درعا لا تغيب عن المشهد.. صراع مشاريع مرتبط باعتبارات إقليمية

لا تكاد مدينة درعا تغيب عن الساحة الإعلامية حتى تعود إليها من جديد، وعلى الرغم من الحديث المتكرر عن التوصل لاتفاقات، إلا أن التصعيد يعود مجددًا، وبينما تسعى روسيا لاستدامة الاتفاقات السابقة، إلا أن قوات حكومة دمشق مدعومة من إيران تعمل على فرض سيطرتها الكاملة على المنطقة. فماذا يجري في الجنوب السوري؟

درعا لا تغيب عن المشهد.. صراع مشاريع مرتبط باعتبارات إقليمية
السبت 31 تموز, 2021   06:49
مركز الأخبار - شيماء علي - كيفارا شيخ نور

وتصاعدت مؤخرًا وتيرة الأحداث في درعا، إذ بدأت قوات حكومة دمشق بحملة عسكرية على درعا البلد في مسعى منها لنزع أسلحة المسلحين المحليين المتصالحين مع روسيا.

وأدت الحملة العسكرية على درعا البلد إلى هجوم المسلحين المحليين على عدد من حواجز قوات حكومة دمشق في ريفي المحافظة الغربي والشرقي، وسيطروا على عدد منها.

وبعد التصعيد وارتفاع أعداد القتلى من جميع الأطراف جرت مفاوضات يوم الخميس في الملعب البلدي بدرعا، بين قيادات أمنية وضباط في الفرقة الرابعة التابعة لحكومة دمشق مع ممثلين عن أهالي حوران واللجنة المركزية في درعا، بإشراف روسي، ولم ترد معلومات عن نتائج هذه المفاوضات.

وبعد تعثّر المفاوضات القديمة وفشل التوصل إلى تسوية بين حكومة دمشق ومسلحين محليين عقب مطالبة ضابط من حكومة دمشق بتسليم أو تهجير 15 شخصًا إلى الشمال السوري يعيشون حاليًّا في حي درعا البلد، تفجرت الأوضاع في درعا بشكل مفاجئ.

الدماء تعود إلى الجنوب

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد أحصى، مقتل 11 مدنيًّا جراء قصف حكومة دمشق على المنطقة، فيما قتل 9 من الفصائل المسلحة، أما من قوات حكومة دمشق فقتل 8 عناصر، ويذكر أن عدد القتلى مرشح للارتفاع لوجود جرحى بعضهم في حالات خطرة.

وبحسب المرصد، فقد سيطر المسلحون على 18 حاجزًا أمنيًّا، وأن 11 منطقة شرق درعا باتت خالية من أي وجود لقوات حكومة دمشق والأجهزة الأمنية التابعة لها، إضافة إلى أسر أكثر من 40 عنصرًا من قوات الحكومة.

درعا محاصرة منذ ما يقارب الشهر

وتفرض قوات حكومة دمشق، التي تحاول نسف الاتفاق السابق الذي جرى التوصل إليه عام 2018 وتضمن سحب الأسلحة الثقيلة من المسلحين المحليين وفرض اتفاق جديد يقضي بسحب جميع الأسلحة من درعا بما فيها الخفيفة، حصارًا خانقًا على أنحاء في درعا، منذ نهاية حزيران الماضي.

وحاصرت قوات الحكومة في 24 حزيران أحياء درعا البلد، عبر إغلاق الطرق التي تربط هذه الأحياء بمدينة درعا، بعد أن رفض الأهالي طلب الشرطة العسكرية الروسية بتسليم 200 قطعة سلاح فردية صغيرة، بالإضافة إلى 20 رشاشًا آليًّا من طراز BKC.

وفي 25 حزيزان شهدت أجواء درعا تحليقًا مكثفًا للطيران الحربي، في سعي من قوات حكومة دمشق للضغط على أهالي درعا للرضوخ لطلباتهم.

وفي هذا الصدد، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان "إن التحليق يأتي كوسيلة ضغط على أهالي وسكان المدينة الرافضين للمطالبات الروسية بإجراء تسويات جديدة لعشرات الأشخاص وسحب سلاحهم الفردي، ونقل تسويات قيادات سابقة للفصائل إلى منطقة الدريج".

وبدوره، حذر مجلس سوريا الديمقراطية من "هذا التصعيد الخطير في ظل الأوضاع الهشة القائمة في الجنوب السوري" وأكد على ضرورة الحفاظ على أمن وسلامة السوريين في مدينة درعا، ودعا "دولة روسيا الاتحادية القيام بدورها كضامن لمصير هؤلاء المدنيين الذين فضّلوا البقاء في أحيائهم وقُراهم بدل المغادرة نحو الشمال السوري؛ بعد أن تخلّت عنهم الفصائل المسلحة وتركهم يواجهون مصيرهم بضمانة روسيا".

درعا على صفيح ساخن

وحول تسارع وتيرة الأحداث في درعا، قال المحلل السياسي نصر عبد الرزاق فروان، من أهالي درعا ويقيم في الأردن "درعا على صفيح ساخن، ولم تهدأ منذ اتفاق تموز ٢٠١٨، وهي عبارة عن ساحة صراع بين عدة أطراف وعدة قوى داخلية وإقليمية ودولية وكل طرف له أجندة في أغلب الأحيان تتناقض مع أجندة الأطراف الآخرين".

طفس ودرعا البلد ورقة بيد حكومة دمشق

وبيّن فروان أن جل المشكلة تكمن في وجود القوات الإيرانية والمجموعات التابعة لها، كما أن للتنافس الروسي الإيراني أيضًا دور في ذلك.

وتابع "في الأصل روسيا والنظام حسب اتفاق ٢٠١٨ أبقوا منطقتين محررتين، وهما طفس ودرعا البلد، وذلك من أجل إيهام العالم أن في الجنوب بؤر إرهابية ويتم استخدام هذه الورقة متى لزم الأمر، والآن تم استخدام هذه الورقة كبالون اختبار لما يحدث في الجنوب".

درعا تفاجئ حكومة دمشق

وعن تفاجؤ حكومة دمشق بتصاعد الاشتباكات في كامل درعا، يقول فروان "إن النظام أخطأ في حساباته أي لم يكن يتصور أن حوران ستتحرك بكاملها لنصرة درعا البلد، ومن المعروف أن قواته حاليًّا لا تستطيع أن تغطي وتدافع عن كامل حوران. النظام حاليًّا في ورطة كبيرة، والذي حدث أن الاشتباكات وقعت إثر محاولة قوات النظام التقدم إلى حي طريق السد ومخيم درعا، بعد قصفها أحياء درعا البلد، الخاضعة لتسوية بين روسيا والأهالي".

وأوضح فروان أن الاشتباكات تزامنت مع اجتماعات برعاية روسية، بين وفد من أهالي درعا وحكومة دمشق، من أجل التوصل إلى تسوية وإنهاء التوتر في درعا.

إلى جانب ذلك، قال فروان أن قوات حكومة دمشق كانت قد فرضت حصارًا على منطقة درعا البلد، وسعت إلى اقتحامها وإقامة حواجز عسكرية بين الأحياء، عقب رفض الأهالي المشاركة في الانتخابات الرئاسية وخروج مظاهرات رافضة لها.

وطالبت عشائر درعا البلد -جنوب سوريا- بإجلاء نحو 50 ألف مدني من أبنائها، في ظل محاولات قوات حكومة دمشق جر المنطقة إلى الحرب، وقال زعماء العشائر إنهم على استعداد لتسليم درعا البلد خالية من سكانها، حقنًا للدماء.

وجاء هذا في بيان تلاه ممثل عن هذه العشائر، أكد أنهم التزموا بالاتفاق المبرم مع حكومة دمشق، إلا أن الأخير لجأ إلى التصعيد، ويسعى إلى اقتحام المدينة بعد فرض الحصار عليها.

فشل المفاوضات

وفشلت جولة من المفاوضات بعد مطالبة ضابط من قوات حكومة دمشق بتسليم أو تهجير 15 شخصًا إلى الشمال السوري يعيشون حاليًّا في حي درعا البلد.

وعن فشل المفاوضات، قال فروان "كان واضحًا من خلال سير المفاوضات أن قوات النظام السوري لا تسعى إلى حل سلمي، بل تضع العراقيل لاقتحام حي درعا البلد وهدمه فوق رؤوس ساكنيه".

إدارة ذاتية

وأدّت طبيعة العملية التي قادتها روسيا إلى منع استعادة سيطرة حكومة دمشق الكاملة على الجنوب السوري، وتحولت شيئًا فشيئًا إلى نوع من "الإدارة الذاتية"، وهو الأمر التي تخشاه دمشق وحليفتها طهران.

ويشير فروان خلال حديثه إلى حتمية وجود ارتباط وثيق بين ما يحدث في درعا وبين التحركات في السويداء بشكل عام وكل طرف له هدف مما يحصل في الجنوب، ويعتقد أن الأمور تسير باتجاه إخراج إيران من الجنوب والعمل على إقامة الإدارة الذاتية.

والنزاع السوري الذي انطلق من مدينة درعا كان له دور في تحويل المنطقة الجنوبية من البلاد إلى ساحة صراع إقليمي. وفي خضم هذا النزاع (الروسي الايراني الاسرائيلي الخليجي)، كان لوقف إطلاق النار في درعا (المتاخمة للجولان المحتل والأردن وإسرائيل) والتي عملت عليه روسيا وبدعم من إسرائيل والأردن (من خلفهم الولايات المتحدة) دور كبير في إبعاد شبح الحرب الإقليمية هناك وخاصة بين (إيران وإسرائيل).

ويقول فروان في هذا الصدد "السياسات المحلية في محافظة درعا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باعتبارات إقليمية ولاعبين خارجيين".

توقعات ببقاء درعا ملتهبة

وتوقع المحلل السياسي نصر عبد الرزاق فروان، في ختام حديثه، أن يبقى الجنوب منطقة ملتهبة لسنوات طويلة، وقال "سيكون مصيره رهنًا بالسياسات الإقليمية لا بإرادة الحكومة السورية".

ولفت فروان إلى الكم الهائل والعدد الكبير من المجموعات الموالية لحكومة دمشق والتي تشارك في الهجمات على درعا، وقال "هناك الفرقة الرابعة الفوج 555 منهم فوج الغيث وفوج البرق، الفرقة 15 قوات خاصة والفوج 404 و405 والفوج 44 والفوج 217، الفرقة الخامسة فوج المغاوير، مجموعات من حزب الله اللبناني، المخابرات العسكرية والجوية، الفرقة التاسعة، اللواء 34 منطقة المسمية، اللواء 43 منطقة الصنمين، اللواء 52 قرب الحراك، قائد العمليات هو العميد غياث دلا قائد فوج الغيث".

روسيا لا تريد التصعيد

وتحاول موسكو أن تكون اللاعب الأكثر تأثيرًا على المشهد السوري، ولذلك سعت إلى عدم استفزاز الأطراف الاقليمية المتدخلة في الشأن السوري، بغض النظر عن رؤية الأطراف الأخرى.

وعن موقفها من تصاعد الأحداث في درعا يقول كبير الباحثين في معهد نيولاينز الأميركي نيكولاس هيراس عبر تغريدة له على تويتر "آخر ما تريد رؤيته روسيا هو عودة التمرد في درعا، لأنه ومن المفترض أن تعمل روسيا على تحقيق الاستقرار في جنوب سورية عبر تشكيل لجان مشتركة مع المعارضة، بهدف وقف إطلاق النار، وإخراج إيران من المناطق الحدودية المحاذية لإسرائيل".

إيران مستفيدة

وتسعى حكومة دمشق منذ فترة إلى إعادة سيطرتها على الكثير من المناطق التي خسرتها وخاصة بعد فوز بشار الأسد بولاية دستورية جديدة مدتها سبع سنوات، ولكن يتحدث الخبراء أن لا مصلحة لموسكو حيال ذلك، وأن المستفيد من هذا التصعيد الإيرانيون.

وتعليقًا على هذا الأمر، يقول الكاتب والباحث الروسي كيريل سيمينوف في تصريح خاص لوكالتنا "من الواضح أن العملية شنها نظام الأسد لتطهير جميع المناطق التي لا تزال تحت سيطرة المعارضة المتصالحة. إن وجود معارضة متصالحة يمنع دمشق من بسط سيطرتها الكاملة على المنطقة، لذا ستستمر في الضغط على مناطق خارجة عن سيطرتها".

وأضاف سيمينوف "حتى الآن لا تؤثر هذه العمليات على مناطق سيطرة اللواء الثامن من الفيلق الخامس الذي أنشأته روسيا من مقاتلي المعارضة المتصالحة. لكن لا يمكن استبعاد أن تطالب دمشق في المرحلة المقبلة بحلها ونقل مناطقها الخاضعة لسيطرتها".

وعن دور طهران في تحريض حكومة دمشق على مهاجمة درعا، يعتقد سيمينوف أن "مواقف النظام وإيران تتطابق تمامًا، أي لا داعي لدفعها. لكنه بالطبع هي أمر مفيد لإيران".

مفاوضات مستمرة ونزوح المدنيين

وما زال التوتر الأمني مستمرًّا في محافظة درعا، تزامنًا مع انعقاد جلسات المفاوضات بين قوات حكومة دمشق واللجنة المركزية في حوران، وسط معلومات عن التوصل إلى صيغة حل سلمي برعاية روسية خلال الساعات القادمة.

وتتزامن هذه المعلومات مع استمرار استقدام قوات حكومة دمشق لتعزيزات عسكرية إلى حواجز مدينة جاسم، بالإضافة إلى تعزيزات بأسلحة ثقيلة من بينها دبابات إلى حاجز السهم وحاجز الجابية في ريف درعا. وكذلك نزوح أكثر من 10 آلاف شخص من مناطق درعا البلد والسد والمخيم في مدينة درعا، بحثًا عن أماكن أكثر أمنًا، وهربًا من هجمات قوات الحكومة على مناطقهم، حيث نزح معظمهم إلى أحياء درعا المحطة، وسط صعوبة التنقل بين المناطق وإطباق قوات الحكومة حصارها على البلدات والقرى.

(ح)

ANHA