أردوغان.. مشاريع للإسلام السياسي تنهار سريعاً – 1

استخدمت السلطات التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية، الإسلام السياسي طوال الأعوام السابقة كورقة لإعادة إحياء حلم الإمبراطورية العثمانية القديم، ولتحقيق هذا الحلم سلكت مساراً خبيثاً باللعب على المشاكل الداخلية فمن تونس إلى السودان، ليبيا، مصر وسوريا وصولاً إلى أفريقيا كلها أهداف تحت نصب أعين السلطات التركية.

أردوغان.. مشاريع للإسلام السياسي تنهار سريعاً – 1
السبت 6 تشرين الأول, 2018   01:10

دعم الإرهابيين في ليبيا ومحاصرة السعودية ومصر

يحيى الحبيب / مركز الأخبار

الإسلام السياسي الذي اتخذه حزب العدالة والتنمية التركي كمنهج له، والذي يحكم أردوغان باسمه تركيا، يؤمن بفكرة إشاعة الأراضي للأتباع، وتكفير فرق المسلمين، وهو ذاته ما روج له الفكر الداعشي، ويحلم بضرورة عودة الخلافة العثمانية. وكما قام داعش وفق هذا المبدأ وسمح لنفسه بتهجير الأهالي الذين لم يكونوا على دينه واستباح أموالهم وأعراضهم فهو ينادي بحاكمية الله ولكنه يمارس كل ما هو يضرب أقوال الله في الصميم.

أردوغان ومن خلال خطاباته الترويجية استخدم نفس الأفكار التي اتبعها داعش وذلك عبر إعلام منظم وواسع، انطلق في كل وسائل التواصل عبر الإنترنت، وعبر الدعاة المتشددين في الجوامع سواء في الدول العربية، والإسلامية أو في الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وكانت دعاية تلك الرسائل والمنشورات تصب في مشروع “إعادة إحياء السلطنة العثمانية” إلى الوجود مرة أخرى.

ومع اندلاع ما سمّي الربيع العربي ونتيجة لهشاشة الوضع الأمني في الدول العربية كتونس ومصر وليبيا والجزائر واليمن وسوريا بعد العام 2011 والافتقار السياسي الذي تعيشه الدول العربية، استنفرت تركيا هذه الجماعات الدعوية وحولت نشاطها إلى العمل المسلح لتحقيق ذلك الحلم بقوة السلاح وتبنت جماعات الاخوان المسلمين هذا الحلم السياسي، وفي هذا الملف المؤلف من ثلاثة أجزاء سنحاول تسليط الضوء على التدخل التركي في الشؤون العربية.

السعي للسيطرة على مصر عبر الإخوان

طالما كان أردوغان ينظر للدول العربية بأنها ساحة رخوة للسيطرة عليها لكن كان أمامه عائقان هما السعودية ومصر وحاول خلال الأعوام الماضية محاصرتهما من خلال التوسع في الدول المحيطة بهما، وبدأ من مصر عبر الإخوان المسلمين.

فعندما بدأت الثورة بمصر في 25 كانون الثاني/يناير 2011، استغل الإخوان المسلمون هذه الاحتجاجات للسيطرة على البلاد وبعد تنحي الرئيس المصري محمد حسني مبارك عن الحكم في 11 شباط/فبراير 2011، والتحضير لإجراء انتخابات مدنية، قررت جماعة الإخوان المسلمين وجناحها السياسي المتمثل بحزب الحرية والعدالة، ترشيح محمد مرسي في الانتخابات.

وفي يوم الأحد 24 حزيران/يونيو 2012 أعلنت لجنة الانتخابات الرئاسية المصرية محمد مرسي فائزاً في الجولة الثانية من الانتخابات بنسبة 51٫7 % وبعد ساعات من فوزه أُعلن عن استقالة مرسي من رئاسة حزب الحرية والعدالة ومن عضوية مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين. وما لبث أن زاد تدخل أردوغان في الشؤون المصرية عبر الإخوان المسلمين.

بعد اندلاع الأزمة السورية وتوتر العلاقات التركية السورية، وإلغاء حكومة النظام السوري مجلس التعاون الاستراتيجي واتفاقها الاقتصادي مع أنقرة مطلع كانون الاول/ديسمبر عام 2011، وتقييدها لحركة البضائع التركية عبر الأراضي السورية إلى الأردن والخليج، سعت تركيا لجعل مصر بديلاً عن سوريا وممراً لبضائعها في المنطقة فوقع الطرفان مذكرة تفاهم لعبور البضائع التركية إلى الخليج العربي عبر الموانئ المصرية عرفت باتفاق "رورو" والتي دخلت حيز التنفيذ في نيسان 2012. وبعد وصول محمد مرسي إلى دفة الحكم في مصر، زادت الزيارات بين الطرفين والتبادل الاقتصادي حتى باتت مصر مستعمرة تركية يتم فيها تطبيق الفكر الإخواني.

ولكن هذا الوضع دفع الشعب المصري للانتفاض بوجهه محمد مرسي فتدخل الجيش وعزل مرسي في 3 تموز/يوليو 2013 وتم إلقاء القبض عليه مع قيادات من الإخوان.

مشاريع أردوغان في مصر تعرضت لضربة قوية بسقوط الإخوان المسلمين، لأن الإخوان لم يقدموا أي حل لأية قضية اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، وسعوا للسيطرة على مفاصل الدولة وفي إعطاء مرسي لنفسه دوراً أكبر في سلطاته أكثر من مبارك نفسه، وهو ما عمّق الثورة الشعبية قبل التحرك ضده؛ وقد لعب محمد السيسي والجيش دوراً دقيقاً واستطاعوا القيام بتحرك عسكري مستفيدين من أجواء الغضب ضد الإخوان.

وبعد إسقاط حكم الإخوان المسلمين، انتشرت العمليات الإرهابية في مصر، إذ استهدف الإرهابيون شعوب مصر وخصوصاً الأقباط منهم، ونشطوا في سيناء ما دفع السلطات للقيام بعملية أمنية ضدهم، وأظهرت العديد من التقارير ضلوع الإخوان وبدعم تركي في هذه الأنشطة الإرهابية.

فشل في تونس أيضاً

وفي تونس لم يختلف المصير كثيراً عن مصر، حيث باءت محاولات حزب النهضة بالسيطرة على الدولة التونسية بالفشل، بحكم ضعفها إزاء قوة النقابات والمجتمع السياسي والمدني، وبسبب عدم تقديمها أية حلول لمشكلات تونس، بل وسمحت للسلفيين بالتمدّد، وبالتالي تجدّدت أسباب الثورة، ولم تتوان منطقة سيدي بوزيد وسواها عن الإضرابات من جديد، وبالتالي فشلت النهضة، ولم تنجح خطط حزب النهضة ومن ورائهم أردوغان بالسيطرة على تونس.

دعم الإرهابيين في ليبيا

منذ التدخل العسكري في ليبيا وإسقاط نظام قذافي، استمر التدخل التركي في الشؤون الليبية عبر دعم مجموعات الإخوان المسلمين وغيرها من المجموعات الإرهابية، وظهر ذلك بشكل جلي عندما اتهم المشير خليفة حفتر في حزيران 2014 تركيا بدعم الإرهاب. ولاحقاً أعلن المبعوث التركي في ليبيا "أمر الله إيشلر" أن الخطوط الجوية التركية ستستأنف رحلاتها إلى مصراتة الليبية التي كانت خاضعة للإرهابيين. كما اتهمت الحكومة الليبية، تركيا بإبرام علاقات مع جماعة "أنصار الشريعة" التي كانت تتمركز في بنغازي.

وحول أردوغان مطار معيتيقية في طرابلس والذي كان يخضع لسيطرة المجموعات الإرهابية، إلى مطار تركي، حين كان المطار يشهد 4 رحلات طيران يومياً من وإلى اسطنبول وأغلب الظن أن تركيا كانت ترسل الأسلحة للإرهابيين، خصوصاً أن خفر السواحل اليوناني كان قد أوقف قوارب وعلى متنها مواد متفجرة متوجهة من تركيا إلى ليبيا، وهذه المواد الشديدة الانفجار كانت السلطات التركية ترسلها للإرهابيين.

عضو مجلس حكماء ليبيا، محمد التركي، قال عن التدخل التركي في ليبيا وخصوصاً في مصراته إنها "لم تعد بالشيء الخفي أو القابل للإنكار"، وأضاف "كل الدنيا تعرف انتماءات أردوغان الإخوانية وتعرف أن آمر الله إيشلر مبعوثه الشخصي إلى ليبيا هو من أبرز رجالات جماعة الإخوان وعلاقاته الوطيدة مع الإخواني علي الصلابي، المقيم بشكل رسمي بإسطنبول". وتساءل "كيف تفسر اسطنبول لجوء أبرز شخصيات التيار الإسلامي إلى أراضيها وعلى رأسهم المفتي السابق الصادق الغرياني وقائد الجبهة الإسلامية عبد الحكيم بلحاج والإسلامي المتشدد عبد الوهاب القايد".

الخبير في الشؤون الليبية صالح إبراهيم المبروك، في إحدى حواراته مع قناة العربية، يقول إن "الشعب الليبي يشعر أنه يتعرض لغزو خارجي تركي، وذلك وفقاً لأطماع أردوغان في المنطقة بهدف إعادة ليبيا إلى ولاية عثمانية".

أفريقيا.. بحث عن إرث قديم

كثفت السلطات التركية زياراتها وعلى رأسهم أردوغان إلى السودان وتشاد والتي تنبع عن استراتيجية تركية للتمدد السياسي من بوابة الدعم الاقتصادي لخواصر عربية وأفريقية رخوة لم تنجح في الحصول على دعم عربي قوي لإنقاذ اقتصادها المتراجع حيث وصف مراقبون سياسيون التمدد التركي بأنه طوق عثماني للخليج ومصر.

وبالإضافة إلى طموحات الرئيس التركي الحالم باستعادة الخلافة العثمانية، كقوة مهيمنة في المحيط العربي الإسلامي، فإنه يبحث عن مواطن نفوذ في السودان، وخاصة للإطلال على البحر الأحمر بما يتيح لتركيا تهديد الأمن القومي لمصر ودول الخليج وخصوصاً السعودية التي تسعى تركيا لسحب البساط من تحت قدميها في قيادة المسلمين السنة.

وأعلن أردوغان في الخرطوم أن السودان خصص جزيرة سواكن الواقعة في البحر الأحمر شرقي السودان لتركيا كي تتولى إعادة تأهيلها وإدارتها لفترة زمنية لم يحددها.

وميناء سواكن هو الأقدم في السودان ويستخدم في الغالب لنقل المسافرين والبضائع إلى ميناء جدة في السعودية، وهو الميناء الثاني للسودان بعد بورسودان الذي يبعد 60 كلم إلى الشمال منه.

واحتلت جزيرة سواكن من قبل العثمانيين، حيث كانت تحظى بمكانة هامة في عهد الدولة العثمانية، واتخذها العثمانيون مركزاً لتجارتهم ولقواتهم البحرية في البحر الأحمر، كما أنها كانت تضم مقر الحاكم العثماني لمنطقة جنوب البحر الأحمر بين عامي 1821 – 1885.

وتضم تلك الجزيرة التي لا يبلغ طولها أكثر من 750 متراً وبعرض 500 متر منطقة أثرية تاريخية، وتحوي شرماً ضيقاً يفتح على البحر ومتصل بالبر بطريق ممهد.

ولكن أردوغان يخبئ أهداف أخرى غير التي أعلن عنها، حيث يعمل على إعادة أمجاد الدولة العثمانية المحتلة وينظر إليها على أنها جزء من الأراضي التركية ولهم حق التصرف فيها، ولهذا لم يعلن عن مدة تأهيل الجزيرة أو حتى الفترة التي ستبقى فيها تركيا هناك.

ولعل الهدف الأخطر من هذه الخطوة هو تحويل تركيا جزيرة سواكن إلى منطقة عسكرية تستطيع منها الضغط على السعودية والاستفادة من الدعم القطري في ظل الخلافات التي تشهدها الدول الخليجية، كما أن تلك الجزيرة مطلة على سواحل اليمن المتاخمة للسواحل السعودية، حيث تهدف تركيا إلى لعب دور في الاقتتال اليمني، لترسم بذلك حدود الدولة العثمانية المزعومة.

ليس في السودان فقط، بل وسع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحركاته إلى كل من الجزائر وموريتانيا ومالي والسنغال، وسط عدة أسئلة حول الأهداف المستترة لتركيا في المنطقة هل المحدد الاقتصادي هو الدافع الأساسي الوحيد لتوجيه بوصلة تركيا نحو أفريقيا من بوابة الشمال والغرب؟

في الحقيقة أن تركيا تنافس على النفوذ داخل الجغرافيات الممتدة من الشرق الأوسط إلى شمال وغرب ووسط أفريقيا. وهذا التوجه يشمل في بعده الاستراتيجي إيجاد منفذ ومستقر على المحيط الأطلسي، عبر بوابة موريتانيا وذلك من خلال بناء قاعدة عسكرية وموانئ تتحكم في تسييرها وتدبير الخدمات الملحقة بها، فالضعف الاقتصادي والسياسي الذي تعيشه الجزائر وموريتانيا يعد مدخلاً أساسياً لتواجد أنقرة بالمنطقة والأجندة الخفية على ما يبدو محاصرة توجهات المغرب نحو عمقه الأفريقي.

أما بالنسبة إلى الجزائر فالمعروف أنها كانت آيالة تابعة للعاصمة إسطنبول ومنها كان يستمد البايات والباشاوات توجهاتهم، والتاريخ حاضر بقوة في الأجندة الأردوغانية لتحديد مصالح بلاده ومراكز نفوذها من الشرق الأوسط حتى الحدود الشرقية للمغرب، وتريد أنقرة منافسة المملكة المغربية بضم حليفي المغرب التاريخيين والروحيين السنغال ومالي.

وما القاعدة العسكرية التي دشنتها تركيا مؤخراً في الصومال إلا دليل على أن سياسة أنقـرة في أفريقيا لا تعـدو إلا أن تكون تدخلية في الشؤون السيادية بامتياز، تحت عنوان التجارة والتنمية تعزيزاً لنفوذها.

غداً: خداع للفلسطينيين وعين على الموصل وكركوك

(ح)

ANHA