عزيز كويلو أوغلو.. الصحفي الذي صاغ ملامح الإعلام الثوري في روج آفا - حسن رمو

عزيز كويلو أوغلو.. الصحفي الذي صاغ ملامح الإعلام الثوري في روج آفا - حسن رمو
الأحد 9 شباط, 2025   07:30

عندما اندلعت ثورة 19 تموز عام 2012 في روج آفا، كانت الأرض تغلي بالأحداث، والمجتمع يسير بخطى حذرة نحو مستقبل لا تزال ملامحه غامضة. في ظل هذه التحولات، كان من الضروري وجود إعلام حر ينقل هذه المرحلة المفصلية إلى العالم، يكشف الحقائق، ويوثق المراحل الأولى لثورة شعب اختار أن يصنع طريقه الثالث، بعيداً عن استقطابات الصراع السوري.

في ذلك الوقت، كانت وكالة أنباء هاوار التي تأسست في الأول من آذار عام 2013، لا تزال تحاول شق طريقها، تبحث عن هوية إعلامية، عن منهجية، وعن خبرات تُعينها على مواجهة التحديات التي يفرضها العمل الصحفي في منطقة ملتهبة. في هذه اللحظة، حلّ علينا ثائرٌ وسيم ممشوق القامة، ذو شخصية رتيبة، يتحدث وكأنه عاش الثورة منذ اللحظة الأولى، يشرح دور الإعلام في التغيير، ويؤكد أن الصحافة ليست مجرد نقل أخبار، بل مسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه المجتمع. كان هذا الثائر هو عزيز كويلو أوغلو، الصحفي الذي ترك بصمته على كل تفصيل من تفاصيل الإعلام الحرّ في روج آفا.

المدرسة الصحفية لعزيز كويلو أوغلو.. تكوين جيل من الإعلاميين

منذ اللحظة الأولى لانضمامه إلى وكالة أنباء هاوار عام 2013، لم يكن عزيز مجرد صحفي ينقل الأخبار، بل كان معلّماً حقيقياً، يدرك أن الصحافة الحرة تحتاج إلى كوادر مدربة، قادرة على صياغة الحدث وتحليله بعمق. لم يكن الإعلام في روج آفا حينها سوى تجربة ناشئة، فالكثير من الإعلاميين الجدد لم يكن لديهم أي خلفية صحفية، بل كانت أغلب محاولاتهم فردية، متأثرة بالإعلام التقليدي أو بما تيسر لهم من تجارب سابقة تحت قيود النظام القمعي.

كان عزيز مدركاً لهذه الثغرات، فبدأ عمله من الأساس، لم يُلقِ الدروس النظرية فقط، بل خاض مع الإعلاميين تجارب ميدانية، علّمهم كيف يلتقطون الخبر، كيف يقرأون بين السطور، كيف يكون الخبر أداةً لتوجيه الرأي العام، وكيف يصيغون المادة الإعلامية بأسلوب يحترم عقل القارئ، وينقل الحقيقة دون تحريف.

أسلوبه في التعليم والتدريب

لم يكن من النوع الذي يلقي التعليمات من بعيد، بل كان يخوض التجربة جنباً إلى جنب مع الإعلاميين. كان يجلس في غرفة التحرير، يقرأ الأخبار ويطلب منهم إعادة صياغتها بأساليب مختلفة، يبين لهم الأخطاء، ويقدم لهم الحلول. كان يرفض الأسلوب التقليدي في التحرير، ويؤكد أن الصحافة الثورية يجب أن تكون حيوية، سريعة، مباشرة، ولكنها في الوقت ذاته عميقة في تحليلها للأحداث.

كما كان حريصاً على تطوير لغة الإعلاميين، كان يردد دائماً: "الصحفي لا يكفي أن ينقل الحدث، بل يجب أن يفهمه ويحلله، فالإعلامي الحقيقي ليس مجرد ناقل بل عقلٌ قادر على استقراء المستقبل".

لم يكن همه فقط نقل الأحداث، بل كان مؤمناً بأن الصحافة الحرة لا تقوم على فرد واحد، بل تحتاج إلى جيل يحمل المشعل من بعده. لذلك، كرّس جزءاً كبيراً من وقته لتدريب الإعلاميين، في وكالة أنباء هاوار، في القنوات التلفزيونية، وفي أكاديمية الشهيد فايق للإعلام في روج آفا. العشرات من الإعلاميين اليوم يحملون بصماته في كتاباتهم وتقاريرهم، ويتبعون نهجه في البحث عن الحقيقة وسط زحام التزييف والتضليل.

التغطيات الميدانية.. بين الجبهات والخنادق

إلى جانب عمله التحريري والتدريبي، لم يكن عزيز يكتفي بالجلوس في المكتب، بل كان من أوائل الصحفيين الذين توجهوا إلى ميادين القتال، حيث التهبت الجبهات في روج آفا منذ الأيام الأولى للثورة. كان يصرّ على أن الصحفي الحقيقي يجب أن يكون في قلب الحدث، أن يرى بأم عينه، لا أن ينقل من مصادر ثانوية.

فضح مجازر الاحتلال التركي في تل عران وتل حاصل

عام 2013، عندما ارتكب مرتزقة الاحتلال التركي مجازر في بلدتي تل عران وتل حاصل بحق الكرد، كان من أوائل من سلطوا الضوء على هذه الجرائم. لم يكن الحدث مجرد خبر عابر، بل كان جزءاً من مخطط أوسع لاقتلاع الكرد من مناطقهم، وهو ما أدركه من اللحظة الأولى. كتب تقارير معمقة، تحدث فيها عن الأبعاد السياسية لهذه المجازر، وعن أهداف الاحتلال التركي في تغيير ديمغرافية المنطقة وهو ما رأيناه لاحقاً.

تحرير تل كوجر.. أول من نقل الحدث

في 27 تشرين الأول 2013، عندما بدأت معركة تحرير تل كوجر من قبضة مرتزقة داعش، كان عزيز في قلب الحدث، يلاحق التفاصيل لحظة بلحظة. لم يكتفِ بكتابة الأخبار من بعيد، بل نزل إلى الميدان، التقط الصور، ونقل عبر كاميرته تفاصيل المعركة، رصد تحركات المقاتلين، والتقى بهم، ووثق شهاداتهم.

كان يعلم أن هذه المعركة ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت لحظة تاريخية تؤكد قدرة شعوب المنطقة من الكرد والعرب والسريان الآشور والأرمن، على الدفاع عن أرضهم. لذلك، كان أول من كتب عن تحرير تل كوجر من قبل وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، ليكون الخبر الذي تصدّر عناوين وسائل الإعلام.

إيمان راسخ انعكس في عمله

في أواخر عام 2014، عندما حاصر مرتزقة داعش مدينة كوباني، وبدأت المعركة التي ستغير مسار الحرب ضد المرتزقة، كان الرفيق عزيز ينقل صوت المقاومة المحاصرة إلى العالم أجمع.

أتذكر يوماً قال فيه لنا في الوكالة: "إذا كنتم تؤمنون بحركة حرية كردستان، فكونوا على يقين بأن كوباني لن تسقط، حتى ولو كان من يهاجمها هم همج العصر".

لم تكن هذه مجرد كلمات، بل كانت إيماناً راسخاً ينعكس في عمله، في تقاريره التي نقلها عن المقاومة والمخططات التي تستهدف المدينة وروج آفا.

مقاومة عفرين وسري كانيه.. حتى الرمق الأخير

عندما شن الاحتلال التركي هجومه على عفرين في 20 كانون الثاني 2018، لم يتردد في التوجه إلى هناك. كان يعلم أن المعركة ستكون قاسية، وأن الاحتلال سيحاول فرض تعتيم إعلامي على جرائمه. لذلك، حمل كاميرته وقلمه، وعمل بلا توقف على نقل تفاصيل المقاومة التي استمرت 58 يوماً.

وفي عام 2019، عندما هاجم الاحتلال التركي مدينتي سري كانيه وكري سبي، كان مرة أخرى في المقدمة، ينقل الأحداث لحظة بلحظة، ويكشف فظائع المحتل أمام العالم.

إرث خالد.. ومشعل لا ينطفئ

رحل الرفيق عزيز كويلو أوغلو في 27 كانون الثاني 2025، بعدما استهدف الاحتلال التركي سيارته على طريق رانيا التابعة لمدينة السليمانية في جنوب كردستان، لكنه لم يرحل فعلياً.

ففي كل مدينة في روج آفا، هناك صحفي تتلمذ على يديه، هناك جيل من الإعلاميين الذين تعلموا منه كيف يكون الصحفي صوتاً للحقيقة، وكيف يكون الإعلامي الثوري جزءاً من المعركة، لا مجرد متفرج.

ترك وراءه مدرسة صحفية متكاملة، قائمة على الجرأة في نقل الحدث، الدقة في التحليل، والالتزام بقيم الثورة والحرية. كان يؤمن بأن الصحافة ليست مهنة فقط، بل نضال مستمر، وها هو إرثه اليوم يواصل المشوار من خلال من تتلمذوا على يديه.

لم يكن الرفيق عزيز كويلو أوغلو مجرد صحفي يلاحق الأخبار، بل كان ثورياً يحمل بين يديه الحقيقة، يكتبها بمداد التجربة، ويوثقها بحدس الثائر، وينقلها بعدسة المقاتل الذي لا يهاب الموت.

عزيز كويلو أوغلو.. اسم لن يُمحى، لأن الصحفي الذي يكتب بدمه، لا تموت كلماته أبداً.