جولة جديدة لأستانا.. تصعيد في الميدان وبحث عن مقايضات واختبار للسوريين

يعود ثلاثي الصفقات (روسيا، تركيا، إيران)، اليوم، إلى طاولة "مسار أستانا" المتعلق بالأزمة السورية، وذلك بالتزامن مع تطورات إقليمية ودولية ساخنة، فضلاً عن تصعيد مستمر في شمال غرب سوريا ومناطق ما تسمى "خفض التصعيد" التي أقرّتها دول حلف أستانا، فماذا ستحمل الجولة الـ 22 من هذا المسار؟

جولة جديدة لأستانا.. تصعيد في الميدان وبحث عن مقايضات واختبار للسوريين
الإثنين 11 تشرين الثاني, 2024   12:00
مركز الأخبار
يحيى الحبيب

ينطلق في العاصمة الكازاخستانية نور سلطان، اليوم، الاجتماع الـ 22 ضمن "مسار أستانا" حول سوريا، بمشاركة ثلاثي الصفقات، روسيا وتركيا وإيران.

وسبق أن أعلن نائب وزير الخارجية الروسية سيرغي فيرشينين، بتاريخ 10 تشرين الأول الجاري، عن تحضيرات جارية لعقد الاجتماع الـ 22 ضمن مسار أستانا في العاصمة الكازاخية نور سلطان.

وبحسب وكالة "تاس" الروسية، ذكر فيرشينين، أن موسكو ترى في صيغة أستانا دوراً "مهماً وإيجابياً للغاية"، بما يخص الشأن السوري، على حد قوله.

نبذة عن جولات أستانا السابقة

عقب 21 جولة مضت، من اجتماعات "مسار أستانا" والتي باتت نتائجها واضحة في كل مفاصل حياة السوريين، من بين رسم خرائط نفوذ جديدة للبلاد وتقسيمها بين "ثلاثي الصفقات"، وتغيير ديمغرافية المناطق السورية من خلال تهجير أهلها وتوطين آخرين يلائمون مصالحها، يراقب السوريون بقلق وتساؤل ماذا ستفعل الجولة الـ 22 بدولتهم؟

واختتمت الجولة الـ 21 من اجتماعات أستانا الخاصة بالملف السوري بتاريخ 25 كانون الثاني الماضي، وذلك بإصدار بيان ختامي تعامى عن الاحتلال والهجمات التركية على الأراضي السورية، وبشكل عمومي ودون الخوض في التفاصيل، تحدث البيان عن أهمية مواصلة العمل على إعادة العلاقات بين حكومة دمشق والاحتلال التركي.

واستغلت دولة الاحتلال التركي هذه الاجتماعات لاحتلال عفرين عبر عقد صفقات مع روسيا، إذ تم إفراغ الغوطة الشرقية من مرتزقة تركيا لقاء السماح لتركيا باحتلال عفرين، حيث حققت مصالح ما تسمى الدول الضامنة، فروسيا استطاعت أن تخفف هجمات المرتزقة على دمشق، وبالتالي ساعدت الأخيرة في استعادة مناطق جديدة وفرض الحصار على مناطق أخرى وتجويع سكانها، وجعل المرتزقة فيها يستسلمون، كما سمحت هذه الجولات باحتلال مناطق سري كانيه وكري سبي في شمال وشرق سوريا، في تشرين الأول من العام 2019.

ومنذ الجولة الـ 21 حاولت الدول ما تسمى بالضامنة، دفع التطبيع بين حكومة دمشق والاحتلال التركي، حيث تم مناقشة خريطة الطريق الروسية بشأن ذلك.

جبهات ساخنة تستبق الجولة المقبلة

كما هي العادة، وقبل كل جولة لمسار أستانا، تشهد مناطق ما تسمى "خفض التصعيد" جولة من القصف والاشتباك المتبادل، حيث شنت الطائرات الروسية خلال الأيام الماضية غارات عنيفة في إدلب ومحيط تلال الكبينة في ريف اللاذقية الشمالي، وسط الحديث عن استعدادات لـمرتزقة ما تسمى "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) للقيام بما اسمته "عملية عسكرية واسعة ضد مواقع قوات حكومة دمشق" في حلب وإدلب.

وفي ظل هذه التطورات، دفع جيش الاحتلال التركي بتعزيزات عسكرية جديدة إلى نقاطه في جبل الزاوية في جنوب إدلب، على هيئة رتل ضم 15 شاحنة مغلقة محملة بالمواد اللوجيستية والعسكرية، رافقه أكثر من 10 مدرعات وناقلات للجند.

ودفع الاحتلال التركي خلال الأسابيع الماضية بأكثر من 190 آلية عسكرية إلى نقاطه في إدلب، ومواقع تمركز قواتها في حلب، كما أرسلت راداراً متطوراً وفعّلت أجهزة التشويش على الطائرات في إدلب.

انهيار للتفاهمات أم تحضير لتعديلها؟

على الرغم من أن الأجواء في شمال غرب سوريا، تشير إلى أن التفاهمات ضمن مسار أستانا بين الاحتلال التركي وروسيا وإيران، تتجه إلى الانهيار، إلا أن ذلك يعد صعباً وخاصة أن النتائج لن تكون في صالح هذه الأطراف، ووفقاً لما يتوقع بأن الأطراف المحلية في هذا الصراع تحاول استغلال الظروف الإقليمية والدولية.

من جهة، تسعى المرتزقة لتوسيع مناطق احتلالها على حساب قوات حكومة دمشق، وخاصة أنها تنظر إلى ما تسميهم "المجموعات الإيرانية وخاصة حزب الله" التي تدعم قوات حكومة دمشق، منشغلة بالتصعيد مع إسرائيل، وبالتالي يشكل ذلك فرصة لها.

هذه الفرضية لا تعارضها دولة الاحتلال التركي بالمطلق، حيث يشكل ذلك عامل ضغط أكثر على روسيا ودمشق للتنازل في مسألة عودة علاقتها مع دمشق، حيث لا تزال دمشق تؤكد على ضرورة انسحاب الاحتلال التركي من الأراضي السورية، وبالتالي الاحتلال التركي يسعى لاستغلال الضغط من قبل المرتزقة على حكومة دمشق وموسكو وإيران قبل اجتماع أستانا.

ويرى مراقبون في المقابل، بإن الاحتلال التركي لا يريد أن يظهر بأنه يقف بشكل مباشر وراء هذا التصعيد كي لا تتأثر علاقته بروسيا.

ومن جهة ثانية، يمكن أن يستغل الاحتلال التركي الضغوط من قبل المرتزقة على حكومة دمشق بهدف دفع الأخيرة وروسيا وإيران لدعم عدائها بشكل صريح ومباشر للإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، وخاصة أن تركيا تحاول الضغط على القوى الغربية وإسرائيل نتيجة لنفوذ الأخيرة لدى القوى والمجتمع الدولي، من خلال استفزازهم عبر انتقاد الهجمات الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا وخاصة أن رئيس الاحتلال التركي ومسؤوليه سلطوا الضوء قبل أيام على الضربات التي تشنها إسرائيل في الأراضي السورية، وبالتالي يريد الاحتلال التركي الإشارة بشكل غير مباشر للقوى الدولية بأنه كما تشن إسرائيل عمليات عسكرية في المنطقة، فإن لتركيا أيضاً الحق بشن عمليات مشابهة في سوريا.

استقراء في المحاولات التركية خلال الجولة المقبلة

ويشير السوريون، إلى إن دولة الاحتلال التركي ستدفع المرتزقة بشكل غير مباشر لشن المزيد من الهجمات والتهديدات على قوات حكومة دمشق في شمال غرب سوريا، وبالتالي التركيز خلال الجولة المقبلة على مسألة عودة العلاقات مع حكومة دمشق، والضغط على روسيا وإيران بهدف دفع دمشق للتخلي عن شروطها والإعلان عن تقدم في مسار عودة العلاقات بين الطرفين، وعدم الحديث عن احتلال تركيا لمناطق سورية، وخاصة أن روسيا وإيران تواجهان ضغوطاً غربية وإسرائيلية.

حيث تواجه موسكو تحديات عسكرية في أوكرانيا؛ بسبب زيادة الدعم الغربي للجيش الأوكراني، في حين تواجه إيران تهديدات جدية نتيجة لإمكانية توجيه إسرائيل لضربات تهددها بشكل مباشر، بالإضافة إلى تهديد نفوذها في كل من سوريا والعراق ولبنان واليمن، وخاصة في حال انخراط الولايات المتحدة والغرب في هذه الحرب.

كما أن تهديد النفوذ الإيراني في سوريا تحديداً يُعد تهديداً مماثلاً للنفوذ الروسي أيضاً، كما أن موسكو لا تزال تحاول تحييد تركيا عن دعم السياسية الغربية في كل من أوكرانيا والشرق الأوسط.

ويؤكد مراقبون، بالإضافة إلى ذلك، ستحاول دولة الاحتلال التركي الضغط على كل من روسيا وإيران لتشكيل نوع من التحالف غير مباشر ضد الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، ومحاولة إقناعهم أن مشروع الإدارة الذاتية ووجود التحالف الدولي الداعم لقوات سوريا الديمقراطية في محاربة الإرهاب، يشكل تهديداً لمصالحهم ونفوذهم.

كما أن هذه الأطراف ستحاول توسيع عمليات التنسيق بين بعضها لحماية مصالحهم الاقتصادية في سوريا كي لا تتأثر بتداعيات التصعيد في دول الجوار، وخاصة أنه وعلى الرغم من التعاون بين دول "مسار أستانا" إلا أن هذا المسار لا يزال يفتقد إلى الثقة المطلوبة، وخاصة أن كل من روسيا وإيران تخشيان من التقلب التركي في الاصطفاف والتحالفات.

ويرى مراقبون أن استمرار اللعب التركي على التناقضات بين القوى الإقليمية والدولية، ومواصلة تحريك الأدوات والمجموعات المرتزقة للضغط بشكل ابتزازي لإجراء مقايضات غير مصلحية وغير استراتيجية، يزيد من النظرة السلبية لدى هذه القوى بأنها طرف إقليمي غير صالح لأن يكون شريكاً أو حليفاً على مستوى المنطقة والعالم.

ويذهب المراقبون في تحليلهم إلى أن إمكانية التوافق بين تركيا وروسيا وإيران على حساب المطالب السورية، بإخراج قواتها المحتلة من سوريا والكف عن دعم الجماعات المرتزقة، يجب أن يشكل دافعاً جديداً للسوريين للبحث عن سبل الاتحاد والتشارك لتحرير الأراضي السورية ومواجهة الإملاءات الخارجية عليهم، كما يشكل عامل اختبار جديد لحكومة دمشق والقوى السياسية السورية الأخرى، لتثبت ما ترفعه من شعارات حول الوطنية والاستقلال.

(أم)

ANHA