجرِ تأجيله بناءً على رغبة أي طرف (الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا وسوريا) والأقاويل من قبيل "تمّ تأجيل الانتخابات بسبب الضغوط التركية" غير صحيحة، فتأجيل الانتخابات أو إلغاؤها مرهونان بقرار الإدارة الذاتيّة بالعمل وفق مصالح الشعب، ومحاولة تركيا خلق انتصار وهمي من هذا، ما هي إلّا محاولة فاشلة.

يتمتّع الشعب الكردي بالإرادة مثله مثل أيّ شعب، وهو ليس في موضع التحرّك وفقاً لرغبة القوى الأخرى، وتتّخذ الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا قرار تأجيل الانتخابات من عدمه، آخذةً في الحسبان الوضع الحالي، المعادلة السياسية الإقليمية ونتائج إرادته الحرّة، ويحقّ للهيئات والجهات الرسمية التي تمثّل الشعب اتّخاذ القرارات المناسبة في الوقت الذي تراه مناسباً.

فشلت تركيا في سياساتها المتعلّقة بسوريا، وجميع الاستثمارات التي قامت بها في المناطق المحتلّة، ولا سيما الاستثمارات السياسيّة والعسكرية والاقتصادية هي في الأساس استثمارات ميّتة، وعاجلاً أم آجلاً سيعود الضرر الذي تسبّبت به إليها، وانهارت سياساتها الخارجيّة القائمة على معاداة الكرد برمّتها وليست المتعلّقة بسوريا فحسب، لقد سعت إلى تحقيق مصالح والحصول على مكاسب في المنطقة من خلال معاداة الكرد واستخدام الضغط العسكري وخلق ضغط سياسي ودبلوماسي، ولعبت هذا الدور إلى حدّ ما، لكنّها تتّجه نحو الهاوية خطوةً تلو الأخرى ولم يعد بإمكانها السيطرة على الأمور، إنّ سبب الفقر الكبير في تركيا هو معاداة الكرد، مع أنّه لا يوجد أي تفسير منطقي للعداء تجاه الكرد، إنّ هستيريا الدولة المحتلّة وهوسها سيسيران بها نحو الهاوية أكثر فأكثر.

مؤخراً، يحاول الجميع شرح مفهوم "الطبيعية" في السياسة التركية، لكن من الأنسب هنا وصفها بـ "الطبيعية غير الطبيعية" فمن المستحيل أن يصبح الوضع في تركيا طبيعياً بدون السلام مع الكرد، فكيف يمكن لدولةٍ تشهد حالة حربٍ مستمرّة أن تصبح طبيعية؟ كيف يمكن أن يكون الوضع طبيعياً في دولةٍ لا تقبل بالانتخابات البلديّة خارج حدودها وتتّخذها ذريعةً للحرب؟ يعلم جميع السياسيين أنّ الحالة الطبيعية في السياسة لا يمكن أن تتحقّق بتجاهل القضية الكردية التي تُعدّ القضية الأولى والرئيسة، إذاً إنّهم بحديثهم عن أنّ الوضع طبيعي يسخرون من الشعب، إنّ السلطة السياسيّة المتشكّلة من مزيجٍ من المجموعات الفاشيّة والمتطرّفة والمتعصّبة قوميّاً تبذل قصارى جهدها لخلق "عدوّ" للكرد.

ورغم كلّ هجمات الإبادة والاستبداد التي تشنّها الدولة التركية على الكرد، يواصل الكرد نشاطهم، ويستمرّون بالدفاع عن وحدة الشعوب على المستوى النموذجي، إنّهم مستمرّون في السعي خلف حقوقهم الوطنيّة وفي مقدّمتها حقّ تقرير المصير في صورة الأمّة الديمقراطية، ويعبّرون عن رغبتهم بالتعايش المشترك بأعلى صوت، إنّ القضيّة الأساسيّة التي تقلق الدولة التركية هي خيار الأمّة الديمقراطية التي يتمّ تمثيلها وتبنّيها كنموذج، لذا فإنّ هذه الانتخابات البلديّة ليست مجرّد انتخاباتٍ عاديّة بل أكثر من ذلك.

(ر)