الجنوب السوري وصولاً إلى التنف .. معركة تنافسها رياح التسوية

ثمة تحولات ومداخلات عديدة في الصراع السوري، حصلت مؤخراً، لا بد أن تؤثر على طرفيه المباشرين، أي النظام وما تسمى "المعارضة"، وعلى المسارات المستقبلية لهذا الصراع الطويل والمضني والمدمر, ولعل أهم تحولات ومداخلات هذه المرحلة هي محاولة تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا.

الجنوب السوري وصولاً إلى التنف .. معركة تنافسها رياح التسوية
الخميس 31 مايو, 2018   02:09

مركز الأخبار / يحيى الحبيب

تتجه الأنظار هذه الفترة إلى الجنوب السوري، مع حسم قوات النظام المعارك على جبهات محيط دمشق، واستعادة المناطق التي كانت خارج سيطرتها، ضمن اتفاقات ترحيل للمرتزقة التي كانت تسمى المعارضة إلى الشمال، وتهجير للسكان.

الأهمية الاستراتيجية للجنوب

يتمتع الجنوب السوري بأهمية مزدوجة وكبيرة لجميع الأطراف الموجودة على الساحة السورية، فبالنسبة للنظام السوري يمثل معبر "نصيب" الحدودي مع الأردن، شريان الحياة اقتصادياً، كما أنه يعتبر مدخلاً له لترتيب وضعه الإقليمي، فيما لو تمكن من إعلان سيطرته عليه، رسمياً.

أمّا بالنسبة لإيران، فأهمية الجنوب السوري، تعتبر بالغة، فالجنوب المشمول باتفاق خفض تصعيد تضمّن إبعاد القوات التابعة لإيران، لمسافات مختلفة، سواء عن الحدود الأردنية أو الحدود مع إسرائيل، كما تحدث مراقبون خلال الأيام القليلة الفائتة عن أن الروس يحاولون إبعاد المقاتلين المرتبطين بإيران من المنطقة المذكورة.

والجنوب السوري بالنسبة لإيران، استراتيجي، لأنه يمكّنها من استخدام "ورقة" إسرائيل، للضغط الدولي، ثم فرض أجندتها على المنطقة.

وكذلك فإن الجنوب السوري يشمل منطقة "التنف" التي تضم حدوداً مع الأردن والعراق، وهي تسعى لفرض سيطرتها عليه، لخلق جيب واسع في البادية السورية، يضمن لها حرية التنقل، من الجنوب إلى الشرق، في المنطقة الممتدة في بادية الشام التي هي أكبر المناطق السورية، وتصل حدود البلاد من حمص إلى لبنان، ومن حمص إلى حدود العراق.

وتعمل إيران جاهدة، لإفراغ الجنوب السوري، من أي وجود للمعارضة، لتكمل تأمين الربط مع حدود العراق التي تتجه جنوباً في "التنف" وشرقاً عند دير الزور.

وبالنسبة لإسرائيل وحلفائها روسيا وأمريكا، تعتبر هذه المنطقة مهمة ويجب إبقاءها بعيداً عن سيطرة إيران وحزب الله لإطلالتها على إسرائيل، وبالتالي التمركز الإيراني فيها يعني التهديد المباشر لها ولأمنها.

اتفاقية خفض التصعيد في الجنوب

اتفقت الولايات المتحدة وروسيا والأردن على وقف لإطلاق النار و”خفض التصعيد” في جنوب غرب سوريا في 9 يوليو 2017 خلال اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة مجموعة العشرين في مدينة هامبورغ الألمانية.

يدعو هذا الاتفاق، إلى منع القوات التي تدعمها إيران من التوسع الاستراتيجي في الأراضي السورية وتحديداً بمحاذاة حدود إسرائيل والأردن.

وذكرت مجلة فوررين بوليسي وقتها أن مذكرة التفاهم الموقعة حول مناطق تخفيف التوتر في جنوب سوريا، تؤسس لوقف إطلاق النار بين القوات السورية الحكومية و"فصائل المعارضة المسلحة".

وتنص على تحويل مناطق جنوبي القنيطرة والسويداء إلى شريط مغلق أمام المقاتلين من أصول غير سورية، بمن فيهم العسكريون الإيرانيون وأنصارهم والمقاتلون المرتبطون بتنظيم القاعدة ومرتزقة داعش.

ورأى المتابعون في اتفاق الهدنة خطوة إيجابية واستيعاباً لفكرة أن لا مجال لأي تغيير أو حل في سوريا بعيداً عن التعاون بين واشنطن وموسكو.

واعتبروا أن الولايات المتحدة الطرف الرابح فيه، لأنه من جهة سيمنع القوات التي تدعمها إيران من التوسع الاستراتيجي في الأراضي السورية وتحديداً بمحاذاة حدود إسرائيل والأردن، ومن جهة أخرى يجعل الأميركيين في نفس الصف، ولو نسبياً، مع الروس الذين يتمسكون إلى حد الآن بالأوراق الرابحة في الملف السوري، وإن كانت محصورة بالدور الإيراني.

وكان التفكير الأمريكي وقتها يتأسس على إيجاد مناطق عازلة تخفف من النفوذ الإيراني في سوريا. وتدرك واشنطن أن إيران تغلغلت في سوريا إبان عهد أوباما، وأنه من الصعب إخراجها، لكن بالمقدور قطع تواصلها البري مع النظام السوري؛ وكذلك إبعادها عن حدود الأردن وإسرائيل.

وبالمثل يخدم الاتفاق الروس لأنه يعزز أوراقهم في سوريا والمنطقة، حيث يلقى الاتفاق ترحيب الأردن وإسرائيل ويضعف النفوذ الإيراني في سوريا لصالحهم.

ويلبي الاتفاق الأميركي الروسي رغبة الأردن في عدم تواجد ميليشيات قد تسعى إلى زعزعة الأمن على حدودها ونفس الحال ينطبق على إسرائيل.

التنف .. جغرافية صحراوية غنية بالتجاذب الإقليمي والدولية

في ظل الحديث والأهمية الكبرى التي تعطيها روسيا والنظام السوري وإيران للجنوب السوري فإن أعينهم تتجه صوب منطقة التنف.

وتحولت البادية السورية خلال عام 2017 لساحة صراع دولية وإقليمية وخاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإيران.

حيث تقع قاعدة التحالف الدولي في التنف ضمن جيب عسكري بدائرة قطرها 55 كم، ويحظر البنتاغون الاقتراب منها تحت طائلة التدمير.

وتكتسب منطقة التنف أهمية قصوى، نظراً لجمعها حدود بلدان هي سوريا والعراق والأردن. إلا أن الحدود، هذه، تعني لحلفاء الأسد، في طهران، أهمية مختلفة.

التنف بالأعين الإيرانية .. ممر إلى البحر المتوسط

طهران، تنظر إلى معبر "التنف" على أنه ممرّ بضائع عسكرية وأيديولوجية، حيث يمثل لها "التنف" طريقاً لنقل السلاح من أراضيها، عبر العراق، ثم إلى سوريا ولبنان، ودول أخرى.

تتعامل طهران مع "التنف" على أنه نقطة حيوية بالغة الأهمية توصلها إلى البحر المتوسط، خصوصاً أن النظام السوري كان عقد معها اتفاقيات، ورد في بعضها منح طهران حق التنقيب والاستثمار في الفوسفات السوري بمنطقة حمص، وأنشأ لأجل ذلك مجموعة جديدة من سكك الحديد التي تربط بادية حمص بمدينتها، وكذلك سارع لإنشاء سكة حديد جديدة ما بين ميناء طرطوس على البحر المتوسط، ومنطقة فوسفات حمص، قال إنها لتسريع عملية التنقل ما بين المنطقتين. إلا أن نقطة الوصل ما بين "فوسفات حمص" وميناء طرطوس المتوسطي، يمكن استخدامها في أكثر من مجال، يؤمن لإيران خط النقل العسكري والإمداد المرتبط به.

الموقف الروسي من التنف طالما كان تفاوضي  

فيما تنظر موسكو لقاعدة التنف بعين الريبة حيث اتهمت وزارة الدفاع الروسية في بيان لها بشهر تشرين الأول الماضي القاعدة بأنها تلعب دوراً مشبوهاً في سوريا.

وحول الريبة الروسية من قاعدة التنف، يرى مراقبون بأن أمريكا تعتبر القاعدة نقطة ارتكاز مهمة لتهديد طريق القوات التابعة لإيران البري باتجاه دمشق، وبدرجة أقل لتهديد المصالح الروسية في البادية، وقد تستخدمها مستقبلاً كورقة مساومة في صيغة الحل النهائي في سوريا.

ولقي قصف قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن، لقوات "موالية للنظام السوري" قريبة من منطقة معبر التنف إدانة من جانب روسيا، عبر تصريحات رسمية. إلا أن التحذير الذي وجّهته واشنطن لقوات النظام بعدم الاقتراب من منطقة التنف، فُهِم على أنه بداية ملامح اتفاق ممكن مع الروس على تحديد منطقة آمنة في الجنوب السوري.

وأمام صراع المصالح الإقليمي والدولي المعقد الذي تشهده سوريا يبدو أن الواقع الذي فرضته ظروف الحرب الدولية على مرتزقة داعش ونتج عنه سيطرة النظام والقوات الموالية لإيران على البادية السورية، لن يكون نهائياً، وسيكون لقاعدة "التنف" دوراً مهماً في تحديد الجهة التي ستحكم سيطرتها على البادية السورية مستقبلاً.

ورغم طبول الحرب التي تدق اليوم حول معركة كبرى في الجنوب السوري، تستعد قوات النظام السوري للقيام بها، في إطار استراتيجية استعادة السيطرة على أوسع مساحة من أراضي سوريا، خاصة بعد أن سيطرت على حزام دمشق في الغوطة ودوما ولاحقاً في مناطق مخيم اليرموك ضد داعش، إلا أن محاذير كثيرة وجدية تحيط بهذه المعركة المنتظرة.

النظام بدعم روسي يحشد قواته دون أفق واضحة

تدرك روسيا محاذير فتح جبهة الجنوب السوري وتأثيرها على علاقاتها مع أمريكا وإسرائيل ومع الأردن، لذا شرعت منذ مدة بعيدة بالتعاون مع قوات النظام السوري، بممارسة ضغوط على فصائل وأهالي الجنوب السوري لإنجاز مصالحات مع النظام.

ومع ذلك فإن سيناريو إمكانية البدء بفتح معركة الجنوب السوري يبقى سيناريو قائماً، في ظل حسابات معقدة للاعبين في المنطقة، والأردن هو الطرف الأكثر تضرراً من هذه المعارك في حال وقوعها، لأسباب أمنية مرتبطة بتداعيات نشوء مزيد من الفوضى على حدوده، إضافة لاحتمالات تدفق موجات جديدة من اللجوء والتي لم يعد يتحملها الأردن في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة، وعدم قدرة حقيقية على القيام بأعباء اللاجئين لديه منذ بدء الأزمة السورية.

ومن المؤكد أن هناك جاهزية أردنية عالية للتعامل مع أية مستجدات في حال وقوع معركة الجنوب، إلا أن كافة سيناريوهات ما بعد المعركة، إن وقعت، سترتب أعباء جديدة على الأردن، وهوما يتطلب فتح الباب مجدداً لبحث خيارات تجاه اللجوء السوري على طريقة تركيا ولبنان وأوروبا.

الجنوب السوري؛ رياح التسوية تبدو أقرب من المعركة

وفي هذا السياق أشارت الكاتبة فرح مرقه إلى أن ساعة الحسم تدنو في الجنوب السوري على ما يبدو بينما تراقبها العاصمة الأردنية عمان، ورغم أن القائم بأعمال السفارة السورية في عمان أيمن علوش صرح ليلة السبت- الأحد، أن حكومة بلاده “قد لا تضطر إلى معركة” في المنطقة، مادحاً الدور الأردني في ذلك، إلا أن الولايات المتحدة تستعدّ بكامل قدراتها في الجنوب، بينما انسحبت قوات إيرانية أو تابعة لإيران، فيما تأهبت إسرائيل، والجيش السوري يحذّر، والمجموعات المسلحة مستنفرة.

الأطراف جميعاً مستنفرة، وغياب الوجود الإيراني لم يحدث فرقاً حقيقياً في الرصد الإسرائيلي ولا ردود الفعل الأمريكية، والأنباء من الجنوب تزيد احتمالية المعركة وتسعى نحوها، وإن كانت في تلك المنطقة تحديداً أشبه بالرقص على الحبال وكلّها مخاطر لا زالت بمستويات مرتفعة، رغم انسحاب الإيرانيين من المشهد في الجنوب عملياً.

جانب من احتمالات انفجارات المنطقة بمجرد بدء معركة يعود للتهديد الأمريكي باتخاذ اجراءات “صارمة” بحق دمشق في حال انتهكت اتفاق وقف إطلاق النار، غداة إلقاء النظام منشورات فوق محافظة درعا الجنوبية تحذر من عملية عسكرية وشيكة.

الجانب الأخطر الآخر هو بالاستعدادات الاسرائيلية سواء التي يمكن أن يقوم بها إسرائيليون أو حتى وكلاء من التي تدعمها إسرائيل في الجنوب السوري، وهو ما لم يعد يخفيه المسؤولون الإسرائيليون، وهو ما قد يشكل جبهة مستعصية ضد الجيش السوري.

تلافياً لذلك كله، قد تكون أي “مقاربة سلمية” أكثر فائدة للجميع، وهو ما بدأ به النظام السوري في إبداء الرغبة به عبر منشورات في درعا تحمل صورة مقاتلين قتلى مرفقة بتعليق “لا تكن كهؤلاء. هذه هي النهاية الحتمية لكل من يصر على الاستمرار في حمل السلاح (…) اترك سلاحك قبل فوات الأوان”، وتوجهت المنشورات إلى أهالي درعا تدعوهم لمشاركة الجيش في “طرد الإرهابيين”. ووقعت باسم “القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة”.

المنشورات بهذا المعنى تحاول تحييد ما عرف بجيش العشائر، بصورة تضمن الانتقال للعقدة الثانية المتمثلة بالقاعدة الأمريكية في التنف.

بكل الاحوال، رياح التسوية تبدو أقوى من المعركة، وإن كان لا ضمانات لأحد في أن تنتصر التسويات بمنطقة شديدة التعقيد كالجنوب، إلا أن الشراكات المستجدة التي تنسجها عمان ودمشق مؤخراً بحد ذاتها تدعو على شيء من التفاؤل، خصوصاً والعاصمتان في أشد الحاجة لمتنفس اقتصادي على الأقل.

(ح)

ANHA