طالبان تحكم أفغانستان مجدداً.. سيناريو مبرمج ومسرحية لم تنتهي فصولها

تتجه الأنظار إلى أفغانستان التي أحكمت حركة طالبان السيطرة عليها بعد 20 عاماً من الحرب مع الولايات المتحدة الأميركية. فإلى أين تتجه التطورات وما هي تداعيات ذلك على العالم؟

طالبان تحكم أفغانستان مجدداً.. سيناريو مبرمج ومسرحية لم تنتهي فصولها
السبت 21 آب, 2021   01:12
مركز الأخبار – يحيى الحبيب

فرضت حركة طالبان سيطرة كاملة على العاصمة الأفغانية كابل بعد 20 عاماً من إطاحة القوات الأميركية بحكم الحركة. ففي عام 2001، أجبر الناتو بقيادة واشنطن، حركة طالبان على الخروج من كابول في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول على نيويورك وواشنطن.

نشأة الحركة

وظهرت حركة طالبان في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، شمالي باكستان، عقب انسحاب قوات الاتحاد السوفيتي السابق من أفغانستان. وبرز نجم طالبان، وأكثر عناصرها من الباشتون، في أفغانستان في خريف عام 1994.

وتوجه الاتهامات دوماً لباكستان بأنها هي من أنشأت حركة طالبان حيث أن العديد من الأفغان، الذين انضموا في بادئ الأمر إلى صفوف الحركة، تلقوا تعليماً في المعاهد الدينية في باكستان، وهذا ما تنفيه باكستان.

وكانت باكستان أيضاً واحدة من ثلاث دول فقط، بالإضافة إلى السعودية والإمارات، اعترفت بطالبان حينما وصلت للسلطة في أفغانستان في منتصف التسعينيات وحتى عام 2001، وكانت باكستان آخر دولة تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع طالبان.

وأصبحت حركة طالبان في دائرة الاهتمام العالمي عقب هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001 على مركز التجارة العالمي في الولايات المتحدة.

واتهمت الحركة بتوفير ملاذ آمن في أفغانستان لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وأعضاء التنظيم الذين اتهموا بالمسؤولية عن هذه الهجمات.

وبعد فترة قصيرة من هجمات سبتمبر، أطاح الناتو بقيادة الولايات المتحدة بحكم طالبان في أفغانستان، لكن لم يتم اعتقال زعيم الحركة الملا محمد عمر.

نتائج مفاوضات الدوحة

وبعد حوالي 19 عاماً من التدخل، وافقت الولايات المتحدة خلال مفاوضات الدوحة عام 2020 على سحب ما تبقى من قواتها من أفغانستان، وقالت طالبان إنها لن تسمح للقاعدة أو أي جماعة متطرفة أخرى بالعمل في المناطق التي تسيطر عليها.

كما ذُكر أنه سيتم تبادل 5 آلاف سجين من طالبان مقابل 1000 أسير من قوات الأمن الأفغانية، وسيتم رفع العقوبات ضد الجماعة الإسلامية المتشددة.

وشمل الاتفاق الولايات المتحدة وطالبان فقط، إذ كانت الخطة هي أن تتفاوض طالبان مع الحكومة الأفغانية بعد ذلك لتحديد كيف ومن سيحكم البلاد في المستقبل.

ولكن ما أن جاء جو بايدن إلى السلطة، حتى أمر القوات بالخروج من أفغانستان وحدد مهلة نهائية حتى 31 آب/أغسطس الجاري، وما أن بدأ الانسحاب بدأت طالبان بالسيطرة على الولايات الأفغانية الواحدة تلو الأخرى حتى سيطرت على العاصمة كابول في مدة قياسية (11 يوماً) فقط.

وفي هذا السياق قال المحلل السياسي والباحث في العلاقات الدولية، طارق وهبي: "سيطرة طالبان على مفاصل الحكم ليس بالانقلاب بل بالانقضاض المنسق أولاً مع القيادات العسكرية والأمنية الافغانية وثانياً وغير مباشر مع الجهاز المخابراتي الأميركي الذي كان موجوداً في مفاوضات الدوحة (قطر). لا يسعنا إلا أن نقول إن ما حصل مسرحية هزلية ونتائجها سلبية على جميع الصُعُد وهذا ليس تنبأً".

سيناريو مبرمج

وحول موقف الولايات المتحدة من التطورات الأخيرة قال وهبي: "الولايات المتحدة الأميركية منذ العام ٢٠١٩ يوم قرر الرئيس ترامب الخروج من افغانستان وانبرت دولة قطر كمركز للحوار بين أميركا وطالبان، أصبح هدف أميركا الخروج بأقل الأضرار بعد حملة عشواء من ٢٠ عام قامت فيها بضرب كل قواعد الإرهاب المحلي الافغاني كما أرضية تنظيم القاعدة الذي كان هو شرارة الهجوم على أفغانستان. لكن ما يحصل الآن هو شبه مبرمج باتفاق الدوحة والدلالة على ذلك الخط الجوي للقوات الأميركية سيظل مفتوح رغم سيطرة طالبان على البلاد".

باكستان أول المهنئين

وعن دور باكستان في سيطرة طالبان وموقفها أشار وهبي إلى أن "باكستان وبلسان أحد أهم القادة للحزب الحاكم الحالي هنأ طالبان بالوصول إلى سدة الحكم، وهذا يدفعنا بالقول إن الدور المزدوج الذي لعبته ولا تزال تلعبه من جهة رقابة الحدود الباكستانية الافغانية وقاعدة خلفية للتحضير لهذه السيطرة الخاطفة على السلطة".

وأوضح أن "باكستان تريد عودة دورها الاقليمي كقوة نووية ولاعب مهم في عملية الامان والامن في هذه المنطقة".

التداعيات على روسيا وإيران والصين

ويعتبر مجتمع الخبراء، أن لسيطرة طالبان تداعيات على إيران وروسيا والصين، وفي هذا السياق رأى وهبي أن "إيران ترى إن ما يحصل هو نصر مهم على الولايات المتحدة وهذا يقوي بالداخل عنصر الحقد الدفين لأميركا ولكنها تخشى أن تقوم أميركا بدفع لأفغانستان لحرب اقليمية بشعار طائفي (سني - شيعي). ولذلك ستكون حذرة من موجة اللاجئين الذين ستبدأ بالنزوح في الأشهر المقبلة".

وأضاف: "روسيا القابعة في طاجكستان والتي تبني قاعدة عسكرية متطورة توازي قاعدة الناتو -انجرليك في تركيا لمراقبة المنطقة، ترى ما يحصل بمثابة عقاب لأميركا ولا تقارنه بما حصل بها منذ أكثر من ٣٠ عام يوم خرج السوفييت من افغانستان دون أي اتفاق مسبق مع حركة طالبان. لكن روسيا تخشى أن يكون لنصر طالبان ارتدادات على تيارات متشابهة في الدول المحيطة لروسيا ويقوي عزيمة بعض هذه التيارات للقيام بعمليات أمنية ضد الحضور الروسي".

أما الصين فيرى أنها "تبحث عن استقرار طريق الحرير وهي لا تريد أن تدخل مع باكستان أو غيرها بأي سباق للعمل على الحصول على عقود تجارية أو إنشائية للبنية التحتية وأهمها إعادة الاهتمام بالطرق البرية، والخدمات الأساسية، الاتصالات، الكهرباء والماء. كما وإن الخروج الأميركي يفتح لها المجال وبسهولة للحصول على ثقة طالبان لطالما العداء الصيني الأميركي فعّال".

تركيا الحدث الأهم في القصة

وحول موقف تركيا أكد أن "هي الحدث المهم في هذه القصة لأنها كانت شبه مراقب في مفاوضات الدوحة وكانت البديل الواضح لكي تحل محل القوات الأميركية أقله لحماية مطار كابول والمراكز المتقدمة لبعض القطع الأميركية التي ستبقى بعد الخروج المتوقع في ١١/٩/٢٠٢١".

وأضاف: "لكنها ستكون الممر للعبور إلى أوروبا للاجئين الأفغان الذين حكماً سيمرون فيها وهذا الذي دفع الاتحاد الأوروبي للتحذير من هذه الموجة المترقبة وأكثر من ذلك خطاب الرئيس ماكرون والذي كان يقصد في كلماته ضمناً رسالة إلى تركيا بالاستعداد لمعالجة موضوع النزوح الافغاني".

وأوضح أن "تركيا كالصين تريد حصة من إعادة الاعمار لذلك في الدوحة استطاعت أن تتعاطف مع زعماء طالبان وذلك بمساعدة السفير الأميركي زلماي زاده الذي أخذ على عاتقه فتح خط تفاهم تركي - افغاني على شرط القبول بحماية مطار كابول".

مخاطر من حرب طائفية

وعن المسار المتوقع للأحداث في أفغانستان قال وهبي: "إن كل تطمينات طالبان ليست إلا واجهة لنعرف ما هي الأهداف المعلنة وغير المعلنة للحركة، فتغير اسم الدولة إلى إمارة افغانستان الاسلامية والعلم الأفغاني لا يطمئن على الصعيد الدولي فكل التطمينات حول حرية الانسان والمرأة ليست إلا استهلاك يريد الغرب أن يسمعه".

وأضاف: "طالبان هي حركة عنكبوتية الظاهر منها قليل والمخفي كثير، برأيي افغانستان ستدخل بسُبات اقله لمدة ثلاث سنوات لكي نصل إلى تصفيات داخلية في الحركة لنصل إلى الخط الواحد الذي يصبح الحزب الواحد ولكن المعارضة التي يترأسها ابن مسعود شاه ستمول من قبل عدد من الدول التي تريد من جديد اضمحلال حركة طالبان".

وحذر قائلًا: "إنني أخشى أن تستعمل افغانستان لفتح حرب طائفية بين السنة والشيعة مع إيران وهكذا سيتم اضعاف جميع الاطراف وتمويلهم بالذخائر وهكذا يبعد شبح الإرهاب على الغرب".

مسرحية لم تنتهي فصولها

وحول تأثير ذلك على المنطقة قال وهبي: "المنطقة بحاجة للاستقرار والانتظام وما حصل هو خارج هذا الإطار بل من جديد بؤرة سيتوجه إليها كل الذين يعتقدون أن الجهاد لم ينته وهو سائر من جديد".

واختتم المحلل والباحث طارق وهبي حديثه قائلًا: "الاستقطاب الأفغاني سيكون حديث السنوات القادمة إلا إذا حصل الغرب على معلومات استخبارية تضعه في خطر ويتم تجهيز حملة من جديد للسيطرة على افغانستان وهذا أشك به ولكنه احتمال مع ضغط المواطنين في الغرب لمساءلة القادة السياسيين كيف حصل هذا الخروج العشوائي والتقهقر الداخلي للقوات الافغانية. المسرحية الأميركية مستمرة وفصولها لم تنتهي".

(ح)

ANHA