منبج... الحقبة السوداء ورفض الخنوع لداعش -3

شهدت مدينة منبج في الفترة ما بين عام 2014 وحتى ما بعد منتصف عام 2016، حقبة سوداء، وتحولت إلى المعقل الرئيسي للمرتزقة الأجانب الوافدين من الخارج عبر الحدود التركية إلى سوريا، دمرت فيها المساجد وقتل الأئمة، وتحولت منبج إلى سجن كبير والحياة الاجتماعية تحولت إلى حياة مأساوية.

منبج... الحقبة السوداء ورفض الخنوع لداعش -3
الجمعة 1 حزيران, 2018   01:15

أكرم بركات /مركز الأخبار

 بعد اندلاع الثورة السورية شارك أهالي منبج في الاحتجاجات المناوئة للنظام، وخرجت منبج في أول مظاهرة بتاريخ 21 نيسان 2011م، وفي 19 تموز 2012 تمكنت بعض الفصائل المسلحة وهي "كتيبة الكرامة، مجاهدي الكرامة، النعمان، القعقاع، العاديات، عمر بن الخطاب، ثوار منبج، شهداء منبج، علي بن أبي طالب، الشيخ عقيل، الحرمين، أم العواصم، جند محمد، السلطان سليمان شاه، البخاري، سيف الإسلام، أحرار سوريا، الأمنية، مجاهدي منبج، فجر الإسلام، رماح الرافدين، جيش الإسلام أحرار الشام، أنصار السنة، صقور الشام، أحرار منبج، الفاروق، عباد الرحمن، القوة 17، الحرس الثوري، عائشة، النصر، فرسان الفرات، أبو أيوب الأنصاري، طارق بن زياد، أجيال المستقبل، أبو عبد الله البكاري، الأمة، الصفا والمروة، ثوار سوريا، كتيبة الصالحين، الشيخ صالح، عمار بن ياسر، أصحاب اليمين، الحريري، هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. من انتزاع السيطرة على مدينة منبج من قبضة النظام السوري.

إلا أن هذه الكتائب لم تقم بأي شيء يذكر لأهالي المدينة، بل قامت بتوزيع المناطق والأحياء والمراكز والمرافق العامة فيما بينهم، وعمت الفوضى المدينة والقرى التابعة، ونشبت خلافات وصلت لحد الاقتتال فيما بينهم، وفي شهر آذار عام 2013 هاجم مرتزقة داعش مدينة منبج وتمكنوا من السيطرة على كامل المدينة في كانون الثاني عام 2014.

بعد أن طرد داعش جميع عناصر تلك الكتائب من منبج، أصبحت المدينة تحت سيطرة المرتزقة بشكل كامل. رحّب بعض الأهالي بهم باعتبارهم دخلوا في البداية تحت اسم الكتائب الإسلامية. وبعدها انكشف الوجه الحقيقي لداعش. وتحولت مدينة منبج الثقافية إلى مدينة تغطيها غيمة سوداء جاهلية.

وتكمن أهمية منبج بالنسبة لمرتزقة داعش كونها تعد طريقاً استراتيجياً يربط بين معقل داعش في الرقة وطريق إمداد رئيس للمرتزقة وقاعدة لاستقبال المرتزقة الأجانب لتدريهم وتصديرهم للخارج، بالإضافة إلى موقعها الجغرافي الحساس القريب من الحدود الشمالية مع تركيا، التي فتحت حدودها بشكل كامل أمام المرتزقة وسهلت لهم كافة الإمكانات اللوجيستية وحتى العسكرية والعدة والعتاد أيضاً لنشر سمومهم بين الشعب السوري.

المعقل الرئيسي للمرتزقة الأجانب

بعد سيطرة مرتزقة داعش على منبج تحولت المدينة إلى المعقل الرئيسي الثاني لداعش والأول للمرتزقة الأجانب الذين كانوا يدخلون إلى سوريا عبر الحدود التركية بتنسيق مباشر مع الاستخبارات التركية. وظهرت عشرات الوثائق تثبت العلاقة الوطيدة بين تركيا وداعش، منها الوثيقة التي عثر عليها مقاتلو مجلس منبج العسكري بعد تحرير المدينة من داعش، المؤرخة بتاريخ 5/7/2014 م، والتي تظهر تسهيل أجهزة تركية عبور مقاتلين أجانب إلى سوريا للانضمام إلى داعش وغيرها، وكذلك تسهيل نقل العتاد والمعدات لداعش سواء من تركيا أو عبرها.

ومن بين الوثائق التي نشرت، الوثيقة التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز والتي تشير إلى أن تركيا تدخل "سماد اليوريا" الذي يدخل في صناعة المتفجرات من تركيا إلى تل أبيض. وكشفت وثيقة أخرى وجود تجارة مباشرة بين تركيا ومناطق سيطرة داعش والعلاقة المباشرة بين داعش وأحرار الشام، وهذه التجارة تتم عبر المعابر على الحدود، فالوثيقة التي تم العثور عليها بحوزة مرتزقة وهي عبارة عن بطاقة تجارة مخصصة للتجارة عبر معبر تل أبيض، مكتوب عليها اسم الشخص التاجر وتحمل الرقم 0227. ومؤرخة بتاريخ 8 نيسان 2015.

كما نشرت وكالتنا عشرات الملفات التي تظهر علاقة تركيا بداعش، والمدن الحدودية التي تحولت إلى بؤر لداعش. وكيفية تجنيد الشباب في مخيم اللاجئين في تركيا.

ماذا فعل داعش في منبج؟

بعد ستة أشهر من احتلال داعش لمنبج بدأت حملات المداهمات على منازل المدنيين بحثاً عن السلاح أو أجهزة الاتصال أو الكمبيوترات، وحتى بحثاً عن المدخنين.

وفي كانون الثاني 2014 أعلنت مرتزقة داعش منطقة منبج ولاية تابعة له. وباشر داعش بفرض نهجه المتشدد على الناس. على مدخل البلدة تطالعك لافتة مكتوب عليها ولاية منبج. تدخل إلى المدينة معظم الجدران أصبحت مطلية باللون الأسود، تتوقف أمام معلمين هامين هما فندق منبج الشهير والمركز الثقافي، أضحيا شبه مدمرين، حولهما داعش إلى مقرّين لها، دهنت جدرانهما باللون الأسود وكتب  عليها شعارات إسلامية. على سبيل المثال: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. وما الحكم إلا لله".

تم إغلاق وحرق كافة محلات بيع التبغ، لا تجد شخصاً يحمل سيجارة في الطريق. كل من يُضبط متلبساً يُجلد أو يُسجن. يسمع صوت الأذان. يبدأ أصحاب الدكاكين والمحال بإغلاق أبواب محالهم لأداء الصلاة في المسجد. تسير سيارات مطلية بالسواد مكتوب عليها: "دولة الإسلام في العراق والشام - ولاية منبج"، ترصد هذه الدوريات كل من يخرق القوانين ويتخلف عن أداء الصلاة. تحت حكم القاعدة تختفي وجوه النساء تحت النقاب. لا تسير المرأة في الشارع من دون محرم. وممنوع للرجل أن يجلس زوجته أو أخته أو ابنته خلفه على الدراجة النارية، إحدى أهم الوسائل التي يستخدمها الناس في المدينة وربما في كل سورية.

يتجمهر أبناء منبج عنوة وسط المدينة حين تنادي "داعش" لإقامة حدّ على سارق أو زانٍ أو مرتد. يوضع الرجل في ساحة المدينة على خشبة مرتفعة عن الأرض ويقام عليه الحد أمام الملأ حتى يكون عبرة لغيره. قام داعش بإزالة المعالم الأثرية للمدينة بحجة أنها معالم وثنية. وباشر داعش بكسر الأضرحة داخل المقابر التي تعلو فوق سطح الأرض.

تدمير المساجد.. وقتل الائمة!

دمر داعش المساجد في المدينة، ففي أيار 2014 فجر مرتزقة داعش مسجد الشيخ عقيل المنبجي أحد كبار الصوفية بسبب وجود ضريح الشيخ داخل الجامع، ومنعوا أهالي المنطقة من تشييد أي بناء مكانه، "حتى الأموات لا يسلمون من شر داعش". بعدها سيطر داعش على المساجد وعزل الأئمة والخطباء، وعيّن مكانهم خطباء جدداً يحملون فكر داعش.

رفض إمام الجامع الكبير محمد سعيد الديبو تسليم مسجده، وكان ينتقد تصرفات "داعش" ويعتبرها منافية لتعاليم الإسلام. قام التنظيم باعتقاله، خرج الناس بتظاهرات للمطالبة بإطلاق سراح شيخهم، أفرج عنه داعش، ليقتله بعد أسابيع أثناء ذهابه إلى المسجد لأداء صلاة الفجر.

قام داعش بفتح دورات شرعية لمعظم أبناء منبج على نهجهم في كافة مساجد منبج، كانوا يجلسون الطلاب على الأرض بدلاً من الجلوس على الطاولات. يرسخون في عقولهم أن الإنسان يعيش في الدنيا لتطبيق حكم الله في الأرض، وأن السبيل للوصول إلى هذه الغاية هو الجهاد وبغية ترسيخ هذه الأفكار في عقول الناس.

هذه الدورات كانت شاملة لجميع الذكور وملزمة، كما أغلق داعش جميع مدارس منبج، وألزموا جميع المعلمين والمعلمات بتوقيع أوراق استتابة والخضوع لدورات شرعية من أجل افتتاح المدارس، وافتتحوا المدارس على شكل تجمعات، بدمج كل 10مدارس بمدرسة، وكان إقبال الطلاب يكاد يكون معدوماً بنسبة لا تتجاوز 5 %.

وأغلق داعش جامعة ابن خلدون التي تتضمن كانت عدداً من الفروع العلمية، بالإضافة إلى منع طلبة الجامعات الأخرى من الخروج من مناطق سيطرته لمتابعة دراستهم.

ونشر داعش الرعب في المدينة وكل من يخالفه هو مرتد وكافر ويحل دمه. لذا انتفض أهالي مدينة منبج أمام ممارسات مرتزقة داعش أكثر من 17 مرة، أولها كان بداية شهر حزيران من عام 2014، وقتل بعد التظاهر قرابة 21 شخصاً في المدينة.

حول مرتزقة داعش ساحات منبج المليئة بالورد إلى ساحات لنحر البشر. ونحر المرتزقة 260 شخصاً على دوار السفينة فقط، عدا عن دوار الجزيرة، والبطة، والدلة، ودوار الكرة الأرضية.

وأظهرت الصحيفة في تقريرها الصادر مؤخراً، صوراً تعرض مشاهد اتبعها داعش، ضد المعتقلات في سجون المرتزقة، ومن بينها وسادات مخضبة بالدماء ووسادات قذرة منتشرة على أرضية الزنزانات، وتم العثور في السجن على أدوات تعذيب وحشية ومخدرات ووسائل منع حمل ومنشطات جنسية.

حياة مأساوية

وتحولت منبج بعد سيطرة داعش إلى سجن كبير وتحولت الحياة الاجتماعية إلى حياة مأساوية، كل شخص معرّض للتفتيش في أي لحظة لدرجة أن أحداً لم يستطع حمل هاتف الجوال، وباشر عناصر ما كانوا يسمون بعناصر "الحسبة" يقومون بتفتيش معظم أبناء المدينة. وصادر المرتزقة أملاك ومنزل كل من كان خارج المدينة، مهما كان توجهه السياسي.

واستولى المرتزقة على مستودعات الأعلاف والمطاحن ومستودعات القمح والممتلكات العامة المتمثلة بأملاك الأوقاف والكهرباء والبلدية والصحة والتربية والمصارف. وفرض ضرائب باهظة على الصاغة وجميع المحلات التجارية الخاصة، ورفع المرتزقة إيجارات مئات المحلات التجارية التي تعود ملكيتها للأوقاف من مبلغ خمسة آلاف ليرة سنوياً إلى مبالغ تتراوح بين 25000 وحتى 200000 ليرة سورية شهرياً، كما حوّل المرتزقة الساحات العامة وبعض الحدائق وسط المدينة إلى أسواق بعد أن أزال الأشجار وبنى الأكشاك الخشبية فيها وعهدها لمستثمرين.

وتحولت منبج في تلك الفترة إلى سجن كبير، حيث منع أهالي المدينة من الخروج وتحولت الساحات العامة والمستديرات لمذابح بشرية تقام فيها حفلات الإعدام بشكل أسبوعي تقريباً لإرهاب المواطنين.

ممارسات داعش بحق كرد منبج

كما مارس داعش منذ البداية سياسة التطهير العرقي بحق المكون الكردي، حيث صادر دور ومحال المواطنين الكرد، وقتل وسجن منهم العشرات، إضافة إلى طرده الآلاف الآخرين، وجعله المدينة وريفها منصة لشن هجمات على مقاطعة كوباني المحاذية لمنبج.

أول شعب تمرد على داعش

على الرغم من ممارسات داعش الترهيبية والحصار الخانق، لم تنكسر شوكة أبناء منبج، فظل متمرداً على الواقع الذي صنعه داعش، وتتميز منبج عن سواها من المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش بأنها تمردت على داعش وحكمهم، فعمد أهلها إلى إضراب مفتوح يوم الأحد 18 أيار 2014 احتجاجاً على ممارسات داعش، واعتقل المئات ممن رفضوا الاستجابة لأوامر داعش بافتتاح محلاتهم وأعدم عدد من المضربين.

ووصل الحال بأهالي مدينة منبج إلى إدراك أن لا سبيل أمامهم إلا الموت خنقاً أو الموت بشرف، وما كان لأهالي منبج سوى الاستنجاد بمجلس منبج العسكري الذي تأسس في2 نيسان 2016، لتخليصهم من ظلم وبطش المرتزقة. وفي 1 حزيران 2016، أطلق مجلس منبج العسكري الذي يتألف من” كتائب شمس الشمال، ثوار منبج، تجمع ألوية الفرات، لواء جند الحرمين، تجمع كتائب شهداء الفرات، لواء القوصي، كتيبة تركمان منبج” حملة باسم حملة تحرير مدينة منبج وريفها من مرتزقة داعش، وفي 5 حزيران 2016 وإبان استشهاد القائد العام لكتائب شمس الشمال فيصل أبو ليلى، تحول اسم الحملة إلى حملة الشهيد القائد فيصل أبو ليلى إكراماً واحتراماً لبطولاته التي قدمها خلال الثورة.

غداً: منبج...فجر الـ12 من آب تاريخ لن ينساه أبناء المنطقة

(د ج)

ANHA



" title="YouTube video player" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" allowfullscreen>