تعقيدات المشهد الجيوسياسي في حلب.. مقاومة الشيخ مقصود والأشرفية نموذجاً

تقدم مقاومة حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب في وجه جحافل المرتزقة الذين استقدمهم الاحتلال التركي من مختلف أصقاع الأرض، درساً عميقاً للشعوب في سوريا والشرق الأوسط والعالم، وتؤكد أن الحرية تبدأ من الإيمان بقوة المجتمع وقدرته على حماية نفسه وبناء مستقبله.

تعقيدات المشهد الجيوسياسي في حلب.. مقاومة الشيخ مقصود والأشرفية نموذجاً
تعقيدات المشهد الجيوسياسي في حلب.. مقاومة الشيخ مقصود والأشرفية نموذجاً
تعقيدات المشهد الجيوسياسي في حلب.. مقاومة الشيخ مقصود والأشرفية نموذجاً
تعقيدات المشهد الجيوسياسي في حلب.. مقاومة الشيخ مقصود والأشرفية نموذجاً
الخميس 5 كانون الأول, 2024   07:00
حلب
محمد عبدو

مع بدء هجمات مرتزقة الاحتلال التركي على مدينة حلب في الـ 27 من تشرين الثاني الفائت، عاد حيا الشيخ مقصود والأشرفية إلى الواجهة مجدداً كقصة صمود في وجه الهجمات التي طالت ثاني أكبر مدن سوريا وعاصمتها الاقتصادية عام 2012.

الجولة الـ 22 من أستانا والهجمات الجديدة!

بدأ التصعيد الأخير بعد الجولة الـ22 لاجتماعات أستانا التي انعقدت في الـ 12 من تشرين الثاني الفائت، والتي لم تفضِ إلى نتائج تُلزم دولة الاحتلال التركي بوقف هجماتها وانتهاكاتها بحق السوريين حيث سعى الجانبان الروسي والإيراني لحماية مصالحهما على حساب مصلحة الشعب السوري، وجرى الحديث حينها عن موت أستانا سريرياً لأنها لم تحقق شيئاً منذ انطلاقتها عام 2017 باستثناء إعادة سيطرة حكومة دمشق على مساحات كبيرة من سوريا بعد إنشاء ما تسمى مناطق خفض التصعيد وتوكيل دولة الاحتلال التركي كضامن للمرتزقة والإرهابيين في إدلب وأرياف حلب.

تطورات سريعة على الأرض

خلال الهجوم الأخير شهدت مدينة حلب انهياراً سريعاً في الدفاعات الغربية لقوات حكومة دمشق، حيث تمكن المرتزقة من الوصول إلى حيّي حلب الجديدة والحمدانية بعد تفجير انتحاريين نفسيهما عند المدخل الغربي للمدينة.

هذا الهجوم الخاطف أعقبه انسحاب قوات حكومة دمشق دون مقاومة تُذكر، تاركة أحياء المدينة عرضةً لجرائم المرتزقة الذين بات كل السوريين وخصوصاً نساء إدلب وأرياف حلب وعفرين يعرفونه جيداً، باستثناء حيي الشيخ مقصود والأشرفية، اللذين صمدا كمناطق مقاومة وحيدة.

إرث المقاومة الشعبية

يعتمد أهالي الشيخ مقصود والأشرفية على خبرات مقاومة امتدت بين عامي 2012 و2016 ففي تلك الفترة كانت المدينة مقسمة إلى منطقتي سيطرة، فالمجموعات المرتزقة التابعة لتركيا كانت تسيطر على شطر وقوات حكومة دمشق كانت تسيطر على شطر، وكان حيا الشيخ مقصود والأشرفية محاصرين تماماً من قبلهما ويتعرضان لهجوم الطرفين، حيث إن كلاهما كانا يحاولان السيطرة على هذين الحيين.

ولذلك اتبع أهالي الحيين مفهوم حرب الشعب الثورية. حيث يُبرز هذا النموذج التعاون بين المقاتلين والأهالي في تنظيم خطوط الدفاع وإعداد المؤن والمساندة الطبية.

نصرٌ توجته حرب الشعب الثورية وتنظيم المرأة ووحدة المكونات

وتعتبر حرب الشعب الثورية إحدى الاستراتيجيات التي طرحها القائد عبدالله أوجلان في إطار المقاومة المجتمعية ضد الاحتلال والغزو.

ووفقاً للقائد، فإن المقاومة لا تعتمد فقط على التفوق العسكري أو التقني، بل على قدرة المجتمع على تنظيم نفسه وممارسة الدفاع الذاتي المشروع.

وهذا النمط من الكفاح يهدف إلى تعزيز الوعي الجماعي والمسؤولية الوطنية من خلال اشتراك جميع فئات المجتمع في الدفاع عن وجودهم وهويتهم، وهو ما يُعَد الدواء لمواجهة "سرطان الرأسمالية"، كما يصفه القائد عبد الله أوجلان في كتابه سوسيولوجيا الحرية.

ورغم افتقار الحي إلى الإمكانات المادية أو العسكرية المتطورة، إلا أن العزيمة والإرادة والتنظيم المجتمعي ووحدة المكونات شكلّت عناصر الحسم في تلك المقاومة.

ويُعزا النجاح الذي حققه أهالي الحي إلى تطبيق مبادئ حرب الشعب الثورية، التي تعطي الأولوية لقيم التضامن والإبداع والاعتماد على القوة الذاتية بدلاً من الركون إلى الإمكانات الخارجية.

ولعبت المرأة دوراً ريادياً في المقاومة، من خلال المساهمة في الجبهات الأولى للقتال وكذلك في تنظيم الأهالي وتوفير الدعم اللوجستي والطبي، مما عزز من استمرارية المقاومة. إلى جانب ذلك، أظهر تكاتف جميع المكونات (الكردية والعربية والسريانية) في الشيخ مقصود والأشرفية نموذجاً لوحدة المجتمعات في مواجهة محاولات التقسيم والتفتيت.

استعادة التجربة

تلك التجربة، المحفورة في ذاكرة المدينة، استُعيدت اليوم في ظل الهجمات المتواصلة، مما دفع أعداداً كبيرة من أهالي الأحياء المجاورة للجوء إلى الحيين طلباً للأمان.

تنظيم وإرادة الصمود

ورغم الحرب النفسية ومحاولة الهجوم على الحيين من قبل المرتزقة في الأيام الأولى من الحصار والهجمات على الحيين، إلا أن قوات حماية الشيخ مقصود والأشرفية استطاعت تثبيت خطوط الدفاع وصد محاولات التسلل، بما في ذلك محاولة تسلل في 30 تشرين الثاني والتي جرى فيها إلقاء القبض على ثلاثة من مرتزقة الاحتلال التركي.

وإلى جانب الجهود العسكرية، أطلق الأهالي مبادرات دعم شملت التبرع بالدم وتقديم العون اللوجستي، ما يعكس مستوى الوعي الجماعي بأهمية التضامن في مواجهة التحديات.

مقارنة مواقف الأطراف

ويتجلى في هذا السياق فارق كبير بين موقف أهالي الشيخ مقصود والأشرفية، الذين اتحدوا لحماية أنفسهم، وموقف قوات حكومة دمشق، التي انسحبت دون مقاومة، تاركة المدنيين لمصيرهم المجهول. هذا التخاذل يبرز كدليل على غياب استراتيجية واضحة لدى دمشق في حماية المدنيين والحد من توسع الاحتلال التركي ومرتزقته في الأراضي السورية.

خلية نحل في مواجهة الدبابير

وبينما يتواصل التصعيد العسكري، يظل أهالي الشيخ مقصود والأشرفية كخلية نحل لا تهدأ، يعملون يداً بيد لإبعاد خطر المرتزقة وحماية كل من لجأ إليهم كخلية النحل التي تتكاتف لإبعاد الدبابير عن الخلية.

وفي المقابل، يكشف انسحاب قوات حكومة دمشق دون مقاومة عن قصور خطير في حماية المدنيين، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية للتدخل وإدانة الجرائم التي يرتكبها مرتزقة الاحتلال التركي وإيقاف الاحتلال عند حدوده وإلزامه بالخروج من الأراضي السورية المحتلة.

صمود يُكتب في التاريخ

إن ما يحدث في الشيخ مقصود والأشرفية ليس مجرد مقاومة آنية، بل هو نموذج لصمود مجتمعي يُبرز كيف يمكن للإرادة الشعبية أن تواجه محاولات الإبادة والتغيير الديمغرافي. هذا الكفاح، الذي يعيد إلى الأذهان أبطالاً ومواقف من تاريخ المدينة، يستحق أن يُوثق كصفحة مشرقة في سجل النضال السوري.

الإدارة الذاتية هي الحل

إن مقاومة الشيخ مقصود والأشرفية تُبرز أهمية الإدارة الذاتية كنهج مقاوم يتيح للمجتمعات إدارة شؤونها وحل مشكلاتها بقوتها الذاتية. وهي رسالة واضحة بأن النصر لا يتحقق بالتفوق المادي أو العسكري، بل بإرادة الشعوب وتنظيمها لمقاومة كل أشكال الهيمنة.

(أم)

ANHA