عصر الانتصار - الهزيمة والفوضى في أفغانستان

عصر الانتصار - الهزيمة والفوضى في أفغانستان
الأربعاء 25 آب, 2021   21:10

زنار يلدز

تنطوي الحربان العالميتان، الأولى والثانية، على ما يكفي من الدروس التي يمكن أن تتعلم منها الهيمنة الرأسمالية، وقد أثبتت النتائج العامة التي ظهرت في كلتا الحربين أنه لا منتصر ولا مهزوم في حروب التقسيم. فالقوى المهيمنة بشكل خاص تسعى وتهدف إلى جعل النظام الرأسمالي نظامًا عالميًّا والسيطرة على جغرافية العالم بأكملها.

نظام موحد ضد الشيوعية

 خلال الحرب العالمية الأولى، حدثت ثورة في روسيا ضد القيصر بقيادة الطبقة العاملة، ومع هذه الثورة؛ تصاعدت المساعي المناهضة للنظام الرأسمالي في العالم، وبعد الحرب العالمية الثانية بلغت مساحة جغرافية الاتحاد السوفيتي 22.402.200 كيلومترًا مربعًا، وأصبحت أكبر دولة في العالم، وعلى الرغم من جميع العيوب والنواقص، فقد أثبتت للنظام الرأسمالي إنه من الممكن بناء نظام خارج النظام الرأسمالي.   

وبناء عليه، وبعد الحرب العالمية الثانية، شرعت جميع القوى المعروفة بالدول المنتصرة أو المهزومة في السعي لتحقيق بنية موحدة للحداثة الرأسمالية. وبين عامي 1948 و 1951 ، خصصت خطة مارشال 12 مليار و 731 مليون دولار لإعادة إعمار الدول المهزومة، وأعلن مبدأ ترومان أن الشيوعية عدو مشترك ودعا كل قوى الحداثة الرأسمالية إلى الاتحاد ضد هذا العدو. كما تمت مطالبة أوروبا ببناء الوحدة فيما بينها ومنع انتشار الشيوعية، وفي النهاية تم الإعلان عن تأسيس الأمم المتحدة بمبادرة من روزفلت بتاريخ 25 حزيران عام 1945. ومن خلال هذه الجهود، تبوأت الولايات المتحدة قيادة الهيمنة الرأسمالية.

مع هذه التطورات أصبح من الواضح أن النظام الرأسمالي قد غير طريقة التعامل مع الصراعات الداخلية، ولم تعد الرأسمالية تضع تضارب المصالح الداخلية في صلب نظامها، وبدلًا من ذلك، سيعتبر احتواء القوى التي بقيت خارج النظام هو صلب الصراع. الحرب الرئيسة ليست صراعات المصالح الداخلية، بل تدور بين النظام الرأسمالي المهيمن والقوى المتبقية خارج هذا النظام، وهكذا فإن جدلية الانتصار وهزيمة الهيمنة الرأسمالية في يومنا هذا مبنية على الصراع الثاني الذي ذكرناه.

في خضم صراع المصالح الداخلية، لا يكون المقياس هو النجاح أو الفشل، بل المقياس والمعيار سيكون؛ إلى أي مدى تمكن نظام الحداثة الرأسمالية من التمدد والاستمرار؟ والقوى الداخلية ضمن النظام التي يمكن أن تمثل هذا النظام، ومدى قدرة هذه القوى على نشره وديمونته، هي القوى المؤهلة لقيادته. بهذا المعنى، وعلى الرغم من أن التسمية ليست مهمة، ولكن على سبيل المثال؛ بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، أعلن الرئيس الأمريكي أن روسيا والصين أعداء رئيسيون، وأراد أن يجمع كل المراكز الرأسمالية حوله في إطار هذا التوجه. إنه صراع على القيادة الداخلية، ومهما يكون الفائز في هذا الصراع؛ فإن المهم هو الحفاظ على النظام. ولكن بقدر استطاعتهم ونجاحهم في تحييد القوى خارج النظام، والحفاظ على ديمومة النظام الرأسمالي، فإن المنتصر سيكون نظام الحداثة الرأسمالية. ولكن المهم هنا هو هل ستستلم الولايات المتحدة الأمريكية أو روسيا القيادة.  

  ما أهمية هذا الصراع بالنسبة للقوى المناهضة للنظام؟

بصفتنا نمثل قوى الحضارة الديمقراطية المناهضة لهذا النظام، إذا كانت لدينا مساعٍ لبناء الحداثة الديمقراطية، فيجب أن نفهم ونعرف القوى التي نحاربها؛ وإلا فإننا سوف نتحول إلى أداة بأيديهم في خضم حربهم الداخلية. بهذا المعنى، فإن خطاب جو بايدن بعد الانتخابات الأمريكية، والذي توجه به إلى قوى الحضارة الديمقراطية مثل الأعراق والطوائف والمضطهدين والمهمشين والنساء والشباب، قد حدد وجهة الصراعات الداخلية. وفي هذه المرحلة، تريد الولايات المتحدة جذب القوى المتبقية خارج النظام وتقوية يدها ضد روسيا والصين. وتريد أن تفعل ذلك بطرق مرنة وبدون حرب.

في وقتنا الراهن؛ فإن المنطقة الأكثر مقاومة لنظام الحداثة الرأسمالية في العالم ولديها ديناميكيات ديمقراطية داخلية قوية، هي منطقة الشرق الأوسط. فهي تحافظ على نفسها ضد الحداثة الرأسمالية، بكل مكوناتها العرقية والعقائدية، والشباب والنساء، وتقاوم قوى السلطة على الصعيدين المحلي والعالمي. وهذا يعني أن الشرق الأوسط سيكون خلال المرحلة المقبلة، هدفًا لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة الجديدة، والساعية إلى احتواء القوى خارج النظام، والتطورات المتسارعة في أفغانستان خلال الأشهر الأخيرة المنصرمة تعبّر بشكل واضح عن هذا التوجه.

أفغانستان مقبرة الامبراطوريات

استخدم أحد مراكز الدعاية للحداثة الرأسمالية مصطلح "مقبرة الإمبراطوريات" في توصيف أفغانستان. من المهم أن يقرأ المرء الحملات التي تستهدف العقول، بشكل صائب، وتفسير هذا التوصيف بشكل صحيح.  

منذ بداية الحضارة المركزية وحتى الآن، كانت أفغانستان ميدانًا للدفاع عن المكونات العرقية والدينية التي لم تندمج مع الحداثة المركزية، في المنطقة الواقعة بين الشرق الأوسط والشرق الأقصى.

البعد عن المركزين الرئيسين والموقع الجغرافي لأفغانستان ساهم في لعب هذا الدور. لذلك أصبحت هدفًا دائمًا للهجمات من قبل قوى الحضارة المركزية. لقد سعت الإمبراطورية الميدية والبارسية، والإسكندر، والصين، وروسيا، وتقريبًا معظم الامبراطوريات، أن تبسط سيطرتها على هذه المنطقة، لكن الديناميكيات المناهضة للحضارة المركزية في هذه المنطقة حافظت دائمًا على وجودها. لذلك لم تقع أفغانستان بالكامل في يد أي إمبراطورية.

هُزمت الولايات المتحدة ضد الحضارة الديمقراطية

هذا التوصيف يمكن إسقاطه أيضًا على وضع القوة الإمبريالية المهيمنة في يومنا الراهن والمتمثلة بالولايات المتحدة الأميركية.

على مدى عشرين عامًا، أي منذ عام 2001 ، عجزت الولايات المتحدة عن بسط سيطرتها على أفغانستان، لا مع حلفائها ولا مع القوات التي بنتها واستخدمتها ضد السوفييت، والتي انقلبت عليها فيما بعد. الذين يقاومون الهيمنة الأمريكية في أفغانستان ليسوا الحلفاء الجدد أو القدماء للحداثة، بل إنها ديناميكيات الحضارة الديمقراطية. بهذا المعنى، إذا تحدثنا عن الهزيمة، فإن الولايات المتحدة قد هزمت في مواجهة الحضارة الديمقراطية.

أما طالبان الذين يقولون إنها انتصرت على الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الجميع بات يكتب منذ الشهر المنصرم، إن طالبان ليس لديها أية قوة عسكرية أو اجتماعية أو سياسية. ومن المعلوم أن سيطرة طالبان على أفغانستان تمت بموجب اتفاقية وقعت مع الولايات المتحدة وبمصادقة وموافقة جميع مراكز الهيمنة الرأسمالية (أوروبا وروسيا والمراكز الرئيسة للقوة الإقليمية والعالمية). واليوم يواصل الذين صادقوا على الاتفاقية الترويج لطالبان قائلين: "لقد تطورت طالبان كثيرًا، وتغيرت كثيرًا، وأصبحت عصرية جدًّا" ومن خلال تلك الدعاية فإنهم يعلنون بأنهم تمكنوا من احتواء طالبان داخل نظامهم. وعليه، إذا قلنا إن طالبان التي استسلمت ودخلت إلى نظامهم، قد انتصرت في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، فمن سنخدم؟

ومن جهة أخرى، لم تستطع القوات الأمريكية في أفغانستان الانتقام من طالبان والقوى التي تحالفت مع القاعدة وداعش، وقال بايدن على الفور "دعهم يقاتلون بأنفسهم".

كفاح حقيقي من أجل استراتيجيات وتحالفات جديدة

هذا الأمر يعتبر رسالة من قبل الولايات المتحدة إلى القوى التي ستقاوم ضدها في الشرق الأوسط من الآن فصاعدًا. فمن جهة ستعمل على احتواء السلطات المحلية المناهضة له، وتعزز سلطتها في سباق الزعامة مع روسيا والصين، ومن جهة أخرى، ستعمل على خوض مرحلة جديدة من الهجمات بمساعدة تلك السلطات المحلية، ضد القوى المقاومة في المنطقة، والهدف الرئيس لتلك الهجمات هو أيضًا قوى الحضارة الديمقراطية.

وبناء عليه؛ يجب على قوى الحضارة الديمقراطية أن تقرأ بشكل صحيح التطورات في أفغانستان وأن تراجع أنظمة دفاعها وتحالفاتها ضد مراكز الحضارة الرأسمالية. فمن ناحية، أصبح من المثبت أنه إذا تم تبني استراتيجية صحيحة صائبة؛ فإن قوة مثل الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا قد تفشل وتتراجع في مواجهة قوى الحضارة الديمقراطية،  ومن ناحية أخرى، ظهرت المزيد من الفرص للشرق الأوسط لتحقيق تحالفات جديدة والتحول إلى مركز رئيس للحضارة الديمقراطية، وعليه يجب اتباع استراتيجيات وتحالفات صائبة في المرحلة القادمة.  

(ك)

ANHA