صمت حكومتي العراق وباشور كردستان عن الاحتلال... الأسباب والتداعيات

يهدد هجوم الاحتلال التركي على باشور كردستان السلم الأهلي والإقليمي وسط غياب موقف واضح من حكومتي العراق وباشور كردستان، ما أفسح المجال أمام احتلال تركي جديد لباشور كردستان وأجزاء أخرى من الأراضي العراقية.

صمت حكومتي العراق وباشور كردستان عن الاحتلال... الأسباب والتداعيات
السبت 22 مايو, 2021   01:01
مركز الأخبار – أحمد محمد

في الـ 14 من كانون الأول عام 2015، وفي معرض رد الحكومة العراقية على هجمات جيش الاحتلال التركي على أراضيها، قدم ممثل العراق الدائم لدى الأمم المتحدة، محمد علي الحكيم، مذكرة إلى مجلس الأمن، طالب فيها المجلس بالتدخل ودفع تركيا إلى سحب قواتها دون شروط إلى الحدود الدولية بين البلدين المعترف بها دوليًّا".

وشددت الحكومة العراقية في مذكرتها على عدم عودة تركيا لخرق سيادة الأراضي العراقية، معتبرة أنها تهديد كبير للسلم الإقليمي والدولي.

واعتبرت الحكومة العراقية في جلسة مجلس الأمن أن التوغل العسكري التركي خرق خطير لسيادة العراق ومبادئ القانون الدولي الخاصة بحسن الجوار وعدم تدخل أي دولة في شؤون الدولة المجاورة الداخلية بناءً على ما جاء في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.

وتنص هذه المادة على "منع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".

'سعي عراقي'

وحول ضرورة سحب تركيا قواتها وعدم الاعتداء على الأراضي العراقية، حصلت العراق على تأييد الجامعة العربية، ومجلس وزراء خارجية الدول العربية.

وفي المسعى نفسه، صوّت كامل البرلمان العراقي عام 2016، على قرار يدين وجود القوات التركية على الأراضي العراقية واعتبرها قوة احتلال، داعيًا الحكومة العراقية إلى اتخاذ الإجراءات للحفاظ على سيادة العراق ومفاتحة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجامعة العربية مجددًا من أجل إخراج القوات التركية من شمال العراق.

وعلى الرغم من التأييد الكبير الذي حظي به العراق من الدول العربية، وإصراره في مجلس الأمن على التحرك لإخراج جيش الاحتلال التركي من الأراضي العراقية، آنذاك لم يلبِ المجلس دعوة الحكومة العراقية، ولم يحترم قرارات البرلمان العراقي والجامعة العربية، لتحويل المذكرة إلى قرار أممي.

وأفسح عدم تجديد العراق للموقف الذي اتخذه خلال عامي 2015 و2016 حيال الانتهاكات التركية لسيادته، المجال أمام تركيا في استمرار تواجدها على الأراضي العراقية وشن هجماتها الأخيرة.

'أطماع تركية وإيرانية'

المحلل السياسي والمهندس الاستشاري، نهاد قاضي، علّق على ذلك، بالقول: "إن تركيا قامت بزيادة القواعد التركية وزادت احتلالها لجبال إقليم كردستان العراق، وجنوب كردستان الكبرى، وتطمع بكل قياداتها إلى تحقيق حلم إعادة ولاية الموصل إلى تركيا وهذا يعني جزء كبير من إقليم كردستان بالإضافة إلى كركوك".

وأضاف "وضع الحكومة العراقية غير مستقر أو بالأحرى لا توجد هناك دولة عراقية، بل هناك هيمنة إيرانية إقليمية وحكومة ظل مسيطرة على الوضع من خلال ميليشيات عراقية إيرانية مسلحة، هذه الأطراف لها مصالح مع تركيا وخاصة في العراق وسوريا ولبنان، لذلك ترى الحكومة العراقية غير معترضة على وجود قواعد عسكرية للجندرمة التركية على أراضيها".

ولفت قاضي إلى أن الاحتلال التركي - ومعه إيران- لا يكتفي بالتدخل الفاضح في العراق وإقليم كردستان عسكريًّا وأمنيًّا، وقال: "اليوم يحاولون بكل الطرق تجفيف العراق، وخلق مبدأ (برميل من الماء مقابل برميل من النفط)، لذلك نرى أن تركيا أغلقت سدودها ومنعت عبور مياه دجلة والفرات، وإيران هي الأخرى منعت تدفق المياه إلى نهر سيروان وسد دربندي خان". 

'محاربة العمال الكردستاني'

وشن جيش الاحتلال التركي مجددًا في الـ 23 من نيسان/ أبريل الفائت، هجماته على مناطق الدفاع المشروع في باشور كردستان، وبالتحديد مناطق (زاب وآفاشين ومتينا)، حيث لا تزال هذه الهجمات مستمرة، وذلك في أعقاب الهجمات التي شنتها على غاري خلال شباط المنصرم، وقبلها على حفتانين في تموز العام المنصرم.

ويعد هذا الهجوم استمرارًا للهجمات على مناطق باشور كردستان، التي يشنها جيش الاحتلال التركي على الأراضي العراقية، بذريعة محاربة حزب العمال الكردستاني PKK.

الباحثة الكردية والمحامية سروشت حلبجة، ترى هذه الهجمات احتلالًا، بقولها: "إن الهجمات التركية على باشور كردستان وخرقها لسيادة الحكومة العراقية على أراضيها، هب محاولة احتلال تركية لأجزاء وجغرافية جديدة من كردستان ومن الأراضي العراقية".

'احتلال '

وتابعت بالقول: "هجمات تركيا ليست ضد الكرد فقط، بل هي عملية احتلال جديدة للأراضي العراقية، فلدى تركيا حلم احتلال باشور وأجزاء من الأراضي العراقية وفق ما تسميه أو تطلق عليه اسم "الميثاق الملي"، كما أنها تود بهذه العملية قطع الطرق فيما بين شعوب كردستان".

وأضافت "تركيا تحاول محاصرة أجزاء من كردستان وفصلها عن باقي المناطق الكردستانية الأخرى، فالهجمات التركية مستمرة على باشور كردستان ولم تتوقف، والسياسة التركية المتبعة ضد باشور لا تستهدف حزبًا دون الآخر، إذ أن السياسة والهجوم التركي هو استهداف لكافة شعوب المنطقة، فتركيا ترغب في احتلال باشور كردستان وكذلك الموصل، وغايتها تلك واضحة".

'صمت مريب'

وفي خضم السياسة التركية الرامية إلى احتلال الأراضي العراقية وباشور كردستان، يخيم صمت مريب على المجتمع الدولي وفي مقدمته مجلس الأمن، وبشكل غير معتاد على الحكومة العراقية، إلى جانب صمت حكومة باشور كردستان.

وعن وجود أي تحركات للحد من الهجمات التركية، قالت الباحثة الكردية سروشت حلبجة: "إلى الآن حكومة باشور صامتة، والحكومة العراقية أيضًا صامتة، وأعتقد أن ذلك يعود إلى المصالح التجارية بين هذه الأطراف، وكذلك هناك صمت دولي حيال ما تتعرض له الشعوب في باشور كردستان من هجوم تركي وحشي".

وتابعت القول: "هجمات تركيا لم تكن لتأتي لولا استمرار صمت المجتمع الدولي وحكومة باشور كردستان، وتخلي حكومة العراق عن مواقفها في رفض الاحتلال التركي لأراضيها".

وأضافت "الشعب الكردستاني في باشور كردستان يرفض الاحتلال التركي، وهناك تحرك في السليمانية وشنكال وحلبجة، وغيرها، إلا أنها تحركات بسيطة، فيما يترقب الشعب الكردي موقفًا من حكوماتها (حكومة باشور كردستان)، لكن صمتها لن يقابله صمت شعبي، لأن الشعب لن يرضخ لسياسة تركيا الاحتلالية".

'أزمات داخلية'

وأرجعت الباحثة الكردية أسباب عدم تحرك العراق في وجه الهجمات التركية وخرق سيادة أراضيه، إلى أزماته الداخلية، وقالت "ما تشهده الحكومة العراقية على الصعيد الداخلي من أزمات تضعفها من أن تكون قادرة على وضع حد للهجمات التركية على أراضيها".

موضحة أن حكومة باشور كردستان أيضًا تشهد انقسامات داخلية، وبيّنت أن حصر السلطة في حزب واحد وعائلة واحدة يؤثر أيضًا بشكل سلبي على موقف الكرد وحكومة باشور كردستان وبرلمانها من الهجمات التركية الأخيرة، وإدانتها.

ومن جهته قال المحلل السياسي نهاد قاضي عن ذلك أن "حكومة العراق عاجزة عن استرداد سيادتها، أما إقليم كردستان فهو الآخر واقف مكتوف الأيادي يجامل تركيا وإيران ويحافظ على مصالح قياداته، خاسرًا بذلك شعبيته الكردستانية".

وأشار قاضي إلى أن الموقف العراقي وإقليم كردستان لم يكن بالقوة والحزم المطلوب حيال ما يحدث من غزو واضح لأراضي الإقليم والعراق وخاصة وإن هذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، ما يزيد الطين بلة.

'سيادة العراق'

ولفت قاضي إلى أن انتقاص سيادة العراق ترسّخ بعد دخول وزير الدفاع التركي الأراضي العراقية وجبال كردستان وتفقد القطعات العسكرية التركية وتكريم بعض الضباط الأتراك، دون علم حكومة إقليم كردستان والحكومة العراقية.

وقال: "هذا أيضًا فتح المجال أمام الأتراك لزيادة هجماتهم وقصف القرى الكردية المجاورة لجبل كيسته، وأجبر المواطنين الكرد وأهالي القرى المسيحية إلى ترك دورهم وحقولهم ومزارعهم عرضة لنيران القذائف التركية".

وأضاف "ما أقدمت عليه تركيا في الفترة الأخيرة عبر هجماتها يوضح أن حكومة العراق غير قادرة على إيقاف الهجوم التركي، وإن استدعاء السفير التركي ومطالبته بإيقاف الهجوم لم يكن بأسلوب يوحي إلى رفض كامل لما يجري من هجمات وانتهاك لسيادة البلاد".

'أساس قانوني'

ويفتقر التدخل العسكري لدولة الاحتلال التركية في الأرض العراقية الذي لا يزال قائمًا، إلى أساس قانوني في القانون الدولي، إذ أنه حصل بدون موافقة العراق أو دعوة منه للقوات العسكرية التركية، وعلى الرغم من ذلك تستمر هجمات جيش الاحتلال التركي، ويستمر صمت المجتمع الدولي وفي مقدمتها "مجلس الأمن" الذي سن "القانون الدولي".

وفي ظل كل هذا الصمت الدولي ومن حكومة العراق والإقليم، ناشد المحلل السياسي، نهاد قاضي، شعب العراق وكردستان والقوى الوطنية والديمقراطية المؤمنة بالقوانين الدولية واحترام حدود وسيادة الدول المجاورة، أن تنتفض وتطالب القطعات التركية بالخروج من العراق.

'سبل الضغط الشعبي'

وعن سبل ضغط الشعب الكردي والعراقي على المجتمع الدولي لحثه على التحرك، قال قاضي: "ذلك سيتم من خلال التظاهر داخل العراق والإقليم، ومن خلال كتابة مذكرات الالتماس إلى المحافل الدولية، وكذلك الضغط على الدول الكبرى من خلال التظاهرات أمام سفارات تركيا في المهجر، ودعوة حلف الناتو لأن يكون له موقف واضح من هذا الاجتياح لأن أسلحة الناتو اليوم تستعمل لقتل الأبرياء وهذا ما يعارضه الحلف.

وأضاف: "بتصوري هذا الموضوع يخص الكرد بصورة أكبر وأكثر من أن يخص قوميات أخرى، لذلك عليهم في أجزاء كردستان الكبرى الأربعة أن يتحدوا ويوقفوا هذا التعدي السافر على حدود إقليم كردستان وجباله".

ونوّه إلى أن "هذه الجبال استشهد من أجلها الكثير من بنات وأبناء كردستان ضد الأنظمة الفاشية العراقية والتركية، لا يجوز أن تسلم لدول إقليمية معروفة بأطماعها وحقدها وشوفينيتها ضد شعب كردستان"، وقال: "لتتوقف عجلة الحرب الهادفة إلى محو وإبادة الكرد في كل الدول المستعمرة لأراضي وجغرافية وتاريخ كردستان، لا وألف لا لأعمال التغيير الديمغرافي في المناطق الكردستانية".

(س ر)

ANHA