صمت المجتمع الدولي يعني شراكته في الكارثة بعد خفض مياه الفرات

تتعرض مناطق شمال وشرق سوريا لحرب بشعة، هي حرب المياه، المحرمة دوليًّا، وفق المواثيق والعهود الدولية، ويرى المراقبون أن المجتمع الدولي شريك في هذه الحرب بالتزامه الصمت، وستواجه المنطقة كارثة حقيقية مالم يتم ردع تركيا.

صمت المجتمع الدولي يعني شراكته في الكارثة بعد خفض مياه الفرات
صمت المجتمع الدولي يعني شراكته في الكارثة بعد خفض مياه الفرات
صمت المجتمع الدولي يعني شراكته في الكارثة بعد خفض مياه الفرات
صمت المجتمع الدولي يعني شراكته في الكارثة بعد خفض مياه الفرات
الجمعة 21 مايو, 2021   23:50
مركز الاخبار- أكرم بركات

لم تدخر دولة الاحتلال التركية طريقة إلا واستخدمتها ضد أبناء شمال وشرق سوريا، بدءًا من دعم المرتزقة الذي شنوا هجمات على مناطق شمال وشرق سوريا بداية عام 2012، عبر مرتزقة أحرار الشام، ومن بعدهم مرتزقة جبهة النصرة وصولًا إلى مرتزقة داعش، ومن ثم التدخل المباشر عبر جيشه لاحتلال عدّة مناطق كـ (سري كانيه وكري سبي وعفرين)، بالإضافة إلى تطبيق حصار على المنطقة عبر إغلاق كافة المعابر الحدودية كمعبر نصيبين، وكوباني، وقطع مياه محطة علوك عن أبناء مدينة الحسكة، وأخيرًا حبس مياه نهر الفرات، بهدف ضرب الإدارة الذاتية وفرض سياساتها الاحتلالية على شعب المنطقة.

ووفقًا للمؤتمر الدولي للمياه والبيئة عام 1992، فإنّ الماء عنصر حيوي لحياة الإنسان، ونشاطاته مرتبطة بشكل وثيق بتوفر المياه وجودتها.

ويُعد نهري الفرات ودجلة من الأنهار الدولية، إلا أن تركيا نقضت الاتفاقات الدولية في ثمانينيات القرن الماضي، ومارست نفاقًا سياسيًّا وادعت أنها ليست أنهار دولية، إنما هي أنهار عابرة للحدود، وأنها ملك خاص لها، وهذه الادعاءات متناقضة مع اتفاقية الأمم المتحدة بصدد المياه، لذلك تم إبرام اتفاقية عام 1987 بين تركيا وسوريا والعراق، نصت على ألا تقل نسبة سوريا من مياه نهر الفرات عن500 م3/ث.

'المياه ورقة ابتزاز تركيا ضد شمال وشرق سوريا'

ومع بداية ثورة 19 تموز بدأت تركيا بحبس مياه نهري الفرات ودجلة رويدًا رويدًا، مما أثر بشكل مباشر في حياة السكان، وسط تهرب الدول الضامنة للاتفاقات بين تركيا وسوريا من جهة، وتركيا والعراق من جهة أخرى عام 1966 و1987 من مسؤلياتها. ووُصفت هذه السياسية بحرب المياه ضد شمال وشرق سوريا، فمنذ عام 2014 وإلى أواخر عام 2020 حبست تركيا مياه نهر الفرات 13 مرة، ووصلت إلى ذروتها بداية عام 2021، وانخفضت نسبة تدفقها من 500 م3/ث إلى أقل من 200م3/ث.

بالمجمل تنص الاتفاقيتان (1966 و1987) المبرمتان بين تركيا وسوريا من جهة، والعراق وسوريا من جهة أخرى على ضرورة تلبية حاجات الدول المتفقة من مياه، ويحظر على تركيا القيام بأي إجراء أحادي الجانب يضّر دول الاتفاق، إلا أن سوريا والعراق لم تحركا ساكنًا إلى الآن رغم خطورة السياسيات التركية.

وما شجع تركيا على استخدام المياه كورقة لابتزاز سكان مناطق شمال وشرق سوريا بشكل خاص، وسوريا والعراق بشكلٍ عام، الأوضاع السياسية الحالية التي تمر بها كل من سوريا والعراق وصمت المجتمع الدولي، حيث أدى حبس تركيا لمياه نهر الفرات ودجلة إلى انخفاض منسوب المياه فيهما بشكل كبير، والذي انخفض للمرة الأولى في تاريخه أكثر من 5 أمتار، وتراجعت نسبة المياه المتدفقة إلى أقل من ربع الكمية المتفق عليها بين سوريا وتركيا والعراق. وتتعارض ممارسات تركيا بحبسها مياه نهري الفرات ودجلة مع القانون الدولي والاتفاقات الثنائية دون أي مراقبة دولية أو إقليمية.

'الحرب التركية ضد الكرد ليست عسكرية فقط'

سكرتير الحزب اليساري الكردي في سوريا محمد موسى أوضح أن تركيا هي دولة محتلة وضعت إبادة الشعب الكردي هدفًا لها، وقال: "الحرب التركية ضد الكرد ليست عسكرية فقط، بل هي حرب عسكرية واقتصادية وسياسية، وهذه الحرب مستمرة ضد إرادة الشعب الكردي، وحبس المياه إحدى السياسات التركية ضدنا".

وبيّن محمد موسى أن تركيا أدركت أن الحرب العسكرية ضد أبناء شمال وشرق غير كافية، لذلك شنت حربًا اقتصادية وسياسية وحربًا مائية.

هذا وتنص اتفاقية هلسنكي 1992 للمياه، والتي أجريت بعض التعديلات على نصها عام 2003، والتي تسمح بتوسيعها لتشمل دولًا من خارج المجموعة الاقتصادية لأوروبا، مما يجعلها اتفاقية دولية نافذة للأمم المتحدة، على تنظيم العلاقات والتعاون الدولي حول كل ما يتعلق بحماية المياه الدولية المشتركة، وبضمنها الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية.

وتنص معايير ومبادئ اتفاقية هلسنكي أيضًا على استخدامات المياه بما يجعلها مصدرًا للتعاون والسلام بدلًا عن الصراعات والحروب. إذ شكلت فرق عمل متخصصة تابعة لسكرتارية الاتفاقية لتقديم الدعم الفني والاستشاري حسب الحاجة، مثل الفريق المعني بالإدارة المتكاملة للمياه، والفريق المعني بالرصد والتقييم، والمجلس القانوني، وفريق الخبراء المشترك المعني بالمياه والحوادث الصناعية، ومركز التقييم الدولي للمياه الذي يصدر تقريرًا مفصلًا عن حالة المياه في عموم الكرة الأرضية. ولكن حتى الآن لم يبدِ القائمون على الاتفاقية أي ردود فعل حيال ممارسات الاحتلال التركي على الرغم من إرسال منظمات حقوقية تقارير مفصلة إليها.

'للمجتمع الدولي يد فيما يحصل من جرائم بحق شعب المنطقة'

/ar/uploads/files/2021/05/21/180545_alreys-allmshtrk-lmnzmh-hqwq-allansan-fy-aqlym-alfrat-ahmd-dawwd.webp

أحمد داوود، الرئيس المشترك لمنظمة حقوق الانسان في إقليم الفرات، أوضح أن قطع مياه الفرات انتهاك بحد ذاته، لأنه ينعكس بشكل مباشر على حياة البشر. وقال: "قطع المياه جزء من سلسلة السياسات الممارسة ضد شعب المنطقة".

أحمد داوود أكد أن تركيا تستخدم المياه كسلاح ضد شعب شمال وشرق سوريا، وقال: "تركيا تمادت في جرائمها ضد شعب المنطقة ووصلت إلى حد استخدم المياه كسلاح ضد شعب المنطقة، نتيجة الصمت الدولي حيال جرائم وانتهاكات دولة الاحتلال التركي"، وأوضح أن حبس المياه أثر بشكل مباشر على الزراعة وعلى البيئة والصحة.

هذا وأعدت منظمة حقوق الانسان في إقليم الجزيرة تقريرًا شاملًا مكونًا من 21 صفحة، حول وضع مياه نهر الفرات، وأرسلته إلى عدّة منظمات دولية كاللجنة الحقوقية الأوروبية وغرفة المجتمع المدني التابعة للأمم المتحدة، إلا أن هذه المنظمات لم ترد على التقرير بحسب إدارة المنظمة.

وكشفت الإدارة العامة للسدود في مناطق شمال وشرق سوريا أن كمية الوارد المائي لنهر الفرات إلى الأراضي السورية سجلت انخفاضًا، لتصل إلى أقل من 200 م3/ث.

وحبس مياه الفرات يهدد الأمن الغذائي لأكثر من 5 ملايين نسمة، وأثر انخفاضه بشكل سلبي على الطاقة الكهربائية، والبيئة والزراعة والثروة السمكية والحيوانية، أما بالنسبة لمخزون بحيرة سد الفرات فبقي منه أقل من 6 مليارات م3 وستستخدم لمياه الشرب في الفترة المقبلة؛ بحسب الإدارة العامة للسدود.

ويُعد حبس مياه الفرات جريمة حرب وإبادة جماعية بحق الشعب السوري وفق ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية ولجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية، ويحذر المسؤولون من كارثة إنسانية مع استمرار تركيا في خفض كميات المياه المتدفقة إلى سوريا والعراق.

/ar/uploads/files/2021/05/21/180448_afyn-jmah-.webp

وأوضحت إدارية منظمة حقوق الانسان في إقليم الجزيرة، أفين جمعة، لوكالتنا بصدد حبس مياه نهر الفرات، أن نسبة تدفق المياه إلى سوريا أقل من 200م3/ث، وبحسب القوانين الدولية حبس المياه يُعد جريمة حرب، ويُسبب في حدوث تصحر في المنطقة ويهدد الأمن الغذائي لسكان المنطقة.

وبيّنت أفين جمعة أن تهديد الأمن الغذائي لأي مجتمع يُعد إبادة اجتماعية بحسب العهود والمواثيق الدولية والإنسانية، وقالت: "يعيش في مناطق شمال وشرق سوريا أكثر من 5 ملايين نسمة وحياتهم في خطر الآن".

'تركيا ترمي النفايات في مجرى نهر الفرات'

وكشفت أفين جمعة أنه وبعد انخفاض منسوب مياه نهر الفرات اتضح أن دولة الاحتلال التركية تقوم برمي النفايات في المياه المتدفقة إلى المنطقة، ونوّهت إلى أنه "لا يمكن الآن استخدام المياه المتدفقة، وهي بحاجة إلى مضخات التعقيم، وقد أثّر انخفاض المياه على عمل المضخات، لذلك توقفت قرابة 30 مضخة عن العمل".

وأكدت بدورها مديرية المياه في دير الزور أن انخفاض منسوب المياه وركودها أدى إلى تشكل البرك الضحلة والمستنقعات ونمو الطحالب السامة على طول المجرى في مناطق دير الزور، مما يثير مخاوف الأهالي من انتشار الأمراض والأوبئة.

'كارثة حقيقة تشهدها المنطقة'

/ar/uploads/files/2021/05/21/180515_abdw-abd-alqadr.webp

عبدو عبد القادر مسؤول محطات المياه في الرقة أكد أنهم يعانون نقصًا في وارد مياه الفرات، وقال: " توجد هنا 9 آبار ارتشاحيه، يوجد ضمنها 20 مضخة أفقية بين خاميه ومباشرة، وهي لتعقيم مياه النهر ليكون صالحًا للشرب، وكل مضخة معيرة على 250 م3/ث، وحاليًّا تصل المياه المتدفقة حوالي 200 م3/ث، لذلك أجروا بعض التعديلات كي لا تخرج المضخات عن الخدمة".

ويعد نهر الفرات المصدر الرئيس والوحيد لمياه الشرب والري بالنسبة لأبناء منطقة الرقة والبالغ تعدادهم قرابة المليون و300 ألف نسمة، ويوجد ضمن منطقة الرقة 36 محطة، موزعة على 7 وحدات مياه، 14 محطة على سرير نهر الفرات.  

وبيّن عبد خروج 6 محطات على سرير نهر الفرات في منطقة الرقة عن الخدمة، نتيجة انخفاض منسوب المياه، وبيّن في حال انخفاض نسبة تدفق مياه نهر الفرات إلى أقل من 200م3/ث ستخرج باقي المحطات عن الخدمة، وقال: "وقتها لا يمكننا تعقيم المياه، وسنشهد كارثة إنسانية حقيقية، ستتلوث آبار المياه".

(سـ)

ANHA