القوى الدولية ومؤسساتها والقانون الدولي.. أدوات تُستخدم عند الحاجة

لا تزال المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، مقيدة بمصالح القوى الكبرى والإقليمية، مما يكشف عن ازدواجية المعايير لديها. فقد شكلت الحرب في الشرق الأوسط وتفاعل هذه المنظمات مع القوى الدولية والإقليمية اختباراً حقيقياً لمبادئها وقيمها الإنسانية وحقوقها، خاصة في ظل صمتها البغيض أثناء ارتكاب الاحتلال التركي لجرائم حرب موثقة في شمال وشرق سوريا. وهذا يؤكد مجدداً أن هذه المبادئ ليست سوى شعارات تُرفع عند الحاجة والضرورة.

القوى الدولية ومؤسساتها والقانون الدولي.. أدوات تُستخدم عند الحاجة
الإثنين 21 تشرين الأول, 2024   06:00
مركز الأخبار 
يحيى الحبيب

إن أفضل ما يقال عن المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وحمايتها هو أن قانونها الدولي سار في درب الجلجلة عبر مختلف الدول، حتى وصل إلى شمال وشرق سوريا، حيث صُلب ووري الثرى تحت أنقاض الأعين المحمية إقليمياً ودولياً.

منذ تلك المرحلة، اختلط الحبر الذي كُتبت به المواثيق والعهود ومواد القانون الدولي بدماء السوريين، نتيجة لغمس الطفل المدلل للغرب والمجتمع الدولي (أردوغان) الأوراق التي صاغتها هذه المؤسسات ببرك الدماء التي تسببت بها طائراته ودباباته ومدافعه. لم تعد أحاديث المسؤولين الدوليين عن هذه المبادئ تثير انتباه الشعوب سوى للسخرية والتهكم.

هذه الازدواجية الفجة في المعايير تثبت مرة أخرى أن هذه القوانين والمؤسسات الدولية وُضِعت من قبل الأقوياء والدول ذات الخلفية الاستعمارية، لخدمة مصالحهم وتجميل صورة تحركاتهم وأطماعهم في المنطقة.

صمت دولي مطبق في شمال وشرق سوريا

على الرغم من انتشار المنظمات التابعة للأمم المتحدة في مختلف دول العالم، إلا أن الأمم المتحدة تجاهلت بشكل كبير ما ارتكبته دولة الاحتلال التركي خلال سنوات عديدة في شمال وشرق سوريا. ونتيجة لحجم هذه الجرائم، أخذت هذه المنظمات دور الوكالات الإخبارية ووسائل الإعلام، واكتفت بتوثيق جزء بسيط منها.

وفي تشرين الأول عام 2019، قالت منظمة العفو الدولية أن الاحتلال التركي ومرتزقته أبدوا ازدراء مشيناً لحياة المدنيين؛ حيث ارتكبوا انتهاكات جسيمة وجرائم حرب، بما في ذلك القتل العمد، والهجمات غير القانونية التي قتلت وجرحت مدنيين؛ وذلك خلال الهجوم على شمال شرق سوريا.

وفي شباط 2024، قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقرير إن تركيا تتحمل مسؤولية الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب المحتملة التي يرتكبها عناصر قواتها والجماعات التي تدعمها في الأراضي التي تحتلها تركيا في شمال سوريا.

وفي شباط 2024، أيضاً أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تقريراً تحت عنوان: "القصف التركي يعيث خراباً في شمال شرق سوريا" وقالت: "بينما ما يزال الاهتمام العالمي منصباً على النزاع المدمر في غزة، تتفاقم أزمة أخرى بعيداً عن الأنظار في شمال وشرق سوريا. هناك، تُعرِّض الغارات الجوية وهجمات المسيّرات التركية على البنية التحتية المدنية الحيوية سبل العيش للخطر، وتفصل المجتمعات المحلية عن الكهرباء، والرعاية الطبية، وغيرها من الخدمات الأساسية".

وفي أيلول الماضي، أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، تقريراً يتهم تركيا بارتكاب سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان الواسعة في شمال وشرق سوريا في الفترة بين كانون الثاني وحزيران 2024.

بالإضافة إلى ذلك، تطورت جرائم الاحتلال التركي، حيث استخدمت لأكثر من مرة الأسلحة الكيمياوية ضد أهالي منطقة شمال وشرق سوريا، وفي عام 2020 وثق معهد ويسلينج للأبحاث، ومقره سويسرا، أن دولة الاحتلال التركي قد استخدمت الفوسفور الأبيض في شمال وشرق سوريا.

الإنسانية لا تتجزأ

إن الحديث والمقارنة بين تحرك الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تجاه ما يجري في مناطق أخرى حول العالم وتحركهم في شمال وشرق سوريا، لا يعني أن تحركهم الأول هو محل انتقاد، لكن هذه الازدواجية تشير إلى أن هذا التحرك يأتي نتيجة لأهداف ومصالح سياسية، وبالتالي تفقد هذه التحركات قيمتها الإنسانية والحقوقية، فجميع المواثيق والقوانين الدولية تحدثت عن الإنسان بمعناه المطلق، حيثما كان ومهما كانت خلفيته الدينية والثقافية والعِرقية؛ كما هو متداول، خطابياً على الأقلّ.

وهذا يشير إلى أن التحرك من قبل القوى الدولية والمنظمات عبر استخدام حقوق الإنسان وحمايته في أوكرانيا، هدفه ممارسة الضغوط على روسيا وليس حماية الإنسان في هذه الدولة، كما أن استنفار هذه المؤسسات والقوى الدولية فيما يتعلق بالحرب في غزة ولبنان إلى جانب القلق الكبير على مصير العشرات من الإسرائيليين المختطفين لدى حركة حماس، ووضع الاستراتيجيات لمحاربة معاداة السامية وخاصة في أوروبا، والحرص على عدم استفزاز الإسرائيليين بالشعارات وغيرها، يعود إلى مسعى القوى الكبرى لاستخدام القانون الدولي وحقوق الإنسان كأداة ضاغطة على أطراف الصراع، وهما إسرائيل من جهة وحزب الله وحركة حماس وإيران من جهة أخرى، وذلك بهدف ضبط الصراع وأن يكون مساره مناسباً لهذه القوى وبأن تبقى أطراف الصراع ملتزمة بتوجيهات هذه القوى.

مواد القانون الدولي حبر على ورق

وتقول مواد الأمم المتحدة إن الدول التي تمر بمرحلة انتقالية سواء في أوقات النزاعات أو بعدها، لا بد أن تحظى بمساعدة المجتمع الدولي ومجلس الأمن في تجاوز المرحلة.

ويعد مصطلح "جريمة الحرب" مفهوماً أوسع بكثير من مفهوم "الإبادة الجماعية" و"الجريمة ضد الإنسانية"، وعرّفه ميثاق محكمة نورنبرغ العسكرية الدولية عام 1945 حسب المادة 6، بأنه انتهاكات قوانين الحرب وأعرافها، بما في ذلك: القتل أو المعاملة السيئة أو الترحيل على شكل عمالة ورقيق أو لأي غرض آخر للسكان المدنيين في الأراضي المحتلة، القتل أو المعاملة السيئة لأسرى الحرب أو الأشخاص وقتل الرهائن وسلب الممتلكات العامة أو الخاصة وتدمير المدن أو القرى، بالإضافة إلى التدمير الذي لا تبرره الضرورات العسكرية، وعلى الرغم من ذلك، إلا أن تركيا ارتكبت جميع هذه الجرائم، حيث مارست سياسية الأرض المحروقة والقصف العشوائي وإرهاب وقتل المدنيين بهدف تهجيرهم من مناطقهم، بالإضافة إلى أنها قوات الاحتلال التركي ومرتزقتها قاموا وبشكل وحشي بقتل إحدى مقاتلات قوات سوريا الديمقراطية بشكل علني وقاموا بالتمثيل بجثمانها.

كما أن البنود 3 و4 و5 من المادة الأولى لمعاهدة حظر الأسلحة الكيماوية، تنص على وجوب تدمير الأسلحة الكيماوية وإزالة أضرارها، لكن دولة الاحتلال التركي تضرب هذه المعاهدة عرض الحائط، وتستخدم هذه الأسلحة ضد المدنيين، وبموجب القانون العرفيّ الدولي، يحظر استخدام الأسلحة البيولوجيّة. تحظر هذه الاتّفاقيّة تطوير الأسلحة الكيميائيّة أو إنتاجها أو حيازتها أو تخزينها أو الاحتفاظ بها أو نقلها أو استخدامها من قبل الدول الأطراف، وهذا ما تنتهكه دولة الاحتلال التركي حيث استهدفت عدة مرات شمال وشرق سوريا ومنطقة جنوب كردستان بالأسلحة الكيمياوية.

ويحظر القانون الدولي الإنساني تجويع السكان المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب. ولا يجوز للطرف الذي يفرض الحصار أن يعمد إلى حرمان المدنيين من الإمدادات الأساسية لبقائهم على قيد الحياة (مثل الغذاء والمياه والإمدادات الطبية) في منطقة محاصرة، وأن يتخذ ذلك وسيلة مشروعة لإخضاع عدوه، لكن القوى الدولية تتجاوز هذه المواد وتجاوبت مع الرغبات الروسية والتركية وأدت لإغلاق المعابر مع شمال وشرق سوريا بهدف الضغط على أهالي المنطقة.

(أ ب)

ANHA