شوارع دمشق تعج بالمتسولين.. ما هي الأسباب؟ وأين حكومة دمشق من ذلك؟

باتت شوارع العاصمة السورية دمشق، تعج بالمتسولين، الذين ازدادوا خلال السنوات الأخيرة، فيما يرى مراقبون أن ذلك هو نتيجة لارتفاع مستوى الفقر وعدم قدرة الكثير من السكان على توفير احتياجاتهم الأساسية، بالإضافة إلى وجود شبكات تدير المتسولين يرجح؛ أنها مرتبطة بحكومة دمشق.

شوارع دمشق تعج بالمتسولين.. ما هي الأسباب؟ وأين حكومة دمشق من ذلك؟
الخميس 30 آذار, 2023   00:26
دمشق- عشتار عبد الفتاح

ما زالت الأزمة الاقتصادية التي تعصف بمناطق سيطرة حكومة دمشق مستمرة وتُنذر بموجات فقر أكثر قساوة، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن ٩٠% من السوريين باتوا تحت خط الفقر، بينما يعاني ٨٠ % منهم من انعدام الأمن الغذائي منذ عام 2021.

ويرى مراقبون أن الوضع الاقتصادي المتردي بكافة تداعياته من تفشي الجريمة والسرقة والإدمان والتسول جعلت من شوارع دمشق مسرحاً لهذه الممارسات التي تجعل المجتمع بحالة قلق وتوتر دائم، غير أنه لا توجد إحصاءات واضحة؛ لتفشي التسول والجريمة في ظل غياب مراكز الدراسات والأبحاث؛ بسبب انعدام حرية الرأي والتعبير.

وتُقدّر دراسات أنّ أكثر من 80% من المتسولين ليس لديهم مأوى، ويُعدّ المتسولون؛ الفئة الأكثر ضعفاً في المجتمع، ويعانون في الغالب من الفقر والحرمان، كما أنّهم أكثر عرضةً للمخاطر، وقد وجدت الأبحاث التي أجرتها جامعة "جلاسجو" أنّ التسول يقترن بالجشع، حيث إنّ هناك بعض المتسولين الذين يتسولون ليس؛ لأنّهم بلا مأوى وجائعين بل لشراء المخدرات والكحول، وغالباً ما ينتمي المتسول إلى عائلات تعاني من البطالة، وتتعاطى المخدرات، كما يعانون نقصاً حاداً في تقدير الذات، ووجد العديد من المتسولين أنفسهم ضحايا للعنف والمضايقات من الناس.

وخلال شهر رمضان المبارك يزداد التسول دون رادع ولا رقيب من قبل الجهات المختصة، وخاصة أن بعض المتسولين ينتمون إلى شبكات مبرمجة على الحيل والنشل ويستخدمون الأطفال كطُعم لفرائسهم من المجتمع المحلي، وكون هناك علاقة وثيقة بين التسول والتشرد، فإن من النتائج المنطقية لزلزال شباط 2023 هي زيادة نسبة التسول بشكل مضطرد.

ومن أسباب انتشار التسول في السياق السوري، العجز الحكومي وموجات الغلاء المستمرة وتدني مستوى المعيشة والبطالة والرواتب الزهيدة في مناطق حكومة دمشق، بالإضافة إلى جمعيات مرخصة لا تحقق أهداف الحد من التسول والتقليل من معدلات الفقر، والتسرب من المدارس وغيرها..

العجز الحكومي وموجات الغلاء المستمرة

إن إجراءات الحكومة غير المدروسة فيما يتعلق بالرفع التدريجي للدعم الحكومي عن المواد الغذائية والاستبعاد بموجب البطاقة الذكية، بالإضافة إلى التقنين الجائر للكهرباء، وتراجع سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية أدى إلى ارتفاع مستمر لأسعار السلع والمواد الأساسية للعيش؛ مما زاد من بؤس المجتمع في ظل سياسات اقتصادية لا تنتج سوى الركود والكساد.

أم أحمد المصري من ريف دمشق، قالت عن ذلك: "إن قطع التيار الكهربائي عن البيوت في ريف دمشق – القلمون يمتد لوقت طويل، فبغض النظر عن الطقس إن كان بارداً أو حاراً، فالتيار الكهربائي لا يأتي سوى ساعة خلال 24 ساعة، فحركة الصناعة لا تتحرك، والأسعار في ارتفاع، ورسالة الغاز المنتظرة من البطاقة الذكية للغاز المنزلي تتأخر إلى ما يزيد عن شهر، وأنا لا أعرف ما الذي أصنعه لكي أدعم أهل بيتي في ظل هذا الوضع المأساوي".

وتفتقر حكومة دمشق لبرامج تحمي الشباب وتؤمن حياة كريمة لهم، فتجد معدلات البطالة ترتفع بشكل مستمر، فقالت طالبة ماجستير في كلية العلوم السياسية بدمشق تحفظت عن ذكر اسمها لأسباب أمنية: "عندما دخلت إلى فرع العلوم السياسية توقعت أن لي مجالات مختلفة من العمل، ولكن الواقع مختلف فعندما انتظرنا المسابقة المقدمة من وزارة الخارجية كانت حكراً على أعمار محددة، وبشروط معقدة جداً، وكأن المقاعد محجوزة سلفاً".

وأضافت: "هذا يدعو إلى التفكير بالعمل بخارج التخصص، هناك من زملائي من أقدم على الانتحار وهو من المتفوقين من طلاب الماجستير".

ويبلغ متوسط رواتب الموظفين في القطاعين العام والخاص في مناطق سيطرة الحكومة نحو 150 ألف ليرة سورية (٢٣ دولار)، في حين يبلغ الحد الأدنى للأجور ٩٠ ألفاً (١٥ دولار تقريباً)، ولا تتناسب هذه الرواتب إطلاقاً مع أسعار معظم السلع الضرورية في الأسواق؛ حيث تشير تقديرات إلى أن الأسرة السورية المكونة من 5 أفراد تحتاج إلى 1.8 مليون ليرة (280 دولار) بالحد الأدنى لتوفير حاجاتها الأساسية شهرياً.

جمعيات مرخصة منها وهمية وأخرى مكبلة

إن الخطوات المتبعة لترخيص الجمعيات في مناطق سيطرة الحكومة، والتعقيدات المتعلقة بالموافقات الأمنيةـ تجعل من الصعب الحصول على ترخيص والمتابعة دون تحديات وصعوبات من السلطات المركزية والمتحكمة بالأمر الواقع.

وقالت ناشطة مدنية من حُمص "تحفظت عن ذكر اسمها لأسباب شخصية" عن ذلك: "إن الجمعيات التي تعمل على الأرض والتي تتذرع بتوفر ترخيص لهم هي لأعمال إغاثية فقط ولتوزيع سلل غذائية مؤقتة ولجمع الأموال، وليس لتأهيل الكوادر الشبابية والمجتمعية، وتصرف الأموال على مشاريع مترفة ولإرضاء جهات معينة في الحكومة دون وصول الأموال والمشاريع لمن يستحق".

وأضافت: "أنا كناشطة أعمل مع الجميع ولا أرغب بحصر نفسي مع جهة محددة لكيلا يتم استغلالي، وبالنسبة للوضع المعيشي في حمص فهو سيء جداً فالشوارع مليئة بالمتسولين وظاهرة نبش القمامة منتشرة وخاصة لدى الأطفال، وهناك ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية، ولا أرى أي أثر إيجابي للجمعيات المرخصة في حمص على أطفال الشوارع والمتسولين".

التسرب من المدارس

من أسباب انتشار التسول؛ هو تقصير وزارة التربية التابعة لحكومة دمشق بوضع مناهج تلائم الطلبة بحيث يستطيعون الحصول على تعليم متوازن عادل يراعي الفروقات الفكرية والثقافية والمعيشية، وعلى الرغم من إلزامية التعليم ومجانيته التي تتغنى لها حكومة دمشق ولكن من النادر أن ترى طفل لم يلجأ للدروس الخصوصية والمعاهد الخاصة، فيبدأ سعر الساعة الخصوصية من 5000 ل.س وقد يصل إلى 20 ألف ل.س، كما يحتاج طالب صف التاسع 10 آلاف ل.س يومياً لتغطية المواد الأساسية بالدروس الخصوصية من منهاجه والذي لا يقدر على فك رموزه بدون مدرس خاص؛ وذلك لعدم توفر أساتذة في المدارس الحكومية، حيث يرفض العديد من المدرسين المتابعة بالتدريس؛ بسبب ضعف الرواتب فمتوسط راتب المعلم في المدرسة الحكومية يتراوح بين ٧٠ و ١٠٠ ألف ل.س سورية ودكتور الجامعة لا يأخذ أكثر من 260 ألف ل.س.

إن المشاكل الاجتماعية السورية لا تعد ولا تحصى وخاصة بعد الأزمة السورية، والتهجير الذي اعتمدته الأطراف المتحكمة بالملف السوري جعل السوري لقمة سائغة وغير مستقرة، فحرمان الأفراد من بيوتهم والتغيير الديمغرافي الذي يحدث جعل من مهنة التسول؛ سبيل الحصول على لقمة العيش.

(ي ح)

ANHA