منبج...بين السياسة العثمانية والبعثية -2

اكتسبت منطقة منبج مكانة تاريخية واستراتيجية بفضل موقعها الفاصل بين شرقي نهر الفرات وغربيه، وقربها من نهر الفرات والحدود السورية التركية ومدينة حلب، كما تُعد صلة الوصل بين مختلف مناطق الريف الشرقي والشمالي لحلب، لذلك ظلت دائما مركزاً للحراك الثقافي والاجتماعي الحي. وحاول كل من العثمانيين والنظام البعثي إبان حكمهما على منبج تغيير ديمغرافيتها وتهجير سكانها.

منبج...بين السياسة العثمانية والبعثية -2
الخميس 31 مايو, 2018   01:17

أكرم بركات/منبج

بعد غزوة تمورلنك لشمال سوريا سنة 804 هـ/ 1401م، واحتلاله لمنبج وجعلها مقراً لقيادة حملته على سوريا وإقدامه على هدمها، بحيث لم يبقِ حجراً فوق حجر، وترك جنوده يفتكون بسكانها، تحولت مدينة منبج إلى مدينة خاوية على عروشها، وتوقفت الحياة في منبج التي بقيت مهجورة قرابة الـ 500 سنة أي حتى بدايات عام 1900.

ووصف الرحالة هنري ماندريل وهو كان أكاديميًا في جامعة أكسفورد، وكاهنًا أنغليكانيًا، ومرشداً لشركة المشرق في سوريا أثناء زيارته لمنطقة منبج في عام 1697م قائلاً : "لم يبق لهذا المكان من عظمته شيئاً" لقد كانت منبج مدينة مدمرة تماماً، ويعمها الخراب والفوضى، و في الجهة الشرقية ما يزال بعضاً من أجزاء سور المدينة سليماً و لم يدمر بعد، وفي الجهة الغربية من المدينة توجد حفرة عميقة، مليئة بالماء، بقطر 100 ياردة (91,4 م )، ويضيف "على ما يبدو أن هذه البحيرة الصغيرة كانت محاطة بأبنية عظيمة"، وقد استنتج وجود هذه الأبنية العظيمة من خلال الأعمدة والحطام المتبقي حول هذه البحيرة.

وفي عام 1850م زار الكولونيل تشيسني وهو جنرال ورحالة بريطاني، إيرلندي من أصل اسكتلندي مدينة منبج ووصفها بالقول "إنها مدينة محطمة تقع وسط سهل صخري في مكان منعزل".

ترحيل 350 عائلة شركسية لمنبج

وبهدف تغيير ديمغرافية منطقة منبج قام السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام 1878 بإرسال 350 عائلة شركسية إلى منبج، ليقيموا فيها ويصبحوا من مواطنيها، وفي نفس الآونة قامت الدولة العثمانية بحملة إبادة ضد الأرمن استمرت حتى عام 1923.

ولمنح المدينة طابعاً عثمانياً قامت الدولة العثمانية في عام 1904 ببناء حمام للعامة في السوق وكتب عليها باللغة التركية "السلطان يبارك لأهل المدينة بهذا الحمام". بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى بين 1914- 1918 تحالفت الدولة العثمانية مع مجموعة دول المحور الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية ومملكة بلغاريا. ضد المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا، فرنسا والإمبراطورية الروسية.

وقامت الدولة العثمانية في تلك الآونة بإعلان النفير العام (سفربلي) واقتادت كل من يستطيع حمل السلاح في المناطق الخاضعة لسيطرتها وزجهم في الحرب الدائرة ومن بين هذه المناطق منطقة منبج.

ومن أبرز نتائج الحرب العالمية سقوط الامبراطورية العثمانية وتقسيم المشرق العربي بعد الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين إلى كانتونات تخضع لسيطرة دول الانتداب ضمن ما عرف باتفاقية سايكس بيكو، فوضعت سوريا ولبنان والموصل تحت الحكم الفرنسي والأردن فلسطين تحت الانتداب الإنكليزي.

ظل وضع منطقة منبج على ما هو عليه بعد الانتداب الفرنسي وحال جلاءه عن سوريا، والتطورات التي حصلت في تلك الآونة تمت عن طريق أبناء المنطقة وسكانها الأصليين.

بعد جلاء الانتداب الفرنسي عن سوريا عام 1946، أخذ الناس يمارسون الديمقراطية وينضمون إلى الأحزاب السياسية المختلفة، وبدأت المدارس تنتشر في منبج وقراها. وإنشاء أول مركز ثقافي في منبج باسم المركز الثقافي العربي في منبج.

البعث انتهج نهج تركيا في منبج

وأثناء استلام حزب البعث العربي على مقاليد الحكم في سوريا، وبهدف إحكام قبضته على سوريا، مارس النظام البعثي سياسة ضرب المكونات بعضها بعض، وتهجير البعض من موطنهم وتوطينهم في مناطق أخرى، وبشكل خاص بحق أبناء روج آفا حيث طبق فيها سياسة بموجب مشروع محمد طلب هلال، وبحجة غمر مياه بحيرة سد الفرات لقرى منبج الجنوبية أصدرت حكومة حزب البعث قراراً بترحيل الآلاف من العوائل من هناك إلى إقليم الجزيرة الحالي، وتم توطينهم على طول الشريط الواصل بين مدينة سريه كانية وحتى مدينة ديرك على شكل 43 مستوطن وتعرف حالياً باسم (الغمر).

سياسات النظام البعثي بحق أبناء منطقة منبج لم تتوقف أبداً، ففي عام 1982م طوقت دبابات النظام مدينة منبج بعض قرى منبج بسبب انضمامها للحراك المناهض لسيطرة حزب البعث على حكم سوريا وانفراده بالسلطة من قبل الإخوان المسلمين، ونشر النظام في تلك الفترة الخوف والرعب في كل مكان. وفي عام 1999 أجبرت حكومة البعث المئات من أهالي القرى المحاذية لنهر الفرات في منبج على الرحيل إلى ريف مسكنة، لأن قراهم وأراضيهم غُمرت بمياه سد تشرين.

لم تشهد مدينة منبج أي تطور  رغم موقعها الاستراتيجي إبان حكم حزب البعث، على العكس حاول النظام جاهداً تشتيت وتفكيك منبج التي تتمتع بالطابع العشائري وحاول النظام وساهم إلى حد كبير بإحداث خلافات ونعرات بين أبناء عشائر منبج، عبر منح بعض الامتيازات لبعض العشائر على حساب الأخرى.

أبرز عشائر منبج 

وتوجد ضمن مناطق منبح عشائر كثيرة منها عربية ومنها كردية؛ فالعشائر العربية يوجد منها أكثر من 30 عشيرة وكل عشيرة لها عدّة أفخاذ ومن أبرز هذه العشائر:

بني سعيد والبوبنا، الغنايم، الخنافرة، المجادمة، البكارة، البوسلطان، بني عصيد، الولدة، التركمان، النعيم، ولدعلي، البرق، الجلاد، الخراج، الدمالخة، العون، الغلاض، البوصلاح، الحمدون، بني جميل، البوعتيق، العميرات، الشريرات، والمسرات، والبودبش، وشمر، والبراغشة، والعجلان، والبوبطوش، وعجيل بني سعيد، والشيوخ، والبوعجور، الجعابرة، الحسان، المفاليج، الحليسات، الحريصات، الصريصات، التوامات، الحديديين البوخميس، البومسرة، الوردات، البومانع، خفاجة، والغانم، الجعابات، البوحسن، الصعب، أبوعيسى، الحديفة، الغراويين، العدوان، السبخة أبو مسلم، الخايط، الجيسات والقرامطة.

كما يوجد تواجد قوي لعدة عشائر كردية مثل عشيرة الكيتكان ولها أفخاذ كثيرة في المدينة إضافة إلى عشائر قرو بك وعلي دين وغيرها.

بعد اندلاع الثورة السورية شاركت منبج في الاحتجاجات المناوئة للنظام وخرجت فيها أول مظاهرة بتاريخ 21 نيسان 2011م، وتمكنت بعض الفصائل المسلحة من السيطرة على مدينة منبج في 19 تموز 2012م، ولم تتمكن تلك الفصائل من إدارة المنطقة وقامت بسلب ونهب آثار المدينة وكل ما تواجد فيها بحجة الثورة، بالرغم من تعيين تلك الفصائل مجلس محلي لمنبج.

بعد سيطرة الفصائل المسلحة على منبج عمت الفوضى أرجاء المدينة والمنطقة، وتنازعت تلك الفصائل فيما بينها، حتى كانون الثاني 2014م حيث سيطرت مرتزقة داعش على كامل المدينة وتحولت مدينة منبج الثقافية إلى مدينة تغطيها غيمة سوداء.

غداً: منبج... الحقبة السوداء ورفض الخنوع لداعش

(د ج)

ANHA



" title="YouTube video player" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" allowfullscreen>