الحماية الذاتية: الخيار الوحيد للخروج من نظام العبودية الحديثة – 2

الحماية الذاتية: الخيار الوحيد للخروج من نظام العبودية الحديثة – 2
الثلاثاء 31 آب, 2021   21:45

الهجمات على روج آفا وأهمية الحماية الجوهرية

خالد أرميش

ذكرنا في الجزء الأول من هذا الملف أن الانتفاضات ضد الإبادة الجماعية والاحتلال في كردستان هي في الأساس حركات حماية ذاتية، وفي الجزء الثاني سنحاول التطرق إلى المخاطر القائمة وكذلك الحماية الذاتية الذي بدأت مع ثورة روج آفا، وتطورها على أساس الدفاع المشروع، وما الذي يجب فعله اليوم وكيف.

المعنى الرمزي لروج آفا من أجل المجتمع الحر

من بين أجزاء كردستان الأربعة تشهد روج آفا، اليوم، هجمات إبادة جماعية كثيرة  على يد دولة الاحتلال التركية.  

والسبب الأساسي للهجمات العنيفة على روج آفا هو أنها تمثل المنطقة التي سيصل فيها الكرد الأحرار إلى القمة. وعلى الرغم من أنها أصغر جزء من كردستان؛ إلا أنها تنطوي في الأساس على معانٍ وتأثير رمزي كبير؛ لأنها أثبتت أن النضال يتم على أساس المبادئ، وهي مؤثرة لأنها فضحت الأشخاص الذين يتاجرون بكردستان، كما مكنّت الكرد من نيل الحرية ولو جزئيًّا.

لا يمكن لأي مجتمع ذاق طعم الحرية أن يقبل الاستسلام، أو أن يتم الاستيلاء على إرادته أو استعباده.

يُنظر إلى روج آفا على أنه تهديد كبير، ليس فقط بالنسبة للدول القومية الإقليمية؛ بل أيضًا بالنسبة للقوى الإمبريالية العالمية؛ لأنها أثبتت أن الوجود ممكن على أساس الاعتماد على الذات بدلًا عن الاعتماد على القوة المطلقة، كما أن روج آفا أثبتت أن التنوع الديني والطائفي واختلاف الثقافات واللغات والأعراق ليس سببًا للصراع، ولكنها يمكن أن تكون موردًا للمجتمع الديمقراطي.

إن علاقاتها مع القوى المختلفة، وبنيتها الداخلية للتواصل وديالكتيكها المعارض، لا يتعارض مع مبدأ الحماية الذاتية، على الرغم من أن بعض الأوساط والأحزاب تحاول عكس هذه الحقيقة.

العمالة لا تنتصر

إن عمالة وتبعية بعض الأوساط الكردية تدفعها لمهاجمة روج آفا أكثر مما تفعله الدولة التركية والقوى المهيمنة الأخرى، وهذا ليس من قبيل الصدفة، لأن روج آفا دمرت كل أسس العمالة؛ فهي تقاوم ضد قوات الاحتلال من ناحية، ومن ناحية أخرى تناضل ضد العمالة التي تأسست في عواصم الدول المحتلة. ولهذا فإن للعمالة دور كبير في اشتداد الحرب في كردستان، وبدون رؤية هذا الواقع وبدون كفاح فعال ضده، لا يمكن تحقيق الحرية.

لذلك على المجتمع الكردي في المقام الأول تطوير الحماية الذاتية ضد هذه المجموعة العميلة. ولأن حقيقة العدو واضحة فإن سياسته وهدفه واضحان أيضًا. لكن العميل يحاول الاختباء وتركه بدون حماية ثم فرض الاستسلام عليه.

ما يجعل روج آفا اليوم أكثر عرضة للهجوم هو الطرف الذي نذر وجوده لهذه العمالة ويعمل على هدم المجتمع من الداخل، ويمهد الطريق للاستسلام ويعمل كعدو. هذا هو الدور الذي تم تكليفه به. وعدا ذلك فلا يمكنهم التحدث عن الكردية بجرأة في عواصم المحتلين.

على سبيل المثال، فإنهم دائمًا يتفوهون بكلمات مثل الوطن والقيم واللغة والعلم وما إلى ذلك، وهي وسيلتهم الأساسية للتمويه.  

دائمًا أسماء أحزابهم وتنظيماتهم تحتوي على كلمة الكردية؛ لأن بدونها لا يمكنهم الاختباء واللعب بالقيم الاجتماعية، ولكن لا يوجد شيء واحد يفعلونه من أجل الدفاع عن الوطن والدفاع عن الشعب. يتحدثون كثيرًا ويصدرون الكثير من البيانات؛ ولكن من المعلوم أن كردستان بحاجة إلى مناضلين وليس إلى متحدثين. في كردستان هناك حاجة إلى الوحدة وتنظيم وتطوير الحماية الذاتية، ولكن جل ما يفعلونه هو تجزئة المجتمع والتحالف مع الأعداء.

الذين يناضلون ضد هذه العمالة هم وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية. وليس من قبيل المصادفة أنه منذ الأيام الأولى للثورة كان الناس موجودين على خط الدفاع. لقد رأى الناس حمايتهم الذاتية الحقيقية، كما رأوا أنه يمكنهم التقدم واتخاذ قرارهم تحت هذا السقف فقط.

قوات الحماية الجوهرية هي عماد الحماية الذاتية

لكن الحماية الذاتية لم تعتمد فقط على وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية، ولكنها اعتمدت في الوقت نفسه على على(قوات الحماية الجوهرية) على أساس الحماية الذاتية، والتي يمكن للمجتمع بأكمله الانضمام إليها. هذه القوة ليست مجبرة فقط على القتال في الخطوط الأمامية في أوقات الحرب، ولكن أيضًا تعتمد على الحماية الذاتية ضد أشكال الفساد والتجسس والتخريب والتهجير. هذه هي مهمة قوات الحماية الجوهرية.

الشعوب- المجتمعات التي تدافع عن نفسها لا تُهزم

في روج آفا قاموا بانتهاج الحرب الخاصة أكثر من الحرب على الجبهات، والحرب الخاصة هي الحرب الأكثر وحشية التي يخوضها العدو ضد المجتمع. حيث تمارس جميع أشكال التضليل والفساد والدعارة وما إلى ذلك، وتعمل كل ذلك بشكل خاص عن طريق الشباب، وتحاول حرمان المجتمع من أكثر قوة حماية ديناميكية. ويعتبر الفساد والهجرة من أكثر الوسائل فعالية للترحيل والانحطاط والحرمان من الحماية.

في الفترة الأخيرة، يتم التلاعب بأهالي عفرين بشكل خطير، لا سيما في منطقة الشهباء. والقوة المستخدمة بشكل فعال هناك هي المجلس الوطني الكردي، الذي كان جزءًا من مرتزقة ما تسمى بالمعارضة السورية التي كانت إلى جانب الدولة التركية في احتلالها لعفرين، ويسعى اليوم إلى دفع الشعب سواء بشكل إفرادي أو على شكل جماعة إلى براثن الاحتلال دون وجود أية ضمانات دولية. والدعاية التي يروجون لها هنا هي: "يمكنكم العودة، ولن يفعل لكم أحد شيئًا".

السؤال الأساسي هو: من أعطاك هذا الضمان؟ بينما عفرين محتلة، لماذا تعمل على توجيه الأهالي نحو عفرين. حيث يتعرض الكرد يوميًّا للمضايقات والاغتصاب والتعذيب والاختطاف والقتل، ولا توجد أية حماية؟ إذا كان هدفكم فعلًا هو إعادة الناس إلى ديارهم بحرية، فلماذا لا تنضمون إلى الحرب التي تخوضها قوات تحرير عفرين من أجل تحرير عفرين؟

يمكن أن تتعدد مثل هذه الأسئلة؛ لكن من الواضح أن الخيانة والعمالة تلعبان دورًا جديدًا. أهالي عفرين يقاومون في أصعب الظروف منذ 2018، لكن هؤلاء يقدمون دعمًا واحدًا لهم، ولا يزالون يحاولون قمع هذه المقاومة. ويعتمد هذا الحزب على دوره في كسر النضال الكردي من أجل الحماية الذاتية.

لذلك لا يجوز أن ننخدع بألاعيبها، ولكن يجب فضح وجهها الحقيقي، ويجب على الناس أن ينظموا أنفسهم بشكل أقوى ضمن الحماية الذاتية، وأن يعززوا دفاعهم ضد جميع أشكال وأساليب الحرب والهجمات سواء في الداخل أو في الخارج.

الكومينات والمجالس؛ ميادين التنظيم والحماية الذاتية

في هذه الحالة، السؤال المهم الذي يجب الإجابة عليه هو: كيف سيتم الدفاع الذاتي ضد الهجمات الداخلية والخارجية؟

الإدارة الذاتية التي أسستها شعوب روج آفا وشمال وشرق سوريا تستمد قوتها إلى حد كبير من المجتمع المنظم والواعي. وهذا يقوي دفاعها سواء في بناء نظام ديمقراطي أو ضد الهجمات التي ستقع داخليًّا وخارجيًّا.

وكيف يجب أن يتم هذا؟ مما لا شك فيه النموذج التنظيمي يبدأ من الكومينات ويمتد إلى المجالس، وهي أكثر الميادين تأثيرًا في تطوير الحماية الذاتية. يجب تحويل الكومينات التي تأسست في جميع الشوارع والأحياء إلى ميادين توعية وتنظيم، ويجب إنشاء شبكة تنظيمية قوية، وأن يكون كل فرد عضوا في الكومين، ولا ينبغي ترك أي شخص بدون كومين.

يجب أن تؤدي الكومينات والمجالس دور المراكز التي يتم فيها مناقشة القضايا الاجتماعية والتنظيمية والفكرية، واتخاذ جميع التدابير حيال الهجمات الداخلية والخارجية، وأن تكون ميدانًا لتدفق الديمقراطية من القاعدة إلى القمة. كما يجب أن تتصرف الكومينات كمراكز تفتيش، وتحديد كل من بقي خارجها والعمل على ضمهم. وسيؤدي ذلك إلى تعزيز مستوى الوعي لدى المجتمع المنظم، وزيادة القدرة على رؤية المخاطر وتلافيها من خلال اتخاذ تدابير مضادة.

دور المرأة والشباب في الحماية الذاتية

هناك موضوع آخر من الأهمية الإشارة إليه بشكل موجز، وهو الدور الريادي للمرأة والشباب في مجتمع منظم والحماية الذاتية.

وهو موضوع النساء والشباب الذين يلعبون دورًا رائدًا في الأنظمة الديمقراطية كقوى محركة؛ فهذه الفئات هي الأكثر ديناميكية في المجتمع في نظام الإدارة الذاتية وكذلك في تطوير الديمقراطية والحماية الذاتية في المنطقة.

وكما دافعت النساء والشباب عن المنطقة ضد هجمات داعش وغيرها من والمجموعات المرتزقة، فإنهم اليوم أمام المسؤولية نفسه في الدفاع عن المبادئ الديمقراطية وتعزيزها وفي تطوير الحماية الذاتية ضد الهجمات.

بدون طليعة هاتين الطبقتين لا يمكن حماية المجتمع. وفي الحقيقة كانت هاتان الفئتان هما الأكثر استهدافًا خلال الهجمات على المنطقة؛ لأن قوى المعارضة رأت دور هذه الفئات الديناميكية في تطوير والحفاظ على النهج الديمقراطي للإدارة الذاتية. إذا يجب على النساء والشباب من الآن فصاعدًا أن يلعبوا دورًا فعالًا في التوعية الاجتماعية والتنظيم. وإذا لزم الأمر؛ يجب عليهم دخول كل منزل على حدة والقيام بأنشطة توعوية. ويجب ألا يستخف أي فرد بدوره، وألا ينسحب من النضال؛ لأننا نعلم أن أكثر ما تخشاه القوى المهيمنة هو مجتمع واعٍ ومنظم.

الخلاصة

الأمر الواضح هو أن الهجمات الداخلية والخارجية تسعى إلى سلبنا المكاسب التي حققناها عبر تقديم الكثير من التضحيات. المتآمرون يهاجمون ليس لأنهم أقوياء تمامًا، ولكن بسبب خوفهم الكبير من المجتمع المنظم والواعي.

لأننا ننظم أنفسنا على أساس الكومينات والمجالس وقوات الحماية الجوهرية؛ فإن مسؤوليتنا الفردية والاجتماعية تفرض علينا أن ندرك أن جميع الهجمات سوف تفشل، وأن نحدد دورنا ومهامنا.  

وطالما واصلنا تنظيم أنفسنا؛ فإنهم سوف يتضاءلون ويهزمون وفي النهاية. سوف يدخلون التاريخ كمهزومين.

(ك)