لا يمكن حل مشكلة روج آفا بالعناد والتعنت، بل يتطلب حلاً جاداً - شكري كدك

لا يمكن حل مشكلة روج آفا بالعناد والتعنت، بل يتطلب حلاً جاداً - شكري كدك
الخميس 17 شباط, 2022   23:41

موطن الساميين، والذي يقال أنه سمي بهذا الاسم نسبة إلى سام بن نوح، وكان يُعرف سابقاً بأنه أكثر السهول خصوبة في بلاد ميزوبوتاميا، والمعروفة الآن باسم سوريا، تعرضت على مر التاريخ للكثير من المعاناة والمجازر والدمار.

مر بها الكنعانيون والعبرانيون والآراميون والآشوريون والبابليون والبارثيون والإغريق والرومان والبيزنطيون والأمويون والعباسيون والأيوبيون والسلاجقة والمماليك والصليبيون والعثمانيون وغيرهم الكثير. تعاقبت عليها العديد من القوى الكبيرة، بما في ذلك الإسكندر الأكبر. هذه الأرض التي تلتقي فيها الأديان والشعوب لم تشهد يوماً بدون مشاكل.

أصبحت دمشق موطن الدولة الإسلامية الأولى أو الأمويين (662-750) وأصبحت عاصمة المماليك. أصبحت العقل الجيوسياسي للشرق الأوسط، عرفت كمركز للعروبة ولعبت دوراً في انتشار العقيدة الإسلامية وأصبحت بلاد الشام التابعة للإمبراطورية العثمانية. وكما في السابق، لا يتوقف فيها إراقة الدماء. سوريا التي لديها صراعات داخلية وإسلامية، لديها أكثر الصراعات الطائفية دموية، واتخذت منها داعش بؤرة إيديولوجية لتأسيس الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام. وهي مبتلاة الآن بالربيع العربي.

لم يكن أحد يتوقع أن تؤدي أحداث درعا (15 آذار 2011) إلى تدمير البلاد. الحرب الأهلية في سوريا و هجمات داعش، أدى إلى تهالك الحكومة المركزية في سوريا. خلال الحرب التي استمرت 12 عاماً، أنهارت البنية التحتية لسوريا. أصبحت المؤسسات بلا جدوى. لقد فقدت حكومة الأسد السيطرة على البلاد.

مع تزايد مآسي الحرب، زادت التدخلات الخارجية. هذه المشكلة التي تدخلت فيها بداية التحالف الدولي بقيادة أميركا، وفيما بعد كل من روسيا وإيران، تحولت إلى قضية دولية. لقد سقط الملايين من القتلى والجرحى وملايين اللاجئين في سوريا، والآن أصبحت مثل الفريسة التي دخلت بين براثن الذئاب وتشتت.

أقامت شعوب شمال وشرق سوريا، بما في ذلك روج آفا، وانطلاقاً من نهج الخط الثالث، هيكلية إدارة ذاتية بحكم الأمر الواقع. بدلاً من أن تصبح طرفاً في النزاع، تبنت نهجاً يقوم على الحل. لقد رسخت نفسها ودافعت عن نفسها وأقامت إدارتها الذاتية وفقً للواقع السياسي الراهن.

انخرطت تركيا بشكل مباشر في الحرب الأهلية السورية، وبرزت باعتبارها الجاني الأكثر تأثيراً في تصعيد الحرب، والتي تحولت في النهاية إلى أحد أسباب عدم الحل. أصبحت إدلب بؤرة للمرتزقة. على حدودها قامت بالسيطرة على قادة داعش وقامت بدعمهم ومؤازرتهم. أرسلت المرتزقة إلى روج آفا وقامت باحتلال العديد من المناطق.

تعرضت سوريا مراراً وتكراراً للهجوم الإسرائيلي بسبب الوجود الإيراني على الأرض وما زالت تنتظر الحل. لو أن النظام السوري لم يكن منغلقاً على التغيير والانفتاح الديمقراطي، ولو أنه أبدى قدرة على التغيير، لما حدثت كل هذه الكوارث التي تحدث اليوم.

سوريا تبتعد عن الخيار الديمقراطي لحل نزاعاتها، وهذا يجعل البلاد أكثر عرضة للأزمات. بدلاً من التركيز على الحلول الخارجية المفروضة، فإن التوافق مع الديناميكيات القائمة على نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية سيكون السبيل الأمثل للشعوب.

على الرغم من أن شعوب شمال وشرق سوريا يريدون العيش معاً من خلال تقاسم السلطة مع جميع المكونات الأخرى في سوريا، فإن البحث عن حل في شكل قوى خارجية سيؤدي بالبلاد للدخول في مرحلة أكثر تعقيداً.

شعوب روج آفا على وجه الخصوص هم الأقرب إلى الحل رغم التضحيات الجسيمة ضد مرتزقة داعش. إن الرغبة في بناء سوريا قائمة على تقاسم المصير المشترك بين الشعوب ضمن وحدة أراضيها، والإصرار على التعايش بين ثقافة مشتركة ونهجها في الحل الديمقراطي، يجب ألا يبقى دون إجابة.

تُظهر الإدارة الذاتية استعدادها للحوار مع إدارة الأسد، و إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة. وتظهر رغبة في إيجاد حل دائم ومقبول. إذا لم يولوا الأهمية لهذا الأمر، فسيكون ذلك خطأً كبيرا بالنسبة لهم. إن البحث عن حل دولي لن يكون حلاً قابلاً للتطبيق لمستقبل سوريا.

لا يمكن حل مشكلة روج آفا بالعناد والتعنت، بل يتطلب حلاً جاداً. المواقف والأفعال التي تعيق إرادة الناس في العيش معا، سواء من ظل نظام الأسد أو روسيا أو الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، وعدم التخلي عن لغة التعنت، ستكون خسارة للجميع.

الاتفاقات التي تكون تركيا طرفاً فيها عل طاولة المفاوضات، والقائمة على إنكار الكرد، ستؤدي إلى سيناريوهات كارثة جديدة في سوريا. رغم أن النظام الفاشي في تركيا يريد الوصول إلى مستوى معين من التوافق مع نظام الأسد، فإن النتيجة لن تتغير كثيرا. البحث عن حل خارجي لن يكون أبدا حلاً حقيقيا لسوريا. خاصة أن تركيا هي السبب الرئيسي للحرب الأهلية السورية، وعليه فإن من السذاجة توقع الحل من تركيا.

إن مستقبل العرب والكرد والآشوريين والتركمان والشركس والأرمن وغيرهم من الشعوب يكمن في الحل الديمقراطي. يمكن للسنة والعلويين والمسيحيين واليزيديين والدرد والنصيريين والسلفيين والصابيين وغيرهم من الأديان أن يشكلوا اللبنات الأساسية لثقافة الأمة الديمقراطية وبناء مستقبل سوريا.

أهم درس يمكن تعلمه من تجارب التاريخ السوري ليس الدمار، بل إثبات الوجود من خلال التصالح والبناء. يعتبر بناء مجتمع ديمقراطي ومفهوم الإدارة الذاتية الديمقراطية حلاً قابلاً للتطبيق ليس فقط لسوريا، ولكن للشرق الأوسط بأكمله.

إن مشكلة الإلتزام بالمعنى الجوهري لمصطلحات (الوحدة والحرية والاشتراكية) والتي هي شعار لسوريا، تخلق مشاكل في العلاقات، وإن تغييرها سيحل المشاكل القائمة.