إلى أين ستصل سياسة الأنا في جنوب كردستان؟ _ أكرم بركات

إلى أين ستصل سياسة الأنا في جنوب كردستان؟ _ أكرم بركات
الأحد 20 شباط, 2022   23:42

إن إصرار الحزب الديمقراطي الكردستاني على ترشيح ممثل له لرأس العراق ليس إلا إمعاناً في سياسة الأنا التي دمرت جنوب كردستان، ويمكننا وصف قرار المحكمة الاتحادية العراقية بصدد هوشيار بأنه إهانة مباشرة للديمقراطي الكردستاني.

والسؤال الذي يطرح نفسه لدى أبناء جنوب كردستان والعراق الآن هو؛ إلى ماذا يسعى الديمقراطي الكردستاني من ترشيح ممثل له لمنصب رئاسة العراق؟ ولماذا تم ترشيح هوشيار زيباري بادئ الأمر، على الرغم من وجود اتفاق مسبق بين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على المناصب في كل من جنوب كردستان والعراق.

عانى الشعب الكردي في باشور (جنوب كردستان) الأمرّين خلال القرن الماضي؛ نتيجة لعب الأحزاب المتحكمة بالسلطة بمصيره، حيث يعود تاريخ تأسيس جنوب كردستان إلى معاهدة الحكم الذاتي، في آذار1970، التي أبرمت بعد مباحثات بين الحكومة العراقية والكرد عقب سنوات من المعارك، إلا أن المباحثات لم تتكلل بالنجاح، وفشلت، وبدأ الصراع مرة أخرى عام 1974. وفي تلك الحقبة كان مصطفى البارزاني يتلقى الدعم المباشر من شاه إيران، الذي انقلب ضده عقب اتفاقية الجزائر عام 1975 مع صدام حسين، برعاية الرئيس الجزائري هواري بو مدين، ومباركة أميركية وحضور هنري كيسنجر الذي كان وزيراً للخارجية الأمريكية. حيث تضمن الاتفاق قطع الشاه الإمدادات عن البارزاني الذي قال للشاه (أنا تحت أمركم)، بعدها أعلن البارزاني ما يعرف بأش بطال (أي انتهاء الحرب).

وعقب غزو صدام الحسين للكويت عام 1990، تدخلت قوات التحالف عبر "عملية عاصفة الصحراء"، وبدأت ما تعرف بحرب الخليج، في كانون الثاني عام 1991، بقصف جوي ضد العراق، رافقته عمليات برية. وفي آذار 1991، اندلعت انتفاضة واسعة في الجنوب والشمال ضد حكم صدام حسين الذي انهارت قواه في تلك الحقبة، وسيطرة من كانوا يُعرفون بالثوار على أجزاء واسعة من البلاد، لكن قوات صدام تمكنت من استخدام مختلف أنواع الأسلحة لقمع انتفاضة الجنوب. ومن أجل حماية الكرد في جنوب كردستان صادق الاتحاد الأوروبي على خطة لإنشاء ملاذ آمن، وفي آب 1992، تم تحديد منطقة حظر الطيران، وبموجبها مُنِع دخول الطائرات العراقية إلى أجواء شمال العراق (جنوب كردستان) وجنوبه. وبدعم من قوى غربية وفي مقدمتها أميركا، تم إنشاء إدارة مشتركة بين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني والإعلان عن أول برلمان في باشور كردستان عام 1992. ومنذ ذلك الوقت يتحكم كلا الحزبين بزمام الأمور في باشور عبر إدارتين مشتركتين علناً، ومنفصلتين تطبيقياً؛ وغدت المنطقة مستقلة ذاتياً بحكم الواقع.

وعلى الرغم من تشكيل إدارة مشتركة بين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني وتقاسم مناطق النفوذ، إلا أنّ الصراعات بينهما لم تنته، ودارت بينهما معارك عدّة، فتارة يتفاهمان وتارة يتصارعان، وما ظهر مؤخراً حول عملية الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية دليل دامغ على مدى حجم الانقسام والتناقضات بين الحزبين. وهذ التناقضات هي تناقضات عشائرية وعائلية بحتة ولا تمت للمصالح الكردية والكردستانية بصلة.

وبعد التدخل الأميركي في العراق عام 2003، والتغيرات السياسية التي حصلت، والتصديق على دستور جديد للعراق عام 2005، والذي نصّ على أن جنوب كردستان هو كيان اتحادي ضمن العراق، وبحسب هذا الدستور يُعدّ منصب رئيس الجمهورية في الدولة العراقية منصباً رمزياً، وكان مخصصاً للسنّة العرب في الحكومة الانتقالية بقيادة إياد علاوي، وبعد أول انتخابات برلمانية عام 2005، جرى اتفاق بين القوى الشيعية والكردية على إسناد المنصب للكرد، وفق صفقة لتقاسم السلطة بين الطرفين آنذاك، وقّعها كل من زعيم الائتلاف الوطني الشيعي، عبد العزيز الحكيم، والرئيس العراقي الراحل جلال الطالباني الذي شغل المنصب حتى عام 2014.

وعقب الاتفاق بين القوى الشيعية والكردية المتمثلة بـ (الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني)، اتفق الطرفان الكرديان فيما بينهما على أن رئاسة جنوب كردستان لصالح الديمقراطي الكردستاني ورئاسة العراق لصالح الاتحاد الوطني.

من "إقليم" كردستاني إلى "إقليم" عائلي

أحكم الحزب الديمقراطي الكردستاني السيطرة على جنوب كردستان عقب الاتفاق الذي حصل بينه وبين الاتحاد الوطني، وتحول جنوب كردستان إلى "إقليم" عائلي بحت، وكل الانتخابات البرلمانية والرئاسية في جنوب كردستان منذ عام 2003 وإلى يومنا الراهن هي انتخابات شكلية وإعلامية، ولم تأت بأي جديد على مستوى "المناصب الكبرى"، ففي الانتخابات الأخيرة حصلت عائلة البارزاني على منصبين من أهم المناصب السيادية في جنوب كردستان، وهو منصب رئيس جنوب كردستان ومنصب رئيس مجلس الوزراء. والمنصبان في الدورات السابقة كانا للعائلة نفسها، بالإضافة إلى قيادة مجلس أمن كردستان، ناهيك عن إحكام السيطرة على المئات من المشاريع الاستثمارية الكبرى في مناطق جنوب كردستان.

اتبع الديمقراطي الكردستاني سياسة الأنا، وهذه السياسة ساهمت إلى حدّ كبير في تدمير البيت الكردي والكردستاني.  تعاون مع ألد أعداء الكرد، وهي الدولة التركية، في كافة المجالات الاستخباراتية والمعلوماتية واللوجستية، وتحوّل جنوب كردستان إلى بؤرة للاستخبارات والجيش التركي. وسيطر على كافة موارد جنوب كردستان، وكتم أفواه المعارضين والصحفيين والشرفاء والوطنيين.

 ومؤخراً وبحسب المعنيين، فإن الديمقراطي أدى دوراً، وبدعم من تركيا، في إحداث خلاف داخلي ضمن الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يناهض الهجمات والتدخلات التركية ضد باشور (جنوب كردستان) في الكثير من الأحيان، والهدف الرئيس هو إضعاف قوته وفرض إملاءاته مستقبلاً.

مؤخراً جرت انتخابات برلمانية في العراق، ونحن هنا لسنا بوارد الإشارة إلى نتائجه، والتحالفات التي تمت بين القوى السياسية التي لا تمثل إرادة الشعب العراقي بقدر ما تمثل إرادة القوى الإقليمية والخارجية وفي مقدمتها إيران وتركيا، وما نود الإشارة إليه هو لماذا أعلن الديمقراطي الكردستاني عن ترشيح اسم من حاضنته لرئاسة العراق؟

تشريف الفساد

ربما يكون السبب الرئيس لترشيح الديمقراطي الكردستاني ممثله، هوشيار زيباري، الذي كان وزيراً للمالية عام 2016، في عهد حيدر العبادي، والذي تمت إقالته بتهمة الفساد، هو تشريف الفساد وإظهاره بأنه ظاهرة عادية، هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى، وربما هي الأهم، الإصرار على العقلية العشائرية التي ينتهجها، وأن المصلحة العائلية والعشائرية فوق كل الاعتبارات. وهنا لا يمكننا أن نفسر قرار المحكمة الاتحادية بصدد هوشيار زيباري سوى أنه إهانة مباشرة للديمقراطي.

إن استمرار ومحاولة الديمقراطي الكردستاني الظفر بمنصب رئاسة العراق الفدرالي لم تأت عن عبث، على الرغم من استبعاد مرشحه هوشيار زيباري (خال مسعود البارزاني) من قبل المحكمة الاتحادية.

فأولاً: هو نقض واضح للاتفاق المبرم بينه وبين الاتحاد الوطني الكردستاني. وثانياً: يمنع صدور أي صوت من أعلى منصب في العراق حيال الهجمات والجرائم والتدخلات التركية في جنوب كردستان والعراق عامة. وثالثاً: دليل دامغ على العقلية العائلية العشائرية المتحجرة التي يمثلها الحزب. ورابعاً: إنّ الحزب لا يلتزم بأي اتفاقية علنية أو حتى سرية في حال ضعف الطرف المقابل.

الخلاصة؛ إن تعنّت الحزب الديمقراطي الكردستاني في سياسة الأنا لن يجلب إلا الدمار للشعب الكردي في باشور، ولن تكون تداعياته أقل من تداعيات استفتاء عام 2017، الذي أعقبه استيلاء القوات العراقية على كامل مدينة كركوك، وربما يكون سبباً في تشتت الشعب الكردي في باشور كردستان، ومن ثم سيطرة الحكومة الاتحادية على مناطق أخرى من جنوب كردستان. وما قرار المحكمة الاتحادية الأخير بصدد قانون النفط والغاز إلا مؤشراً على ذلك.