​​​​​​​المؤامرة الدولية على القائد أوجلان مستمرة بأوجه متعددة.. الأمة الديمقراطية تفشلها تباعاً

"كنتُ حجر عثرة لا يستهان به على درب حسابات الهيمنة المعمرة قرنين من الزمن بشأن الشرق الأوسط وكردستان خاصة"، بهذه العبارة اختزل القائد عبد الله أوجلان في مرافعاته هدف المؤامرة الدولية التي أدت إلى اختطافه وأسره، ولكن القائد استطاع أن يفشل المؤامرة من سجنه في إمرالي عبر أطروحاته التي باتت تشكل الشعلة التي تقتدي بها الشعوب لنيل حريتها.

​​​​​​​المؤامرة الدولية على القائد أوجلان مستمرة بأوجه متعددة.. الأمة الديمقراطية تفشلها تباعاً
الخميس 17 شباط, 2022   22:33
مركز الأخبار - ليلاف ديواني

تعرض القائد عبد الله أوجلان خلال الفترة الممتدة بين 9 تشرين الأول 1998 و15 شباط 1999، لمؤامرة دولية شاركت فيها أنظمة الرأسمالية وأذيالها من الدول القومية التي تطبق سياسات القوى العظمى المهيمنة على العالم، أبرزها أميركا وإسرائيل وتركيا وروسيا عبر عملية سرية جداً لشبكة غلاديو (الناتو الخفي) بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

إذ وجدت تلك الأنظمة في مشروع القائد عبد الله أوجلان الديمقراطي الإنساني عائقاً أمام تحقيق أطماعها الاحتلالية التوسعية ومفتاحاً لإخراج الشرق الأوسط من أزماته العالقة وسبيلاً لنيل الحرية والوصول إلى الديمقراطية، لما يملكه من نظام أيديولوجي ومقدرة على التأثير حتى على الصعيد العالمي.

لمحة تاريخية

وبدأت المؤامرة من قبل تركيا من خلال حملة استهداف القائد في سوريا بعد حصولها على ضوء أخضر من أميركا وإسرائيل للبدء بالمراحل المتقدمة لتصفية القضية الكردية وتعميق الشرخ بين الكرد والترك في تركيا وشمال كردستان لإحداث نقاط توغل جديدة في المنطقة، وفق مبدأ "فرق تسد"، لتستمر المؤامرة مع خروج القائد من سوريا في 9 تشرين الأول 1998 بعد سلسلة من التهديدات التركية باجتياح سوريا، مروراً بمنعه من الحصول على حق اللجوء السياسي في كل من اليونان ورسيا وإيطاليا والعديد من الدول الأخرى على الرغم من موافقة برلماناتها على منحه هذا الحق الذي تكفله قوانين تلك الدول نفسها، لينتهي به الأمر في الأسر بعد اختطافه في العاصمة الكينية نيروبي في منتصف شباط عام 1999، بعدما تمكنت الفرق الخاصة للموساد الإسرائيلي من تعقبه واختطافه ومن ثم تسليمه إلى تركيا.

وسبق كل هذه الأحداث سلسلة اتفاقات سياسية وتوسعية واقتصادية جرت بين القوى المشاركة (الموساد الإسرائيلي وأميركا وبريطانيا وروسيا واليونان) كان القاسم المشترك الأساسي فيها خطف القائد وأسره في سجن إمرالي، ولكن المهم هو معرفة ما الذي أخفته هذه المؤامرة في طياتها وكيف وظفتها ولا تزال توظفها القوى المتآمرة في الهيمنة على الشرق الأوسط وضرب الكرد؟

أبعاد المؤامرة المستمرة

أخفت المؤامرة التي حكيت ضد القائد عبد الله أوجلان مصالح وأطماعاً استعمارية للقوى المشاركة بغية بسط هيمنتها على الشرق الأوسط بشكل كافٍ وواف وضرب القضية الكردية، إذ وصف القائد تلك المرحلة بالحرب العالمية الثالثة "الخفية" كونها أخذت ولا تزال تأخذ شكلاً مختلفاً عن الحربين الأولى والثانية العالميتين.

وتولدت كوارث مفجعة في الشرق الأوسط ولا تزال إثر هيمنة القوى الرأسمالية المتصاعدة في أوروبا الغربية وسعيها الدؤوب إلى إعادة بناء نفوذها تأسيساً على ثقافة أبناء المنطقة، إذ أوصلت تلك القوى الثقافات الاجتماعية المعمرة آلاف السنين إلى مشارف التصفية بتعريضها للمجازر والاستعمار وعمليات الصهر والإبادة والدمج القسري الذي مارسته مراراً وتكراراً.

وبدأت أطماع تلك الدول المتآمرة تظهر مع سيناريو غزو أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 من قبل الولايات المتحدة الأميركية، فلو ربطنا الغزو الأميركي بالاتفاقات التي حصلت ما قبل تنفيذ المؤامرة، فسنستدرك الاتفاق الذي أبرم بين أميركا وإنكلترا وتركيا عام 1925، القاضي بالتضحية بشمال كردستان بشرط عدم المساس بجنوب كردستان، وعلى خلفيته دخلت تركيا الناتو عام 1952، إذ رأت تلك القوى أن موقع واستراتيجية حزب العمال الكردستاني سيشكل خطراً يهدد التوازنات التي اتفق عليها الأطراف، وكان خيارهم الأنسب للوصول إلى الهيمنة القضاء على الحزب في شخص القائد، فرأوا أن إحكام القبضة على كردستان سيكون سبيلاً ليطبقوا مشاريعهم المتعلقة بالعراق، ومنه التوغل في الشرق الأوسط.

وبالنسبة لروسيا، فكانت في ذلك الوقت (قبل المؤامرة) تعيش ظروفاً اقتصادية صعبة جداً، وأتت مشاركتها في هذه المؤامرة مقابل الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بلغت قيمته 10 مليار دولار، إلى جانب الحصول على مشروع "التيار الأزرق" بمشاركة إيطاليا أيضاً.

ومشروع “التيار الأزرق” هو خط أنابيب الغاز الرئيس عبر البحر الأسود الذي يحمل الغاز الطبيعي من روسيا إلى تركيا، وأنشئ خط الأنابيب بواسطة شركة خط أنابيب التيار الأزرق، ومقرها هولندا، وهي شركة محاصصة بين غازبروم الروسية وإني الإيطالية.

أما تركيا، فكانت ترمي إلى الاستفادة من المعاهدات التي أبرمتها مع قوى الهيمنة تلك منذ عام 1925 (اتفاقية 1926 بشأن الموصل وكركوك، التي نصت على أن يعطي العراق 10٪ من عائدات نفط الموصل لتركيا لمدة 25 سنة، ودخول الناتو في 1952، واتفاقيتا 1958و1996 المبرمتان مع إسرائيل)، بتوظيفها في محو الكرد من صفحات التاريخ. كما ساعدتها آنذاك الإيديولوجيا الوضعية القوموية العلمانية لضرب العلاقات التركية – الكردية.

حرب عالمية ثالثة "خفية"

ويرى القائد عبد الله أوجلان إن المؤامرة الدولية بمثابة "حرب عالمية ثالثة قائمة، ومحورها المركزي هو جغرافيا الشرق الأوسط وأوساطها الثقافية، والأحداث التي عاشتها العراق لوحدها بدت بصفتها مركز تركز الحرب، وإنما توضح بشكل كافٍ ووافٍ كون الحرب المندلعة فيه ليست معنية ببلد واحد، بل بمصالح ووجود قوى الهيمنة العالمية أيضاً".

وأكد القائد أنه لا يمكن إنهاء الحرب إلا بشلّ تأثير إيران كلياً، وباستتباب الأمن والاستقرار في أفغانستان والعراق، وبإخراج كل من الصين وأمريكا اللاتينية من كونهما عنصر تهديد. وعليه، لا زلنا في منتصف الحرب التي ستدوم فترة قد تصل إلى عشر سنوات أُخرى بأقل تقدير (وآخر المخططات الاستراتيجية للناتو أيضاً، ترتأي مدة قدرها عشر سنوات)".

وبالفعل رؤى القائد كانت صائبة، فلا تزال المؤامرة سارية، إذ تستمر الدول المتآمرة وفي مقدمتها أميركا وروسيا وتركيا في تعميق الأزمات في الشرق الأوسط، وضرب القضية الكردية ومشروع الأمة الديمقراطية الذي يمثله نموذج الإدارة الذاتية المقتدي بفكر القائد أوجلان، وتشديد العزلة المفروضة عليه، وذلك في إطار الحرب العالمية الثالثة ولكن بوسائل مختلفة، فأحياناً تتخذ من الدبلوماسية والسياسة سلاحاً وفي بعض الأحيان تتجه للعنف والقتل (العسكرة ودعم الإخوان والإرهاب وتوجيههم لمحاربة الكرد) وفي أحيان أخرى بافتعال حرب خاصة مع الأخذ بعين الاعتبار تغيّر أولويات المناطق والساحات وفقاً لمصالحها.

وظهر ذلك مع اندلاع ما تسمى ثورات الربيع العربي أواخر عام 2010 ومطلع عام 2011، التي انطلقت شراراتها من تونس لتتوسع وتشمل مختلف أنحاء بلدان الشرق الأوسط، منها الأردن ومصر وليبيا واليمن ولبنان والعراق والسودان وسوريا.

إذ سارعت القوى الرأسمالية المشاركة في المؤامرة إلى التدخل في الدول التي تحولت ثوراتها إلى أزمات وحروب لم تنته ليومنا هذا نتيجة تواطؤ الأنظمة الحاكمة فيها مع هذه القوى التي عمدت إلى تعميق تلك الأزمات بغية الحفاظ على وجودها متخذة من شعار "حفظ السلام" و"محاربة الإرهاب" قناعاً يخفي وراءه نوايا استعمارية.

ولاقى كل من العراق وسوريا - الغنيين بالثروات - النصيب الأكبر من تداعيات هذه المؤامرة وسياسات القوى الخارجية المتدخلة بأزماتها (روسيا - إيران- تركيا- أميركا) الساعية إلى بسط النفوذ والحفاظ على الوجود بغية تحقيق مصالحها التوسعية والاقتصادية والقمعية.

وتعيش سوريا منذ أكثر من عقد حرباً دامية خلفت أكثر من نصف مليون قتيل ودمرت البلاد ونهبت الخيرات، إثر سياسة السلطة الحاكمة في البلاد وتواطؤها مع القوى الرأسمالية الخارجية في سبيل البقاء في السلطة دون الاكتراث لمطالب الشعب.

الأزمة السورية التي كانت من المفترض أن تسمى "ثورة" يتمكن السوريون من خلالها نيل الحرية والحقوق المشروعة، تدخلت فيها القوى الرأسمالية بذريعة "حفظ السلام" و"محاربة الإرهاب" وقضت على روح تلك الثورة من خلال استغلال أصحاب النفوس الضعيفة واستخدامهم كبيادق حرب في حروبهم الخاصة على الأرض السورية، حرب تقاسم خيرات البلاد وضرب الديمقراطية.

شعلة في وسط العتمة

وفي ظل الأزمة المعقدة التي عصفت بالبلاد، أختار أبناء شمال وشرق سوريا بكافة مكوناتها الانطلاق بثورة جديدة عام 2012 أطلق عليها ثورة 19 تموز، ثورة التغيير والبناء.

وأحدثت الثورة تغييراً في الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين، وأصبحت الأمل في حياة حرة ومجتمع ديمقراطي، عقب مراحل من النضال والمقاومة التي خاضها أبناء المنطقة في محاربة داعش والعدوان التركي، وصولاً إلى تأسيس إدارة ذاتية ديمقراطية عام 2015 متخذين من فكر القائد أوجلان وفلسفته سبيلاً للمضي قدماً.

وكانت المقاومة التاريخية لشمال وشرق سوريا ضد داعش عام 2019 بمثابة ملحمة تركت بصماتها في تاريخ العالم، وأكد من خلالها أن نموذج الإدارة الذاتية هو الحل الأمثل للأزمة السورية، وأنه الشعلة المتقدة في الظلام الذي تريد الأنظمة الرأسمالية أن تفرضه في الشرق الأوسط.

فبعد هزيمة داعش، سعت تركيا ولا تزال بضوء أخضر من الدول المتآمرة ضد القائد، إلى ضرب مشروع الأمة الديمقراطية، سواء باتباع أساليب عسكرية تتمثل بهجماتها المستمرة على شمال وشرق سوريا وعلى حزب العمال الكردستاني في جنوب كردستان، وعلى الإيزيديين الذين تعرضوا للمجازر على يد داعش ربيب تركيا، أو من خلال اتباع أساليب سياسية تتمثل بإنكار الإدارة الذاتية، والضغط على المجتمع الدولي لعدم الاعتراف بها، بالإضافة إلى اتباع سياسة الحرب الخاصة من خلال إبعاد القائد أوجلان عن الوسط من خلال فرض العزلة المشددة عليه، وأيضاً عبر تجويع مناطق الإدارة الذاتية وفرض الحصار عليها ونشر عملائها وشبكاتها الاستخباراتية بغية إبعادها عن روح الوطنية والثورة، وذلك بمساندة بعض القوى المستفيدة من استمرار الأزمة السورية.

بإرادة القائد ونضال الشعب تفشل المؤامرة

إلا أن القوى المتآمرة، وفي مقدمتها تركيا، لم تتمكن من الوصول إلى مآربها في تصفية ثورة كردستان وإنهاء الشعب الكردي في شخص القائد أوجلان، للمضي قدماً في التوغل بالشرق الأوسط، إذ تمكن القائد أوجلان بإرادته القوية من الرد على المؤامرة الدولية وإفشالها حتى وهو داخل سجن إمرالي ورغم قيود العزلة من خلال فكره وأطروحاته التي أغنى بها فكر أبناء كردستان وعامة الشعوب المضطهدة التواقة إلى الحرية ليبقوا يقظين حيال سياسات الأنظمة الرأسمالية، إذ أصبحت فلسفته طريقاً لانطلاق ثورة 19 تموز في شمال شرق سوريا التي سطرت البطولات في صفحات التاريخ بفضل تضحيات شهدائها والمنجزات التي حققتها.

/ar/uploads/files/2022/02/17/174621_064640_manshyt-copy.webp

وفي هذا السياق، يؤكد الرئيس المشترك لحركة المجتمع الديمقراطي غريب حسو، بأن جزءاً كبيراً من المؤامرة التي حيكت ضد القائد عبد الله أوجلان قد فشلت بإرادة القائد ومقاومته ضمن سجن إمرالي وهو يغني الشعوب المضطهدة بفلسفته وفكره حول كيفية حل الأزمات العالقة في الشرق الأوسط وإدراك خفايا سياسات الأنظمة الرأسمالية واقتداء الشعب الكردي والشعوب التواقة للحرية والديمقراطية به.

ولفت غريب حسو إلى أن ضم مواطني الدول المتآمرة على القائد أصواتهم إلى حملة "حان وقت الحرية" خير دليل على أن المؤامرة تتجه إلى الزوال، وأكد أن الشعوب المطالبة بالحرية والديمقراطية أدركت أهمية تحقيق الحرية الجسدية للقائد في حل الأزمات بطريقة سلمية وليس بالقوة التي تتبعها الدول السلطوية.

(ح)

ANHA