الأزمة الاقتصادية في سوريا انعكاس لذهنية سلطوية لا تعترف إلا بنفسها

مع بداية الأزمة السورية قبل عشرة أعوام لم يغب الوضع الاقتصادي المتردي في سوريا عن حديث السوريين والإعلام في الداخل والخارج على حد سواء، وكثيرًا ما تم ربط الانهيار الاقتصادي بظروف الحرب، إلا أن الوضع الاقتصادي لم يكن بخير قبل الأزمة.

الأزمة الاقتصادية في سوريا انعكاس لذهنية سلطوية لا تعترف إلا بنفسها
الثلاثاء 2 آذار, 2021   22:36
مركز الأخبار – مصطفى علو

بما أن التعريف السليم للاقتصاد هو تلبية الحاجات المادية الأساسية للمجتمع بعيدًا عن مفهوم الربح الأعظمي، فإن ما كان ولا يزال موجودًا في سوريا ليس اقتصادًا بقدر ما هو سيطرة فئة حاكمة على الموارد بغية إحكام السيطرة على المجتمع عبر التحكم في موارد حاجاته الأساسية.

وبحسب بي بي سي يمثل النفط حوالي 25% من الدخل السوري، ويقدر في 2010 بمبلغ 3.2 بليون دولار، وبحسب احتياطيات الطاقة في 2010، 2.5 بليون برميل.

ولكن النفط لم يكن يدخل في الموازنة السورية، وكانت الدولة تقول إن النفط في أيدٍ أمينة، وعرف الشعب السوري الأيدي ولكنه لم يعرف أمينة قط، ولن يعرفها إذا ما ظلت الدولة والفئة الحاكمة تسير وفق ذات النهج.

هذه الأرقام كافية لتسليط الضوء على غنى سوريا التي يصنفها الكثير من الخبراء الاقتصاديين على أنها إحدى أغنى البلدان في الشرق الأوسط والعالم العربي.

هذا بدون التطرق إلى المداخيل التي كانت تدخل الصندوق السوري من الزراعة والمعابر والسياحة وصناعة الدراما.

وعلى الرغم من كل ذلك، كان ولا يزال المواطن السوري يلهث وراء ملء معدته وتأمين حاجاته الأساسية في الحدود الدنيا.

إذًا المشكلة في سوريا ليست مشكلة اقتصادية بقدر ما هي مشكلة ذهنية الفئة الحاكمة، ولا يمثل الاقتصاد المتهالك سوى انعكاس ونتيجة لذهنية قائمة على السيطرة المطلقة والإفناء والإنكار.

الفئة الحاكمة في سوريا سيطرت على جميع مفاصل الحكم، وسعت على الدوام عبر القوانين والتشريعات إلى إيجاد مسوغات قانونية لسرقة المواطنين.

على سبيل المثال، كان المواطن السوري مضطرًّا لدفع مبلغ مالي في حال قضاء حاجة في مرحاض عام، وهذه المدفوعات كانت تذهب إلى جيب آل مخلوف الذين كانوا يمثلون بنك عائلة الأسد الحاكمة في سوريا، إلى أن اضطربت العلاقات بينهما عام 2020، وسط أحاديث عن تناطح مع عائلة الأخرس التي تنحدر منها أسماء الأسد زوجة رئيس الدولة السورية بشار الأسد.

كما كانت الدولة ولا تزال تعتمد نظامًا يجبر المواطنين على التحول إلى راشين ومرتشين في الوقت ذاته.

فأي مواطن سوري راغب في التوظيف لدى الدولة السورية ومهما كان تحصيله العلمي وكفاءته العملية والمهنية كان مضطرًا لدفع رشى مالية أو عينية للحصول على وظيفة، وفي حال الحصول عليها، فإنه مضطر لتقاضي رشاوى لأن الراتب لن يكفيه، يعني بمجرد الدخول إلى دهاليز الدولة ستكون راشيًا ومرتشيًا.

بالطبع، الدولة في الأعلى تمارس دور الرقيب والحسيب وتحاسب من تشاء وتغض طرفها عن من تشاء، وكأنها ليست المسؤولة والمبرمجة لهذه المنظومة الفاسدة.

كما أن الدولة كانت تفرض على كل راغب في التوظيف لديها على الانتساب القسري إلى حزب البعث، وإلا فإنه سيحرم من حق التوظيف.

وعمدت الدولة أيضًا إلى سياسة التجويع في الغالبية العظمى من مناطق سوريا، وعلى سبيل المثال أجبرت الدولة الكثير من الشباب العلويين في الساحل السوري على الانخراط في صفوف الجيش في منطقة لم تطور فيها الصناعة ولا الزراعة باستثناء الحمضيات.

وفي المناطق الكردية تحكمت الدولة بالزراعة عبر تجارها المتحكمين في الأسواق الكبرى، وأجبرت تلك السياسات الكثيرين من الكرد في عفرين وكوباني والجزيرة على التوجه إما إلى حلب أو دمشق أو حمص، وبالتالي الولوج في عملية الصهر الثقافي.

ومثال بسيط على ذلك هي منطقة عفرين الزراعية، لكن البوابات الحدودية كانت إعزاز وإدلب.

وعلى الرغم من غنى عفرين وبالأخص ناحية شيراوا بالآثار التاريخية، إلا أن الدولة كانت توجه معظم السواح إلى أوغاريت في اللاذقية مسقط رأس عائلة الأسد، وحرمت المنطقة الكردية من العائدات السياحية وكذلك الانفتاح على العالم.

باختصار كانت ولاتزال سوريا بمواردها وسيلة الفئة الحاكمة لتطويع الناس وإجبارهم على الخضوع لمزاجها السلطوي والتحكم في اختياراتهم السياسية وتوجيه ميولهم.

بالطبع أثّرت الحرب المندلعة في سوريا منذ ربيع عام 2011 على الوضع الاقتصادي وجعله يطفو إلى السطح، لكن الوضع الاقتصادي كان سيئًا حتى قبل الحرب، ولم يكن المواطن السوري يعيش حياة لائقة وكريمة وكان يحصل على القليل بالمقارنة مع الموارد المتوفرة في سوريا.

خلاصة، لو ملكت الدولة السورية مليارات العالم كلها، فسوف تبقي الشعب السوري في حالة فقر، وستبقى تروج على أنها في حالة حرب مع إسرائيل، وأن غالبية الميزانية تصرف للجيش للدفاع عن الوطن وفق مصطلحات البعثيين.

مشكلة الاقتصاد السوري لن تحل بدون تغيير حقيقي وجذري في ذهنية الفئة الحاكمة.

 إذًا ما يحتاجه الشعب السوري هو إدارة ديمقراطية لا تعتمد على مبدأ السلطة المطلقة وتؤمن بضرورة توزيع عادل للثروات وتكافؤ للفرص وتحارب الفساد بدلًا من تشجيعه.

(م)

ANHA