شعوب عريقة تحيي ثقافتها من جديد على أرضها التاريخية بفضل 19 تموز

معروف عن سوريا، وعلى وجه الخصوص مناطق روجافا والشمال السوري، بالتنوع الإثني والعرقي والحضاري الكبير لشعوبها، لكن ذهنية الدولة في الإقصاء والإنكار أو الاحتكار والاستغلال كانت السبب في قتل وطمس الكثير من هذه الملامح العريقة ضمن النسيج المجتمعي السوري، كما في وضع الشعب الكردي المضطهد بالدرجة الأولى وذو التاريخ العريق والأساسي في سوريا يليه عدد آخر من الأعراق والأديان التي طمستهم آلة الدولة الاستبدادية.

شعوب عريقة تحيي ثقافتها من جديد على أرضها التاريخية بفضل 19 تموز
الإثنين 16 تموز, 2018   01:15

آلان روج/ مركز الأخبار

فما حققته ثورة 19 تموز للشعوب (الكردية-العربية- السريانية- الآشورية- التركمانية- الأرمنية الشركسية) في سوريا هو إعادة كافة مكتسباته في اللغة والثقافة والتراث والمجد التاريخي والتنظيم وإدارة حياته الاجتماعية وفق طبيعته وإرادته.

في الجزء الثاني من هذا الملف نذكر كسرد سريع إنجازات 19 تموز في إحياء الثقافات وإعادة تمتين العلاقات الاجتماعية بين كافة الأعراق والإثنيات بعد عقود من سياسات التفرقة والعنصرية والتهميش الممنهج ضدهم من قبل السلطات الحاكمة.

السريان والأشور والكلدانيين

يعتبر الآشور السريان والكلدانيين من المجتمعات ذات التاريخ العريق في روجافا والشمال السوري أصحاب ثقافة وحضارة ولغة غنية عن التعريف. ورغم وجود انتشار واسع في سوريا واعتبارهم أصحاب الأرض التاريخية إلا أن حالهم كان حال الكرد في الإنكار والاضطهاد والتهميش بسبب سياسات حزب البعث الحاكم آنذاك في سوريا عموماً.

فلم تكن اللغة والثقافة السريانية والتمثيل السياسي رسمياً في الدولة السورية بعد وصول آل الأسد وحزب البعث إلى الحكم في سوريا، ليقتصر في فتح المجال لممارسة نشاطهم وتنمية لغتهم وثقافتهم فقط ضمن الكنائس ومجامع مرتبطة بتلك المراكز الدينية، لينتج من هذه السياسات الهجرة الكبيرة لهذه المجتمعات إلى الخارج، لذلك كانت هذه الثقافات مهددة بالاندثار.

خلال ثورة 19 تموز التي بنيت على أسس إحياء الثقافات والنهوض بها لحمايتها وإنهاء الإنكار والإقصاء عليها، خطت هذه المجتمعات خطوات تاريخية بشأن إرثهم التاريخي. فقد دعمت الثورة تدريس اللغة السريانية في المدارس وتدريب كوادرها التعليمية كما اللغة الكردية فور انطلاقتها، واعتبرت الإدارة الذاتية، في ميثاق عقدها الاجتماعي، اللغة السريانية لغة رسمية إلى جانب اللغتين الكردية والعربية.

ولم تتوقف الثورة في هذا الدعم فقط بل بادرت بافتتاح أول معهد للغة والأدب السرياني باسم "أورهي" في قامشلو على مستوى الشمال السوري ومجمع آخر في ديريك للغة والثقافة السريانية، إلى جانب دعم الجمعيات الثقافية السريانية والآشورية والكلدانية لحماية الفلكلور والتراث.

أما على الصعيد الإرادة السياسية فقد خصصت مقاعداً لهم في المجلسين التشريعي والتنفيذي لإقليم الجزيرة عدا الترشح في القوائم الانتخابية للأحزاب والتنظيمات السياسية والاجتماعية لكل مكون بشكل حر وديمقراطي، وكذلك يجب بالضرورة وجود مستشار من المكونين السرياني الآشوري في الحاكمية المشتركة و نواب في معظم هيئات الإدارة الذاتية.

وعلى الصعيد العسكري والأمني فقد شكلت في روجافا والشمال السوري بداية 2013 قوات مجلس العسكري السرياني المنضوية اليوم تحت سقف قوات سوريا الديمقراطية وكذلك قوات السوتورو الأمنية الداعمة والتابعة لقوات الأسايش في شمال سوريا، حيث لعبتا دوراً فعالاً إلى جانب وحدات حماية الشعب والمرأة في التصدي للمجاميع المرتزقة والإرهابية وحماية القرى السريانية والآشورية في إقليم الجزيرة.

التركمان والشركس والأرمن أيضاً خرجوا من سواد التهميش والنسيان الذي فرض عليهم من قبل الدولة القوموية ليصبحوا أصحاب إرادة حرة وكمجتمع يمارس ويحمي ثقافته ولغته ويمثل نفسه في الإدارة ومؤسسات الثورة في الشمال السوري، حيث يملكون كافة الصلاحيات التي تخولهم في إظهار إرثه التاريخي والتعريف به في الشمال السوري والمنطقة.

المجتمع الإيزيدي نحو إبراز نفسه من جديد بعد تهميش مجحف

إذا كان الكردي يعيش الاضطهاد والاستبداد القومي والإنكار في الهوية والثقافة الكردية في سوريا فإن الكردي الإيزيدي كان يعيشها ضعف الأخير، فإلى جانب ما ذكر كانت الديانة والمجتمع الإيزيدي يعاني من طمس للتاريخ وإلغاء للديانة واضطهاد للمجتمع أيضاً لينتشر بينها الهجرة الجماعية إلى الدول الأوربية بسبب الانتهاكات بحقهم.

فلا الديانة ولا المجتمع كان معترفاً به في سوريا بالرغم من أنها تمثل ثالث ديانة بعد الإسلام والمسيحية في سوريا، حيث ينتشر المجتمع الإيزيدي في معظم مناطق الجزيرة وعفرين ونسبة قليلة هاجروا منذ عقود إلى حلب والعاصمة دمشق لأسباب اقتصادية.

مع بداية انطلاق ثورة 19 تموز كان إحياء وحماية المجتمع الإيزيدي في أولوياتها، لذلك شكلت اتحادات وجمعيات للإيزيديين في كل من إقليم الجزيرة وعفرين لتجمع إرادة المجتمع وتخرج بممثليها للإدارة الذاتية والمؤسسات الدينية والاجتماعية والدبلوماسية في الشمال السوري.

واعتبرت ديانة رسمية إلى جانب الإسلام والمسيحية في العقد الاجتماعي لفدرالية الشمال السوري وجعل أيام الأعياد الكبرى لديهم عطلة عامة في الأقاليم المتواجدة فيها. إلى جانب دعم تعليم الديانة الإيزيدية وتقديم التسهيلات اللازمة لممارسة طقوسهم في روجافا ورحلاتهم إلى لالش في محافظة دهوك بإقليم جنوبي كردستان.

العشائر العربية والكردية- توحيد الشعب ضد العدوان الخارجي دفاعاً عن الإرث الحضاري المشترك

وفي سياق إعادة مكتسبات الشعب وحمايتها فقد عقدت العشرات من الاجتماعات مع رؤساء ووجهاء العشائر الكردية بالمنطقة ليتمخض عنها انعقاد اجتماع ملتقى العشائر في منطقة عامودا في 21 من شباط  2013 بحضور ممثلي كافة العشائر الكردية من مدينة سريه كانيه وحتى ديرك والذي وصل عددهم إلى 30 عشيرة بهدف تمتين أواصر أخوة الشعوب واللحمة الوطنية في المنطقة.

حيث لعب المجلس الذي تمخض عن الملتقى دوراً كبيراً في حل نزاعات وخلافات عشائرية في إقليم الجزيرة وأخرى بين الأطراف السياسية بروجافا، كما تواصلت مع العشائر العربية والتنظيمات السياسية والاجتماعية في المنطقة للتوحيد والدفاع عن الإرث الثقافي التاريخي المشترك لشعوب المنطقة.

كما تواصلت الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية مع كافة العشائر العربية في إقليمي الجزيرة والفرات وفي رقة وديرالزور لتعقد عدة ندوات وملتقى عشائري كبير يضم ممثلين عن كافة العشائر والشخصيات السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية بهدف توحيد الشعب ضد العدوان الخارجي والدفاع عن مكتسبات شعوب المنطقة. 

لتلعب هذه العشائر الدور الأبرز فيما بعد في عمليات تحرير مناطقهم من الجماعات الإرهابية، لاسيما في ديرالزور والرقة ومنبج، حيث ناشدت ودعمت قوات سوريا الديمقراطية وبعدها حفزت الشعب على تنظيم نفسها ضمن المجالس لإظهار إرادتها في بناء مجتمعها مكتسبة التجربة من باقي مناطق الشمال السوري المحررة.

غداً: ملف المرأة