أزمات اقتصادية وآثار غير مسبوقة.. شرق سوريا والعراق الأكثر تأثراً بالتغير المناخي

تستمر قمة المناخ التي تستضيفها مدينة غلاسكو الاسكتلندية، على مدار أسبوعين، وذلك في ظل تزايد عدد سكان العالم وتفاقم ظاهرة التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة وتراجع منسوب المياه العذبة وتضرر المناطق الزراعية في العالم ما سيجعل شعوب المنطقة في مواجهة أزمات معيشية واقتصادية كبيرة فيما تغيب الجدية عن مساعي القوى الدولية لحل هذه المعضلة.

أزمات اقتصادية وآثار غير مسبوقة.. شرق سوريا والعراق الأكثر تأثراً بالتغير المناخي
الجمعة 12 تشرين الثاني, 2021   03:51
مركز الأخبار - يحيى الحبيب

الحفاظ على كوكب الأرض قضية تأخذ حيزاً من اهتمام الخبراء والباحثين المتابعين لهذه القضية التي تهدد مصير شعوب العالم.

وعلى الرغم من حساسية هذه القضية وخطورتها إلا أن القوى العظمى باتت تستخدم هذه القضية في صراعاتها الجيوستراتيجية خصوصًا بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى.

التغير المناخي وأسبابه؟

التغير المناخي هو اضطراب في مناخ الأرض مع ارتفاع في درجة حرارة الكوكب، وتغير كبير في طبيعة الظواهر الطبيعية مع نزعة إلى العنف، وتدهور مستمر للغطاء النباتي وللتنوع البيئي.

وتجد ظاهرة الاضطراب المناخي تفسيرها لدى عدد من العلماء في ارتفاع حرارة المحيطات والغلاف الجوي على المستوى العالمي وعلى مدى سنوات مديدة. وترجع أغلب الدراسات المنجزة في هذا المقام ظاهرة التغيرات المناخية إلى جملة من العوامل أبرزها النشاط الصناعي وما يخلفه من غازات سامة تتكدس في الغلاف الجوي، مؤثرة بشكل حاد على انتظام حرارة الأرض وتعاقب وتوازن الظواهر البيئية.

تأثير التغير المناخي

ويتسبب التغير المناخي في زيادة بالظواهر المناخية الشديدة مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات والأعاصير. وتشير اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC إلى أن عدد موجات الحر قد ازدادت منذ عام 1950، وأن عدد الليالي الحارة قد ارتفع في جميع أنحاء العالم. كما أن عدد الأعاصير وقوة العواصف المدارية واستمراريتها قد ارتفع عن ذي قبل، مع تزايد الأعاصير المدارية منذ عام 1970.

وأصبحت بعض أجزاء الكرة الأرضية تتعرض لتساقط كمية أكبر من الأمطار، إذ تشير كثير من الدراسات إلى إنه في الفترة من عام 1900 حتى 2005، ازداد هطول الأمطار بدرجة ملحوظة في المناطق الشرقية من أمريكا الشمالية والجنوبية، وفي شمال أوروبا وشمال ووسط آسيا.

وباتت بعض أجزاء الكرة الأرضية أكثر جفافاً حيث انخفض هطول الأمطار في منطقة الساحل ومنطقة البحر المتوسط، وإفريقيا الجنوبية وأجزاء من جنوب آسيا. وبحسب بيانات اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فإن المناطق المتأثرة بالجفاف قد ازدادت منذ فترة السبعينيات.

أمام لحظة حاسمة وأثار لم يسبق لها مثيل

وبحسب تقرير حديث للأمم المتحدة فأن تغير المناخ يعتبر القضية الحاسمة في عصرنا، ونحن الآن أمام لحظة حاسمة. فالآثار العالمية لتغير المناخ هي واسعة النطاق ولم يسبق لها مثيل من حيث الحجم، من تغير أنماط الطقس التي تهدد الإنتاج الغذائي، إلى ارتفاع منسوب مياه البحار التي تزيد من خطر الفيضانات الكارثية. إن التكيف مع هذه التأثيرات سيكون أكثر صعوبة ومكلفاً في المستقبل إذا لم يتم القيام باتخاذ إجراءات جذرية الآن.

ومنذ انعقاد قمة الأرض في ريو دي جانيرو عام 1992، اتخذت معظم دول العالم وبدرجات متفاوتة قرارات للتعامل مع هذه المشكلة التي أصبحت مستعصية غير أن الالتزام بهذه القرارات تعثر، وبقي مجرد حبر على ورق لأن تنفيذ هذه القرارات بات مكلفاً اقتصادياً ولا سيما بالنسبة للدول الصناعية، الملوث الأساسي للكوكب، حيث لكل قائد دولة حسابات خاصة داخلية وخارجية.

قمة غلاسكو.. آمال ضعيفة

وتعقد الجولة الأخيرة في محادثات التغير المناخي برعاية الأمم المتحدة في دورتها السادسة والعشرين في اسكتلندا هذا العام.

وهي قمة سنوية تحضرها 197 دولة من أجل مناقشة تغير المناخ، وما الذي تفعله هذه البلدان، والعالم أجمع، من أجل مواجهة هذه المشكلة ومعالجتها.

ويعد المؤتمر جزءاً من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي، وهي معاهدة دولية وقعتها تقريباً، جميع الدول والمناطق في العالم بهدف الحد من تأثير النشاط البشري على المناخ.

وهذا المؤتمر هو السادس والعشرون منذ دخول المعاهدة حيز التنفيذ في 21 مارس/آذار 1994. ويعقد المؤتمر في هذا العام في غلاسكو، أكبر مدن اسكتلندا.

وحول هذه القمة، قال الخبير البيئي اللبناني، ويلسن رزق، خلال حديث خاص لوكالتنا: "بالواقع لا أتوقع تغييراً جذرياً من خلال هذه القمة التي لا أراها تختلف كثيراً عن القمم التي سبقتها كقمم طوكيو أو كيوتو أو غيرها".

تغير المناخ يتسبب بانطلاق أزمات اقتصادية كبرى للشعوب

وحول تأثير تغير المناخ، قال رزق: "أن تغيير المناخ الذي يحصل حالياً يؤثر سلباً على مستقبل ليس فقط الشعوب التي تعتمد على الثروات الزراعية إنما على سائر الشعوب وذلك في مختلف المجالات الاقتصادية أو الصحية".

وأوضح أن الانحباس الحراري يسبب شح الأمطار وارتفاع الحرارة وبالتالي نقص في الموارد الطبيعية التي يعتاش منها ذوي الدخل المحدود ومن هنا تنطلق الأزمات الاقتصادية الكبرى.

العراق وشمال سوريا هم الأكثر تأثرًا بالتغير المناخي في العالم

وأشارت منظمة بيركلي إيرث (Berkeley Earth) المعنية بمتابعة الشؤون البيئية حول العالم، إلى أن ارتفاع درجة الحرارة في العراق وشرق سوريا بلغ 4,1 درجة مئوية يعني بأن كل عام ترتفع درجة الحرارة في هذه المنطقة بمعدل 4,1 درجة مئوية بينما المعدل الطبيعي والحالي لارتفاع درجة الحرارة في كل دول العالم هو 1,5 درجة مئوية فقط كل عام.

وبحسب صحيفة واشنطن بوست، فأن العراق وشرق سوريا هما أكثر المناطق حول العالم التي تتأثر اليوم بالتغير المناخي وهذا يعني انعدام للأمن المائي والأمن الغذائي في تلك المنطقة حيث الكثير من المناطق الزراعية تصبح غير صالحة للزراعة مع مرور كل عام بالإضافة إلى أن الكثير من المناطق السكنية تصبح غير قابله للسكن في تلك المنطقة.

وتعتبر شمال وشرق سوريا سلة غذاء سوريا، من بين أكثر مناطق العالم تضرراً من أزمة الجفاف وشح المياه.

وأجرت صحفية في جريدة اندبندنت البريطانية، بل ترو، تحقيقاً شاملاً قبل انعقاد قمة غلاسكو. إذ سلطت ترو الضوء على مخاوف المزارعين والسكان في شمال وشرق سوريا من العام المقبل، خاصة بعد أن شهدت البلاد أسوأ موسم حصاد على الإطلاق في العام الفائت، في وقت تعرض حوالي 75 ٪ من المحاصيل الزراعية هذا العام إلى التلف.

وبحسب دراسة نشرها المركز الكردي للدراسات فأن "نتيجة انهيار القطاع الزراعي وتراجع المياه الجوفية والسطحية، جراء سياسة بناء السدود من قبل تركيا والسياسات العنصرية من قبل النظام السوري، فقد أضحت سوريا اليوم تعاني من أسوأ فترة جفاف منذ ٧٠ عاماً".

فيما قال تقرير لمنظمة “باكس” الهولندية لبناء السلام أن مرتزقة تركيا بنوا ثلاثة سدود على نهر الخابور الذي يمر من سريه كانيه إلى تل تمر والحسكة ومن ثم يصب في نهر الفرات في ريف دير الزور.

ووجد التقرير، الذي اعتمد على العمل الميداني وصور أقمار اصطناعية، أن وضع سواتر على نهر الخابور في وقت واجهت فيه المنطقة فصل الصيف الأكثر جفافا يُعد “مثالا لا لُبس فيه على استخدام المياه كسلاح حرب”.

وأظهر التقرير أن السدود الثلاثة فاقمت تداعيات الجفاف القاسي الذي تشهده المنطقة. وأضاف أن “تأثير الحرارة الشديدة تضخّم جراء كميات أمطار محدودة، ما يعني أن لدى المجتمعات الزراعية مياهاً أقل من أي وقت مضى وفي أكثر وقت تحتاج إليها”.

ومن جانبها تطرقت دراسة المركز الكردي للدراسات إلى: "نضب نهر الخابور حاله كحال بقية الأنهار والبحيرات والسدود الأخرى في جميع أنحاء البلاد التي مزقتها الحرب، الأمر الذي أدى إلى تدهور المحاصيل الزراعية ونفوق الماشية وندرة مياه الصالحة للشرب".

ويُشكّل نهر الفرات مصدر مياه الشرب الرئيسي لأكثر من ٥ مليون شخص في سوريا، علما أن مستوياته بدأت بالانحسار بشكل تدريجي على سدي تشرين والطبقة الواقعين جنوب غرب الرقة اللذان يخدمان حوالي 3 ملايين شخص في شمال سوريا، من حيث توفير الكهرباء والمياه والري. حيث انخفض منسوب السدود حسب الهيئات المختصة إلى ما يُعرف بـ "المستوى المخيف". الأمر الذي تسبب في توقف إنتاج الكهرباء وتعطلت محطات المياه عن العمل.

وبحسب المركز الكردي للدراسات، فأن منطقة "شمال وشرق سوريا تعتبر من بين النقاط التي قد تشهد كوارث بيئية في ظل تداخل التهديدات التركية مع ترسيخ أزمة الجفاف، وهو الأمر الذي وصفه ويم زوينبورغ، الذي يعمل في منظمة السلام الهولندية "باكس" بأنه يُجسّد انهياراً بيئياً مُحتمَلاً في شمال وشرق سوريا بسبب الجفاف الناجم عن تغيُّر المناخ بالإضافة إلى الأضرار البيئية المرتبطة بالحرب والصراع وتسيّس المياه".

أخر ما يهم تركيا هو الوضع البيئي

وتحت ذريعة عدم تلبية مطالب بلاده الأمنية رفض رئيس دولة الاحتلال التركي رجب طيب أردوغان المشاركة في قمة المناخ.

وحول موقف تركيا من التغير المناخي، قال رزق: "لا يهم الحكومة التركية الوضع البيئي والمناخي بقدر ما يهمها الوضع السياسي الذي هو يفرض تصرفاتها وآخر همها المساعي الدولية".

وأضاف: "لا أظن أن المجتمع الدولي وقمة غلاسكو ستتجاوب مع أي طلب لا يتماشى مع سياسات الحكومات المشاركة وسياسات الدولة التركية التي همومها كلها بعيدة عن المصلحة البيئية".

تحذيرات من خطورة الوضع والدول لا يهمها سوى مصالحها

وقبل أيام، حذر المفكر والمؤرخ الأميركي- الإيراني، حميد دباشي، من الاستهتار لدى الأنظمة في الشرق الأوسط حيال موجة الجفاف التي تضرب كل من إيران والعراق وسوريا جراء الاحتباس الحراري، مبيناً أن نموذج الدولة القومية التقليدية وقادتها، أصبحوا وبالاً على الأمم والشعوب والأفراد. فبينما العالم يحترق، فإن حسابات السلطات القائمة ومعارضيها في المنطقة تستخف بأزمة الجفاف وانهيار الأمن الغذائي. وفي المحصلة، غدا الجيل الجديد على حافة الانقراض.

وبدوره حذر الخبير البيئي ويلسن رزق من خطورة الوضع أيضًا، قائلًا: "إن الوضع برأيي خطير جدًا وأزمة التغيير المناخي ستستمر عالمياً طالما أصحاب القرار عند الحكومات خاصّةً الكبرى والصناعية هي المعامل والشركات الملوثة والمسؤولة عن انبعاث الغازات الدفيئة واهمها ثاني أوكسيد الكربون".

وحول جدية هذه الدول، قال رزق: "لا أرى جدية من قبل المشاركين في قمة غلاسكو لأنهم ليسوا أصحاب القرار بل القرار لحكوماتهم التي يسيطر عليها الربح المادي خاصةً الصناعية منها التي همها الوحيد هو الربح الوفير بغض النظر عن التأثيرات البيئية السلبية".

وفي هذا السياق، يرى القائد والمفكر عبد الله أوجلان أن "تخريب البيئة والإخلال بالتوازن البيولوجي العالمي، إفراغ باطن الأرض وتلويث سطحها والكوارث المناخية" سببها هو النظام الرأسمالي الساعي وراء الربح الأعظمي.

ويقول القائد عبد الله أوجلان: "إن عصر المال المالي هو ذروة دمار الاقتصاد والمجتمع، إننا أمام وحش متهور يكاد يجر نصف المجتمع نحو البطالة، ويحول إنتاج وسائل الإبادة إلى قطاع اقتصادي رئيسي باسم الاقتصاد المسلح ويهدف فقط إلى الربح، ولا علاقة له بتاتاً بالحاجات الضرورية للمجتمع ويدمر البيئة، ويحول كل موارد الطبيعة والمجتمع إلى مصدر للربح".

ويضيف القائد أوجلان إنه "وحش ذو طابع مناهض للمجتمع وللإنسان وللطبيعة".

ويؤكد أن الدور الذي تؤديه الصناعوية في توفير الربح الأعظم هو العلة الكامنة وراء كافة القضايا الاجتماعية والوطنية الراهنة، وهي السبب الوحيد لقضايا البيئة.

ما هو الحل؟

وحول الحل المناسب لهذه القضية، قال الخبير البيئي اللبناني ويلسن رزق: "الحل برأيي مرهون بإمكانية حصول المجتمع الدولي على الوعي الكافي ليتمكن من إدراك الخطر الداهم المتربص بكوكب الأرض، وهذا لن يحصل طالما حكام العالم هم أصحاب المعامل والشركات المهتمة بتسويق السلع الاستهلاكية، والحل الوحيد يكون باستلام العلماء البيئيون مقاليد الحكم في الدول الصناعية الكبرى".

المفكر أوجلان بدوره وضع حلول عملية لتأثير هذه المعضلة التي يتعلق مصير البشرية بها، ويؤكد أن الحل هو مفهوم الأمة الديمقراطية ويقول: "لا يقتصر النظام الاقتصادي للأمة الديمقراطية على وقف الممارسات الوحشية فحسب بل ويعمل أساساً على إعادة بسط المجتمع لسيطرته على الاقتصاد، فشبه الاستقلال الاقتصادي هو أدنى حدود الوفاق بين الدولة القومية والأمة الديمقراطية وأي وفاق أو حل أدنى مستوى منه، يعد استسلاما".

ويؤكد القائد أوجلان أن "نظام شبه الاستقلال الاقتصادي يقف بروح من النفير العام في وجه تصحير الأراضي، ويعتبره عدوا لدودا للمجتمع والأحياء كما يعلن عن حماية التربة وتشجير البيئة كأقدس أشكال الكدح، فكيفما أن الساحة التي تذر المزيد من الربح هي أقدس ساحة عمل بالنسبة إلى مراكمة الربح ورأس المال ضمن الدولة القومية فأن ساحتي التربة والغابة هما أقدس ساحات العمل في الأمة الديمقراطية كونهما أمنتا حياة المجتمع على مدار التاريخ".

ويضيف أوجلان في هذا السياق: "باستطاعة الحياة الاجتماعية أن تستمر بوجودها من دون الرأسمالية والصناعوية. في حين يستحيل الاستمرار بها من دون الأرض والغابة".

(ح)

ANHA