​​​​​​​أحلام الهيمنة تتحول إلى أزمات.. هل تنقذ الجزائر تركيا من "ورطة الطاقة"

تخصص وسائل الإعلام العربية، لزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة إلى الجزائر، مساحة واسعة من التغطية، فبحسب محللين سياسيين، كانت الزيارة خطوة على طريق مخطط كبير شرع أردوغان بتنفيذه انطلاقاً من الجزائر.

​​​​​​​أحلام الهيمنة تتحول إلى أزمات.. هل تنقذ الجزائر تركيا من "ورطة الطاقة"
الجمعة 31 كانون الثاني, 2020   05:36
مركز الأخبار- عمر موسى

وفي سياق متصل، خلص مراقبون إلى أن زيارة أردوغان كان عنوانها "محاولة استغلال النفوذ الاقتصادي التركي في الجزائر، مقابل تحصيل دعمٍ سياسي جزائري لخطواته في المنطقة وعلى وجه الخصوص ليبيا".

وكالة "هاوار" حاورت الباحث السياسي المصري "جمال رائف" الذي رأى أن الزيارة كانت تسعى إلى تحقيق هدفين أساسيين:

بعد الفشل في تونس أنظار أردوغان إلى الجزائر

أولهما: "إيجاد ثغرة بين دول جوار ليبيا تمكن تركيا من العبور إلى  طرابلس، سواء من خلال الدعم السياسي أو اللوجيستي، لتحقيق ما كان ولا تزال تطمح إليه، وهو الهيمنة على الموارد الليبية، وذلك بعد أن باتت مسألة عبورها المتوسط للوصول إلى شواطئ طرابلس صعبةً في ظل سيطرة الجيش الوطني الليبي على المجال البحري".

ويستذكر رائف، أن الزيارة  تعيد إلى الأذهان: "زيارة أردوغان إلى تونس من قبل، والذي لم يفلح في المرور عبرها إلى الداخل الليبي، لذلك اتجه إلى الجزائر حالماً وطامعاً أن العلاقات والمصالح التجارية بين البلدين ستسهّل له هذا الأمر".

الجزائر لن تقحم نفسها ولم تنسَ العشرية السوداء بسبب الإسلام السياسي

يقدر الباحث رائف:" أن الجزائر أيضاً لن تقحم نفسها في صراع الطاقة الذي تسعى تركيا لجرّ دول المنطقة إليه، خصوصاً أن الجزائر دولة عضو في منظمة الأوبك، وتملك موارد هائلة من البترول والغاز تكفي احتياجاتها، سواء للسوق المحلي أو للتصدير، وبالتالي ليس من مصلحتها إحداث خلاف مع دول المتوسط لصالح تركيا لجهتين:

أولها: أن دول المتوسط تنبذ أردوغان وسياساته التوسعية في المنطقة، وثانيها: أن دول المتوسط تصدر الغاز إلى الشاطئ الأوروبي الرافض أيضاً لسياسيات تركيا تجاه ليبيا".

ويضيف: إن الجزائر التي خاضت عشرية سوداء في التسعينات بسبب تيارات الإسلام السياسي أصحاب الأفكار الأيدولوجية المتطرفة، لن تعيد الكرّة، وتدعم حلم الخلافة العثمانية، خصوصاً أن الرئيس عبد المجيد تبون ذو خلفية داعمة لفكرة الدولة الوطنية".

ويذكر الباحث أن حديث الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون كان موضّحاً لسقف ما يمكن أن تحصل عليه تركيا من ليبيا :"إذ جاء حديثه خلال المؤتمر الصحفي متزناً، ولم يقفز عن التعاون التجاري ولم ينحُ بالعلاقات بين البلدين في الاتجاه الذي يسعى إليه أردوغان، الذي جاء إلى الجزائر محاولاً استمالتها بالاستثمار والشراكة الاقتصادية مقابل المواقف السياسية".

ويتابع: "أردوغان غير قادر على الصمود أمام انهيارات الاقتصاد الداخلي، لذلك هو يرى في الجزائر الأمل الاقتصادي الأخير، لهذا التقى مع الرئيس الجزائري لثاني مرة في أقل من شهر، إذ كان قد اجتمع به على هامش مؤتمر برلين".

أما الهدف الآخر وفق ما يراه الباحث جمال رائف يتعلق بـ "حرب الطاقة"، "إذ يحاول أردوغان تفادي أزمة الطاقة التي باتت على وشك الاشتعال بالداخل التركي، وتسببت بها سياسته العدائية في المنطقة، حيث إن تركيا تستورد أكثر من 85% من احتياجاتها النفطية من الخارج، لذلك هو يسعى لتشكيل تحالفات موازية لتحالف شرق المتوسط والذي اتسع ليصبح منظمة إقليمية تحت مسمى منتدى غاز شرق المتوسط".

"تأزمت أوضاع أردوغان الداخلية، بعد أن فشل في سرقة موارد ليبيا النفطية" وفق رائف الذي يوضح: "لقد  فشل أردوغان على جهتين أولها:  في السيطرة على الموارد الليبية كما طمح، والجهة الأخرى: بعد أن وضعت الولايات المتحدة الأمريكية يدها على آبار النفط في سوريا والتي كانت تمثل له غنيمة كبرى،  بعد أن كانت تسرقها الجماعات الإرهابية وتمررها إلى الداخل التركي.

وأيضاً، تمثل القيود الأمريكية المفروضة على تصدير النفط الإيراني الذي كانت تعتمد عليه تركيا، بشكل أساسي  مشكلة كبرى، عمّقت أزمة الطاقة في تركيا".

تحويل تركيا إلى مركز إقليمي للطاقة حلمٌ فات أوانه والجزائر طوق النجاة

هنا، يرى أردوغان – بحسب رائف- أن الجزائر هي طوق النجاة، لهذا يسعي جاهداً لإيجاد شراكة تجارية تعزز موقفه وتحميه من أزمات الداخل التركي التي  ستشتعل في أية لحظة بسبب نقص المواد البترولية.

ويقدّر رائف أن أردوغان فشل في تحقيق حلمه العميق، بتحويل تركيا إلى مركزٍ إقليمي للطاقة: "إذ  فات أوان هذا الحلم بعد أن تعاونت دول شرق المتوسط، وأصبح لديها مشروع متكامل للتعاون المشترك، ومن بينها الجزائر التي تعد من أهم مصدّري الغاز إلى أوروبا، ولديها القدرة الكافية على القيام بنقل الغاز إلى الشاطئ الآخر بنفسها، وبالتالي لن تحتاج إلى الوسيط التركي فهي لديها واحدة من أهم شركات الطاقة في المنطقة وهي " سوناطراك "  والقادرة على تنفيذ تلك المهمة دون مساعدة تركية .

ويذكر الباحث السياسي رائف: إن الدور الجزائري تجاه الأزمة الليبية متزن للغاية، ويراعي أيضا الظروف الداخلية التي يمر بها الداخل الجزائري من اضطرابات سياسية وتحاول تخطيها إلى الاستقرار".

وبحسب رائف، فإن منطق التعامل الجزائري مع ليبيا يرتكز إلى تهدئة النزاع، وتأمين الحدود وعدم إقحام الجزائر كطرف في الأزمة، كما تحرص الجزائر على مشاركة دول الجوار كافة الاجتماعات التنسيقية التي تهدف إلى إيجاد حلول رامية لإحلال السلام وتهدئة الأوضاع، وهذا أيضا كان الدافع وراء مشاركة الجزائر في مؤتمر برلين، خاصة أن ليبيا تعد امتداداً للأمن القومي لدول جوارها التي لن تقبل بتكرار التجربة السورية على حدودها، وبالتالي نجد مساعي دائمة من تلك الدول لإيجاد حلول تخفف من وتيرة تصاعد الأزمة".

هذا الأمر، والموقف الجزائري، يأتي على النقيض من الرغبة التركية، إذ أن تركيا تريد المزيد من الاشتعال في الداخل الليبي تحقيقاً للفوضى، الأمر الذي يسهّل لأردوغان السيطرة على مقدرات وثروات ليبيا من الطاقة، أو تحقيق أهدافه المتعلقة بالتوسع العثماني تحقيقاً لحلم الخلافة المزعوم".

ويرجح رائف قائلاً: "اختلاف الرؤية تجاه الأزمة الليبية بين تركيا والجزائر عائق أمام إيجاد تعاون سياسي حيال تلك الازمة".

(ي ح)