الهجرة.. تجارة بالأرواح واستغلال من الدول الأوروبية

في خضم الصراعات الكبيرة التي يشهدها العالم من حروب وانقسامات دولية وأزمة مناخ، يعود ملف الهجرة إلى المقدمة ليدق ناقوس الخطر مع وصول أعداد المهاجرين حول العالم إلى أرقام قياسية وخاصة من السوريين، على الرغم من الحوادث المأساوية الكثيرة على طرق التهريب والتكاليف الجنونية واستغلال العديد من الدول لهذا الملف في تنفيذ أجنداتها.

الهجرة.. تجارة بالأرواح واستغلال من الدول الأوروبية
الثلاثاء 15 تشرين الثاني, 2022   01:25
مركز الأخبار- جودي إسماعيل

شهد العالم هذا العام موجة هجرة جديدة، حيث يجازف من خلالها الآلاف بحياتهم في رحلات برية وبحرية محفوفة بالمخاطر عبر البحار والغابات على الرغم من تكاليفها الباهظة وجشع سماسرة التهريب.

وحسب آخر الاحصائيات، سجلت المنظمة الدولية للهجرة منذ مطلع العام الجاري وحتى شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وفاة أو فقدان 1522 مهاجراً في البحر الأبيض المتوسط، فيما وصل عدد المهاجرين الذين لقوا حتفهم أو فقدوا منذ العام 2014 إلى 24871 شخصاً، ويُعتقد أن العدد الحقيقي أعلى من ذلك، نظراً لعدد حطام السفن التي لم يتم الإبلاغ عنها مطلقاً.

وتأتي هذه الإحصائية في وقت يشهد فيه العالم حروباً وصراعات إقليمية طاحنة، إلى جانب أزمات اقتصادية وتضخم، إذ أفادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقرير لها بأن الحرب الأوكرانية وغيرها من الصراعات رفعت عدد الأشخاص، الذين أجبروا على الفرار من الصراع والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان والاضطهاد، إلى أكثر من 100 مليون شخص لأول مرة على الإطلاق.

وخلافاً لذلك، توقعت المنظمة الدولية هجرة مناخية للملايين من البشر في السنوات الثلاثين القادمة، أي أن "1.5 مليار إنسان سيغادرون بلادهم للأبد؛ لأنها لن تكون صالحة للحياة، وسيهاجرون إلى دول أخرى، خلال 30 عاماً"، وهو سيناريو مأساوي لن يكون سوى بداية لتغيير كبير سوف يشهده العالم بسبب تأثيرات التغير المناخي في حال لم يتحرك العالم لأخذ التدابير اللازمة لحماية الأرض.

طريق ذل.. غرقى ومجمدون في الثلاجة ومجردون من الملابس!

وتحدث محاولات العبور غالباً في سفن مكتظة بالناس مثل القوارب المطاطية أو المصنوعة بشكل عشوائي، تفتقر إلى الجودة وتتم قيادتها من قبل عصابات إجرامية ومهربي البشر، مما يجعل الرحلة محفوفة بالمخاطر ونسبة الوصول ضئيلة.

ومؤخراً شهدت السواحل الجزائرية، في 3 تشرين الأول/ أكتوبر الفائت، غرق قارب يقلّ مهاجرين بالقرب من مدينة وهران أسفر عن غرق 18 شخصاً كانوا على متنه، أغلبهم سوريون، بينهم 9 مواطنين من مقاطعة كوباني.

وعلى السواحل السورية لقي ما يزيد 90 شخصاً حتفهم أيلول الماضي، في كارثة غرق مركب انطلق من لبنان وكان يقل مهاجرين غير شرعيين، حيث أثارت هذه الفاجعة الرأي العام وعرف بـ "قارب الموت".

كما عثرت قوات الأمن الليبية، 12 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، على مهاجرين متجمّدين بالبرد بعدما وضعهم مهربون داخل ثلاّجة شاحنة في محاولة لتمويه الشرطة، أثناء عملية نقلهم إلى السواحل الغربية لليبيا، قبل انطلاقهم إلى البحر في رحلة هجرة غير شرعية نحو أوروبا.

وكانت حوادث قتل المهاجرين في ليبيا متكرّرة، آخرها لقي 15 مهاجراً غير شرعي مصرعهم، رمياً بالرصاص على أيدي مهربين، داخل القارب الذي كان يقلّهم قبل إضرام النار في جثثهم، على ساحل مدينة صبراتة الليبية غرب البلاد، في حادثة أثارت إدانات واسعة ومطالبات بتقديم الجناة إلى العدالة وتكثيف الجهود لمكافحة ظاهرة الاتجار بالبشر في ليبيا.

وسبق أن عُثر على ما يقرب من 100 رجل مجردين من ملابسهم على الحدود اليونانية التركية، حيث ألقت اليونان باللوم على تركيا قائلة إن "سلوكها" "عار على الحضارة"، وأن أنقرة أجبرت هؤلاء اللاجئين على خلع ملابسهم قبل ترحيلهم إلى الجانب اليوناني من الحدود بعد إجبارهم على عبور نهر إيفروس الفاصل بين تركيا واليونان.

استغلال تركي لملف اللاجئين

وتستخدم دولة الاحتلال التركي ملف الهجرة واللاجئين في إدارة علاقاتها الخارجية بما يحقق مصالحها الداخلية أو الخارجية وهو ما يفسر صعود هذا الملف إلى الواجهة خلال المرحلة الحالية خاصة وأن تركيا تتجه نحو إجراء انتخابات داخلية بالإضافة إلى توتراتها مع دول الاتحاد الأوروبي في منطقة شرق المتوسط.

وفي حديث لوكالتنا، أكد الصحفي السوري، مصطفى عبدي أنه "منذ بداية الحرب السورية كانت تركيا موجودة وتروج للهجرة، وتسهل نزوح السوريين إلى حدودها وضمن أراضيها، تمهيداً لاستغلالهم من عدة جوانب منها؛ الإفادة من خبرات السوريين من أطباء ومهندسين ومدرسين وأصحاب معامل ومصانع وحرفيين وأيضاً استخدامهم كورقة ابتزاز ضد الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي والاستفادة المادية من هؤلاء من خلال طلب أموال من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الأخرى الراغبة في تقديم دعم للسوريين".

وتابع عبدي: "استغلت تركيا اللاجئين السوريين لتحقيق أغراضها وغاياتها الخبيثة في سوريا، ولم تتوقف عند هذا الحد بل وبدأت تجند اللاجئين وترسلهم كمرتزقة إلى ليبيا وأذربيجان وهي اليوم تكمل تلك الغايات عبر استخدامهم كورقة لتقسيم سوريا واحتلال شمالها من خلال ما تسميه "منطقة آمنة"، أضف أن التهديدات التركية باحتلال مناطق الإدارة الذاتية والقصف اليومي والتصعيد المستمر ساهم بشكل كبير في الهجرة فهي تسعى لإفراغ المنطقة من سكانها تمهيداً لتوطين آخرين من الموالين لها".

ماذا حدث مع الذين حاولوا الهجرة عبر المناطق المحتلة؟

تحولت المناطق السورية الخاضعة للاحتلال التركي إلى بؤر للنهب والسلب من خلال اعتمادها على مهرّبي البشر والترويج لفكرة الهجرة بين سكان المنطقة، ليتم القبض عليهم فيما بعد من قبل مرتزقتها وتهديدهم بدفع فدىً مالية كبيرة مقابل إطلاق سراحهم أو تجنيدهم كعملاء ضمن المنطقة.

عبد العزيز العلي، من قرية تل حمام التابعة لمنطقة جبل كزوان بريف الحسكة، الذي توجّه في شهر آذار الماضي للهجرة إلى أوروبا، عن طريق أحد المهرّبين، إلى منطقة سري كانيه المحتلة، واختطف أثناء محاولته العبور، قال لوكالتنا في حديث سابق: "حاولت العبور إلى تركيا عن طريق التهريب، وأثناء مروري على الطريق الدولي M4، نُصب لنا كمين من قبل شخص يدعى أبو يزن المشهداني، وهو متزعم في مرتزقة (الحمزات)، واختطفونا وسلبوا أموالنا التي بحوزتنا وكانت تقدر بحوالي 2.300.000 ل. س".

وتابع أنه بعد السجن قرابة 6 أشهر دفع 3500 دولار أميركي أي ما يقارب18.000.000 ل. س، ولو لم يدفع لما أخلوا سبيله.

وتنشط شبكات التهريب في سوريا وفي دول الجوار، إلا أن تركيا كانت السابقة في ذلك كونها كانت نقطة عبور رئيسية باتجاه الاتحاد الأوروبي حيث كانت وماتزال شبكات الاتجار بالبشر تنشط تحت أعين وبالتنسيق مع أجهزتها الأمنية، دون الأخذ بعين الاعتبار سلامة المهاجرين حيث يتم إلقائهم لمصيرهم، حسب عبدي.

وأضاف عبدي " بدأت خطوط هجرة جديدة تظهر مؤخراً وخاصة السفر إلى الجزائر عبر ليبيا التي تمنح تأشيرة للسوريين ومنها التوجه للشواطئ الإسبانية، على الرغم من مخاطر الطريق وتكلفته المادية الباهظة فإن المئات من السوريين توجهوا إلى الجزائر وبعضهم وقع ضحية أكاذيب وخداع شبكات التهريب، وآخرين فقدوا وغرقوا في البحر".

الإدارة الذاتية تحذر

ودعت الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، في 13 تشرين الأول الفائت، خلال بيان، الشعب بكافة مكوناته، إلى أخذ الحيطة والحذر من شبكات الاتجار بالبشر، "والعمل معاً في فضح هذه السياسات والوقوف بوجه هذه الهجرة الممنهجة”.

واعتبرت الإدارة الذاتية أن الهجرة الممنهجة "تنزف من حاضر ومستقبل شعوبنا وتشكل خطراً يهدد الأمن المجتمعي وكينونته".

وشددت على ضرورة "الوقوف إلى جانب هذه الإدارة في السراء والضراء والانخراط فيها مع التشبث بأرضهم ومناطق سكنهم في القرى والمدن والبلدات".

كما دعت المواطنين إلى "ممارسة دورهم الطبيعي في مؤسسات الإدارة وتعزيزها وتطويرها والتي هي نتاج نضال ماراثوني يمتد لعشرات السنوات".

وحذرت الإدارة من أن المهاجرين "سيبقون يعملون كطاقات مستهلكة للشعوب المضيفة أو سيواجهون البطالة والاختلافات الثقافية ويستثمرون كمادة استهلاكية للسياسات الداخلية لتلك الدول".

وفي إطار تحركاتها الفعلية، أصدرت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، قانون "مكافحة تهريب الأشخاص"، مكوّن من اثنتي عشرة مادة، بهدف وقف عمليات تهريب البشر من وإلى مناطقها.

وتبدأ العقوبات المفروضة على الأشخاص المتورّطين في عمليات التهريب، من السجن 3 سنوات إلى 15 سنة، وغرامة مالية تبدأ من 15 مليون ليرة إلى 50 مليون، محددة وفق حالات وضّحتها مواد القانون بالتفصيل.

الهجرة.. أحد أدوات الحرب الخاصة

وتعد الهجرة أداة من أدوات الحرب الخاصة ضد الشعوب، فهي تؤدي إلى إفراغ البلاد من مواردها البشرية خاصة الفئة الشابة والمجتمع من قيمه والمواطنين من شعورهم الوطني.

وعن الأسباب التي تؤدي إلى تزايد معدل الهجرة، قال عبدي: "لهذه الهجرة أسباب عديدة منها: متعلق بيأس السوريين من تحقيق السلام ووقف الحرب إضافة لأسباب اقتصادية وأخرى مرتبطة بتصعيد تركيا من هجماتها على مناطق الإدارة الذاتية، إضافة أن هدف الوصول للاتحاد الأوروبي هو حلم لغالبية الشبان الذين يعتقدون أن أوروبا جنة وستوفر لهم الرخاء الذي يفتقدونه، لكن هذه الصورة ليست صحيحة دائماً، إذ يعتقد الكثيرون أنه بمجرد الوصول لأي دولة أوروبية ستنهي كل المشكلات وستكون راحة البال، وهذا غير صحيح بأي حال".

واختتم الصحفي السوري، مصطفى عبدي حديثه "باتت طرق التهريب خطرة للغاية وكثرت شبكات التهريب التي تخدع السوريين وتوهم بأنهم قادرين على توفير التأشيرات أو فتح الطرق بسهولة، يجب الحذر من شبكات الاتجار بالبشر ودراسة الأمر بهدوء وتمهل، كما أن غالبية دول الاتحاد الأوروبي باتت شديدة جداً في موضوع استقبال اللاجئين".

(ي ح)

ANHA