الأمثال الشعبية مرآة التراث الثقافي في الرقة 

تعبّر الأمثال عن فلسفة الشعوب، وثقافاتها الشفوية المنقولة بالتواتر، وقد تناول الكثير من الباحثين دراسة الأمثال وتدوينها، ولكن على الرغم من ذلك ظل الكثير منها حبيس الصدور، ماتت بموت قائليها ومتداوليها.

الأمثال الشعبية مرآة التراث الثقافي في الرقة 
الأربعاء 11 يلول, 2024   08:58
الرقة
أنس محمد

تستخدم الأمثال الشعبية في الرقة كوسيلة للتعبير عن الحكمة والحياة البسيطة، حيث تحمل رسائل عميقة وتعكس الفلسفة الشعبية في التعامل مع مختلف القضايا، مثلاً، يُقال في المدينة: "الشيء من مأتاه لا يستغرب"، مما يعبر عن أهمية الجذور والهوية، وأهمية الارتباط بالماضي.

وأول من كتب في الأمثال الشعبية في مقاطعة الرقة الأستاذ حمصي الحمادة، حيث جمع الأمثال الشعبية في مقاطعة الرقة في عام 1978 وقام بتوزيع أوراق على الطلبة في المرحلتين الإعدادية والثانوية في ذلك الحين، وطلب من كل طالب أن يملأ الورقة بالأمثال الشعبية من أهله وجيرانه".

وبعدها قام بجمع الأوراق واستخلاص الأمثال الشعبية منها، وجمعها في كتاب أسماه "الأمثال الشعبية في الرقة".

حمصي فرحان الحمادة (1941 -) هو شاعر وكاتب وباحث ومؤرخ سوري، حياته ونشأته من مدينة الرقة، خريج جامعة دمشق كلية الشريعة. وهاجر إلى بريطانيا منذ عشرة سنوات.

الباحث في المفردة الشعبية والأمثال علي الشغيبي تحدث لوكالتنا حول بعض الأمثال الشعبية المستخدمة بين أهالي مقاطعة الرقة وغالبية مناطق إقليم شمال وشرق سوريا.

وذكر الشغيبي أن الأمثال الشعبية حكمة حضارة الشعوب، ولكل مجتمع أمثال شعبية خاصة به، ولكل موقع وحدث لا بد من أن تجد مثل يتناسب مع الواقعة أو الحادثة وأتت الأمثال الشعبية وليدة الحاجة للتعبير المجزي والموجز لحادثة أو موقعة ما.

التنوع الثقافي

تتأثر الأمثال الشعبية في الرقة بتنوع الثقافات التي شهدتها المدينة عبر التاريخ، مما يجعلها فريدة من نوعها، فبالإضافة إلى العربية، نجد في بعض الأمثال تأثيرات كردية وآشورية، ما يعكس التعايش والتفاهم بين مختلف المكونات العرقية.

وبدأ الشغيبي بسرد الأمثال الأكثر تداولاً في مقاطعة الرقة بقوله: "الغايب حجته معاه" وتقال عند التأخر عن موعد ما ويجب التماس عذر له، وبالمقابل هناك مثل فرنسي "يقول الغائب ليس مخطئاً حتى يأتي"، وأيضاً "مو كلشي يلمع ذهب" وتدل على أنه يجب ألا نغتر بالمظاهر".

وتابع "ما يعرف كوعو من بوعو" ويدل هذا المثل على ادعاء الشخص بدرايته بكل الأمور ولكنه في الحقيقة لا يفقه شيء.

الأمثال تعكس الحكمة الشعبية

وأيضاً هناك مثل يقول "معايد الجريتين" وعادة في القرى والمزارع تقام الولائم في الأعياد وقرر رجل من رجال أحد القرى بأن يذهب للقرية المجاورة ويتناول الوليمة ويعود لقريته لكي يشارك أهل قريته الوليمة أيضاً، وعندما وصل إلى القرية المجاورة كان أهل القرية منتهين من تناول الوليمة ورجع لقريته ووجدهم أيضاً منتهين من تناول الوليمة وأطلق عليه "معايد الجريتين".

ونجد مثلاً (كل شاة معلقة من كرعوبها)، ونجد له مقابلاً من الأمثال العربية الفصحى كما عند "الزمخشري" و"ابن عبد ربه" (كل شاة برجلها تناط) ومعنى المثل: أن كل إنسان مسؤول عن عواقب، ونتائج تصرفاته.

الأهمية الاجتماعية

تُستخدم هذه الأمثال في الحياة اليومية، سواء أثناء الحديث بين الأصدقاء أو في المناسبات الاجتماعية، فهي تُساعد في تقريب المفاهيم إلى الأذهان وتسهيل التواصل، بالإضافة إلى دورها في تعزيز الروابط الاجتماعية بين الأجيال.

وعن تأثير البيئة في الأمثال، يقول الشغيبي": يقال الشاعر ابن بيئته، وأقول إن المثل وليد بيئته ومحيطه، لأنه وببساطة لا يمكن فصل البيئة عن ذات الإنسان بكل ما تحويه من طبيعة، وجغرافية، ونباتات، وحيوانات، والمتتبع للأمثال الشعبية في "الرقة" يجد في مفرداتها الكثير من البيئة الفراتية ومنها: الفرا "الفرات"، "الزور".. إلخ، ومثاله: (الفرس عتالة والمطرك من "الزور")، ويضرب لمن لا يهتم بالحاجة التي استعارها من الآخرين، فخرابها وعمارها سيان عنده".

التحديات التي تواجه المحافظة على التراث

رغم جمالها وأهميتها، تواجه الأمثال الشعبية في الرقة خطر الانقراض نتيجة للتغيرات الاجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى تأثير الحرب والأزمات على حياة الناس. لذا، يجب أن تكون هناك جهود للحفاظ على هذا التراث، من خلال توثيقه ونشره بين الأجيال الجديدة.

(أ)

ANHA