عن جرائم القتل التي ترتكب بحق المرأة في مصر ولبنان – هيفيدار خالد

عن جرائم القتل التي ترتكب بحق المرأة في مصر ولبنان – هيفيدار خالد
الأربعاء 5 نيسان, 2023   21:32

ازدادت في الآونة الأخيرة ظاهرة قتل النساء في العديد من الدول العربية، فلا يكاد يمر يوم لا نسمع فيه عن جريمة هنا أو انتهاك هناك كلها بحق المرأة، سواء أكانت في المنزل أو الشارع أو حتى في العمل والأماكن العامة، والتي غالباً ما يزعم مرتكبوها أنها قد ارتكبت بدافع ما تسمى بجرائم الشرف، إلا أن السبب الأساس وراء انتشار هذه الجرائم وعمليات القتل هذه، هي الذهنية الذكورية التي ترى في قتل المرأة استمراراً لديمومتها.

لجرائم القتل التي ترتكب بحق المرأة في الدول العربية وعلى وجه الخصوص في مصر ولبنان، أسباب عديدة، لا بدّ لنا من ذكرها وتسليط الضوء عليها ومن ثم تحليلها بشكل دقيق وعميق، للوصول إلى جذور وأصل قضية العنف الممارس ضد المرأة بهذا الحجم الكبير دون أن يحرك أحد ساكناً.

أحد الأسباب الرئيسة وراء ارتكاب جرائم القتل تلك؛ البنية الاجتماعية والثقافية الموجودة والمترسخة وفق مبادئ وعادات وتقاليد طغى عليها الطابع السلطوي الذكوري البحت ما جعل من المرأة عرضة لكافة أنواع العنف، محاطة بقوانين وقيود وإجراءات جعلتها بين فكي كماشة سلطة الرجل، فتارة تقتل تحت اسم العادات والتقاليد البالية الموجودة في المجتمع وتارة أخرى باسم الدين والشرع لتبقى أسيرة قوالب الحلال والحرام ونظريات ومفاهيم العيب.

العنف الممارس ضد المرأة ليس بجديد، إذا أنها لطالما تعرضت لكافة أنواع العنف وصنوفه سواء الجسدي منه أو النفسي والاقتصادي والمعنوي وذلك بشتى الطرق والأساليب ما أجبرها على القيام بالعديد من الأمور التي تفرض عليها بالقوة دون رغبة منها أو إرادة، إلا أن الجديد في ذلك أن معظم جرائم القتل التي تحصل بشكل شبه يومي في كل من مصر ولبنان، توجه فيها أصابع الاتهام إلى المرأة وبأنها السبب في حدوث كل ذلك، رغم أنها هي الضحية الأولى وإن لم تكن الأخيرة، فالشر لابد أن يعود لمرتكبيه في نهاية المطاف، ذلك من قبيل أنها لم تسمع لكلام زوجها أو أنها خرجت لوحدها في ساعات متأخرة من الليل، أو أنها لم تبلغ أهلها بأنها ستتأخر عن المنزل، وفي معظم الأوقات تقتل لأنها ترفض الزواج من الرجل الذي يتقدم لها، أو أنها هي من أنهت حياتها وعشرات الأمثلة الأخرى المشابهة.

إلا أن ما ساعد في الترويج لذلك وتشويه الحقيقة هو الإعلام، إعلام السلطة في الدول العربية، الذي يرى في التشهير بالمرأة ونضالها وحياتها ساحة لمعاداة المرأة وقضيتها واستهداف نضالها وجهودها وبالتالي القضاء على الدور الطليعي الذي تلعبه في المجتمع، فاللغة والمصطلحات والعبارات الموجهة التي يستخدمها الإعلام ضد المرأة تقلل من شأنها ودورها، وفي معظم الأحيان تسيء إليها ما يعكس صورة غير حقيقية عن جوهرها.

في التقارير الصحفية المعدة في غرف الأخبار، غالباً ما يتم ذكر أحداث الجريمة ووقائعها بشكل مفصل في انتهاك صارخ لخصوصية المرأة، بينما نرى الإعلام نفسه في الوقت ذاته يتغنّى بدور الرجل في معظم الأحيان وعلى أنه أنقذ شرفه أو أنه لم يفعل ذلك عن قصد فقد كان مصاباً بأمراض ويعاني من اضطرابات ربما تكون نفسية والعديد من الأسباب الأخرى التي لا معنى لها بتاتاً؛ بغية تلميع صورة الرجل وإسقاط ما ارتكبه من باطل مقابل تشويه صورة المرأة وأنها كانت تستحق ذلك وخاصة في جرائم الاعتداء الجنسي والقتل.

قبل أيام شهدنا مقتل الشابة اللبنانية زينب زعيتر، 26 عاماً، على يد زوجها رمياً بالرصاص أمام أعين أطفالها؛ ما أشعل غضباً ومطالبات بوقف جرائم العنف ضد النساء، إلا أنه لا حياة لمن تنادي، فقضية مقتل زينب ستطوى كمصير المئات من أقرانها بعد أن دفنت، فيما القاتل متواري عن الأنظار، لكن الأكثر إيلاماً التهم التي رميت على الضحية بأن في هاتفها صوراً لا ترتدي فيها الحجاب، وأي جرم هذا! وتحت هذه الذريعة يقول شقيقها في مقطع مصور إنه كان بوده أن يقوم بقتل أخته نيابة عن زوجها! في حقيقة تقشعر لها الأبدان وعنف بغيض تجاه المرأة خاصة وأنها أخته... ربما لا تستطيع الكلمات التعبير عن أخ يود قتل أخته، ولماذا؟ لأنها التقطت صورة شخصية دون حجاب في منزلها.!!

وكذلك الأمر في مصر التي ليست بعيدة عمّا يحدث في لبنان بعد أن تفاقمت فيها جرائم قتل النساء بشكل كبير في الفترة الأخيرة، فقد شهدت منطقة أبناء الجيزة بمدينة السادس من أكتوبر جريمة قتل شنيعة، بعد أن أقدم كهربائي على قتل زوجته في منزلهما مسدداً لها طعنات عدة بسكين أغلبها تركزت بمنطقة الصدر؛ ما أدى إلى مقتلها وإنهاء حياتها.

بالطبع الوضع في ظل كل هذه الجرائم، بحاجة إلى المزيد من النشاط والعمل النسوي الذي تستطيع من خلاله المرأة تفكيك جزيئات العنف الممارس بحقها في المجتمع، كما أنه بحاجة ماسة لتضافر جهود الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني وخاصة المنظمات النسوية لمكافحة هذه الظاهرة ولجمها.

ومع إقرار العديد من الدول العربية القوانين المتعلقة بحماية المرأة من العنف الأسري أو الزوجي أو العنف بشكل عام، إلا أن هذه القوانين حتى الآن لم تتمكن من حماية المرأة بالشكل المطلوب؛ ذلك لأن الحل يكمن في تغيير الذهنية والثقافة السائدة بشكل كامل وليس بفرض القوانين وتجاوزاتها، بالطبع هكذا أمر يتطلب سنوات كثيرة ولكنه أمر لا بد منه؛ لأنه إذا ما استمر الوضع على هذا الحال سيؤدي إلى ازدياد مثل هذه الجرائم أكثر فأكثر. كما هو معروف هذه هي فقط الجرائم التي تطرقت لها وسائل الإعلام، إلا أنه هناك آلاف الجرائم وحالات القتل والموت، التي تبقى بعيدة عن عدسة الكاميرات والنساء العربيات هن الضحيات.