منزلق خطير أم خطوة استباقية .. تعديل في الدستور الجزائري يجيز التدخل العسكري في الخارج؟

نال مقترح السماح لقوات الجيش الجزائري المشاركة في عمليات عسكرية خارج البلاد، الذي جاء ضمن مسودّة تعديل الدستور، حيّزاً كبيراً من الاهتمام بعدما عدّ كثيرون أنه انقلاب على عقيدة المؤسسة العسكرية، ومبادئ السياسة الخارجية، ما فتح أبواب النقاش على مصراعَيْه حول أسباب التفكير في هذا المقترح.

منزلق خطير أم خطوة استباقية .. تعديل في الدستور الجزائري يجيز التدخل العسكري في الخارج؟
الخميس 14 مايو, 2020   05:28
مركز الأخبار

وتشمل مسودة الدستور الجديد الذي طرحته الرئاسة للمناقشة، مقترحاً يسمح بإرسال وحدات من الجيش إلى خارج الحدود، في وقت كانت ترفض فيه الجزائر الردّ على تهديدات أمنية خارجية بخاصة من ليبيا ومالي، حيث تنشط الجماعات الإرهابية، واستهدفت عسكريين جزائريين وثكنات ومواقع بترولية.

ورغم أن الفكرة قديمة لدى الجيش, وغير مقلقة حيث أن مشاركة الجيش في أي عمل عسكري خارج البلاد يتطلب موافقة البرلمان, إلا أنها أثارت الجدل, والسؤال المطروح اليوم ما الذي دفع إلى التفكير في تغيير عقيدة الجيش الجزائري؟

ويرى مراقبون أنه وفي وقت تتعرض فيه الجزائر لهجمات من خارج الحدود، وحدوث اضطرابات في محيطها ودول الجوار بشكل يؤثر في مصالحها، فليس من المستبعد أن تتخذ الجزائر هذه الخطوة.

ويقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية محمد باشوشي في حديث لـ"الاندبندنت عربية" إن التطورات التي شهدتها مناطق شمال أفريقيا والساحل في السنوات الأخيرة، وتضرّر المصالح الاستراتيجية والعمق الأمني للجزائر في دول عدّة كمالي والنيجر وليبيا وتونس، فرضت على القيادة العسكرية والرئيس عبد المجيد تبون استغلال تعديل الدستور، لإدراج مواد تسمح بموجبها للجيش بالمشاركة في عمليات خارج الحدود، موضحاً أن هذه المشاركة قد تكون أيضاً لملاحقة إرهابيين معتدين بالتنسيق مع سلطات الدول المعنيّة.

ويضيف باشوشي إن استكمال التأمين الداخلي للبلاد بات يمرّ عبر العمليات الاستباقية، وعليه فإن القيادة العسكرية أرادت مسايرة المتغيرات والانخراط في هذا الاتجاه.

واشترط نص مادة مسودّة الدستور الجديد أن موافقة البرلمان ضرورية عند التفكير في إرسال قوات جزائرية إلى خارج الحدود، حيث ورد في المادة 95 أنه "يقرّر رئيس الجمهورية إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج بعد مصادقة البرلمان بغالبية ثلثي أعضائه"، وهو بذلك تقييد جديد لوزير الدفاع الذي كان يتمتّع وحده بصلاحيات تحريك وحدات عسكرية وإرسالها إلى خارج البلاد، أي أن رئيس البلاد تنازل عن صلاحياته للبرلمان، ولم يعد بإمكانه التصرف في الجيش بقرار فردي.

ومن جهة ثانية، يوضح العقيد المتقاعد بن عمر بن جانة في تصريح آخر أن السماح لوحدات من الجيش بالمشاركة في عمليات خارج الحدود، جاءت لتواكب المتغيرات التي عرفتها المنطقة، فالمقصود ليس المشاركة القتالية، بل ضمن قبة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لفضّ النزاعات وإحلال السلام، وعليه لا يمكن القول إن هناك تغيّراً في عقيدة الجيش الجزائري.

ويشير بن جانة إلى أن المنظومة الدولية فرضت هذا التوجه، إذ إن الدول ملزمة بالقيام بواجبات معينة، وعليه اندمجت الجزائر في هذه الواجبات حتى لا تبقى مُلامة على انعزالها، ويتابع "لا أظن أن الجزائر ستشارك في تحالفات عسكرية بهذا القرار، بل في وظائف أممية أفريقية"، مشدّداً على أن "التدخل العسكري القتالي في ليبيا أو مناطق أخرى، سيؤدي إلى انزلاق خطير".

الجزائر التي نأت بنفسها عن التدخل العسكري في ليبيا رغم محاولات تركيا والسراج دفعها إلى تفعيل الاتفاقية الأمنية الموقعة في 2001، وتتعلق بمكافحة الإرهاب وحفظ الاستقرار، وجرى تحديثها خلال انعقاد الدورة الثانية للجنة الأمنية المشتركة في شباط 2012، لتتماشى مع التحولات الجديدة التي شهدتها ليبيا، ولكن يبقى السؤال مطروحاً فيما إذا كانت هناك نية للجزائر دعم تركيا والسراج؟

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، السنوسي إسماعيل الشريف إن الدستور الجزائري يمنع تدخل الجيش خارج الجزائر، لكن هذا لا يعني عدم إمكانية تقديم الدعم بوسائل أخرى عديدة؛ يمكن توقع أشكال ذلك الدعم في تقديم التسهيلات اللوجستية للقوات البحرية والجوية التابعة لحكومة الوفاق أو لأي قوات لدول داعمة للحكومة الليبية".

ومنذ مصادقة البرلمان التركي مطلع كانون الثاني/يناير الماضي على مذكرة رئاسية تفوّض الحكومة بإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا, أعلنت الجزائر رفضها للتدخل التركي في ليبيا.

وعادت الرئاسة الجزائرية من جديد لتؤكد أن حل الأزمة في ليبيا "يمر عبر حل سياسي داخلي بعيداً عن أي تدخل خارجي"، وشددت على "التضامن اللامشروط مع الشعب الليبي".

كما وأكد وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم رفض الجزائر "التام" لوجود قوة أجنبية مهما كانت في هذا البلد الجار، ما يعني وفق خبراء أمنيين رفض الجزائر الرسمي للطلب التركي بالانضمام إلى ما أسمته "الحلف مع تركيا في ليبيا".

(ر ح)