الملف النووي الإيراني .. زخم على مدار أعوام وتفاعل ٌمع كل مشاكل العالم - 1

بدأ الملف النووي الإيراني بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، وساعدتها أيضاً عدد من الدول في تطوير برنامجها الذي تقول عنه إيران إنه للأغراض السلمية، ولكنه في حقيقة الأمر هو لتهديد أعدائه وللتحول إلى قوة هيمنة عظمى في الشرق الأوسط.

الملف النووي الإيراني .. زخم على مدار أعوام وتفاعل ٌمع كل مشاكل العالم - 1
الإثنين 30 نيسان, 2018   01:15

النووي الإيراني ... النشأة والمراحل التي مرّ بها

مركز الأخبار / يحيى الحبيب

تعد إيران دولة محورية في الشرق الأوسط, تسعى لفرض هيمنتها وقوتها الدولية باستخدام ورقة الملف النووي, وأيضاً بحجة حماية أمنها القومي والإقليمي، حيث تصرح دائماً بأن إسرائيل أيضاً تمتلك سلاحاً نووياً وهو خطر على أمنها ومستقبلها وهي تنظر بذلك إلى عمل توازن في القوى في ظل سباق التسلح. وفي هذا الملف المؤلف من جزأين سيتم التطرق إلى نشأة الملف النووي والمراحل التي مرّ بها.

نشأة الملف النووي بمساعدة الولايات المتحدة

تعود نشأة الملف النووي إلى خمسينيات القرن العشرين بمساعدة من الولايات المتحدة, وذلك في إطار برنامج «الذرة من أجل السلام» الذي أطلقه الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور عام 1953م ويتجلى في فتح الطريق النووية أمام دول العالم، من خلال نقل التكنولوجيات النووية.

أول اتفاق نووي بين أمريكا وإيران حدث سنة 1957، وانطلاقاً من سنة 1960 حصلت إيران على أول مفاعل للأبحاث، يسمى TRR ، بقوة 5 ميغاواط، وشيد في جامعة طهران عملياً سنة 1967، وهناك منشآت نووية أخرى تم تشييدها في أصفهان سنة 1990 إلا أن مفاعل مركز الأبحاث ظل منذ 1967 أقوى مفاعل للأبحاث بمستويات استخدام مهمة نسبياً.

ووقعت إيران معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) في عام 1968، وصادقت عليها عام 1970، مما جعل البرنامج النووي الإيراني موضوعاً للتحقق لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ومع مطلع الستينات, انعدم النفوذ السوفييتي, وبلغ النفوذ الأمريكي الذروة, فقد وصل عدد الخبراء والمستشارين الأمريكيين في إيران أربعين ألفاً من المدنيين وأصبح نظام الشاه حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة في حربها ضد الاتحاد السوفيتي السابق والكتلة الشيوعية وهو ما تبلور بوضوح في انضمام إيران إلى حلف بغداد عام 1955م وهو الحلف الذي كانت الولايات المتحدة قد أقامته ودعمته كجزء من سلسلة الأحلاف العسكرية التي أقامتها حول الاتحاد السوفيتي وفي فترة الحرب الباردة وحتى قيام "الثورة الإسلامية" في إيران, كانت الحدود السوفييتية – الإيرانية تشكل أحد خطوط التماس المباشرة بين المعسكرين الشرقي والغربي في حينه، وبعد حرب أكتوبر 1973 تطورت العلاقة الأميركية الإيرانية أكثر حيث امتنع الشاه عن الدخول في لعبة استعمال النفط كأداة ضغط على أميركا وتمكنت من ضخ بترولها في الأسواق العالمية وبكميات كبيرة وسدت الاحتياج المطلوب في وقته.

ومع عام 1975م، بدأ المشرع النووي الإيراني السلمي يأخذ طريقه لإنتاج الطاقة الكهربائية، كان طموح شاه إيران كبيراً حيث شده طموحه لبناء 23 مفاعلاً نووياً لإنتاج الطاقة الكهربائية، وبمدة قصيرة جداً وعلى مرأى ومسمع من الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن العقد الذي أبرمه الشاه مع الشركة الألمانية كرافت وورك في عام 1975 قد سبب إزعاجاً كبيراً للولايات المتحدة الأمريكية. وكان فحوى العقد هو بناء مفاعل نووي في منطقة بوشهر بقدرة 1200 ميغاواط تنفذه شركة سيمنز الألمانية. ولإرضاء الولايات المتحدة الأمريكية، قام الشاه بتوقيع معاهدة مع معهد ماسيوشست التكنولوجي لتدريب 800 مهندس وفني إيراني لإدارة وتشغيل مفاعل بوشهر عند الانتهاء منه، كما تعاقد الشاه عام 1974 مع الحكومة الفرنسية لبناء مفاعلين نوويين، قدرة كلاً منهما950 ميغاواط، إلا أن هذين المفاعلين لم يريا النور أبداً كنتيجة لقيام "الثورة الإيرانية" وسقوط الشاه في العام 1979م

النووي الإيراني بعد سقوط الشاه .. الانتقال من الحلف الأميركي إلى الروسي

بعد سقوط الشاه، توقف البرنامج النووي الإيراني من عام 1979 إلى عام 1984 نتيجة للحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988) من ناحية، ومن ناحية أخرى لأن قائد الثورة الإيرانية الإسلامية (الإمام الخميني) كان له رؤيا أيديولوجية تتمثل في تحريم استخدام أسلحة الدمار الشامل.

وأدى قيام الثورة الإسلامية عام 1979م إلى الإطاحة بنظام الشاه, وتصفية الوجود الأمريكي في إيران, وحل الحلف السياسي العسكري “السنتو” الذي أقيم برعاية أمريكية – بريطانية, وكانت إيران عضواً فيه. وعقب قيام الثورة الإسلامية عام 1979م في إيران, سعت طهران إلى إظهار نفسها وكأنها مستقلة عن القوتين العظميتين في إطار شعارها “ثورة إسلامية, لا شرقية ولا غربية”, واعتبر قادة الثورة الإيرانية الاتحاد السوفييتي ”الشيطان الثاني” بعد الولايات المتحدة التي اعتبروها “الشيطان الأكبر”, وتأزمت العلاقات بين موسكو وطهران أكثر بسبب سيطرة الاتحاد السوفييتي على أفغانستان عام 1979م, والذي اعتبرته إيران تهديداً لأمنها القومي.

وفي عام 1980م اندلعت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت 8 سنوات, حيث خرجت منها إيران منهكة تسعى بعد ذلك لإعادة ما دمرته الحرب, وتبحث عن طريق تحالف جديد بعد العزلة التي فرضتها عليها الدول الغربية في سياستها الخارجية، حيث وجدت طريق موسكو هو الأقرب, بعد ذلك أتت زيارة هاشمي رافسنجاني للاتحاد السوفييتي في عام 1989م نقطة تحول وتعاون وإنهاء العداء بين البلدين, حيث أقر الاتحاد السوفييتي وإيران بعد ذلك برنامجاً للتعاون في المجالات الاقتصادية والعلمية والتقنية.

إحياء الملف النووي من جديد

هنالك العديد من العوامل التي أدت لإحياء إيران برنامجها النووي ومنها فقدان إيران لحليفها القوي (الولايات المتحدة الأمريكية) مما شكل تحدياً جعلها تشعر بالخطر أكثر من ذي قبل.

وبدء الشعور بأن قدرات العراق النووية كانت آخذة في التصاعد، وكانت الولايات المتحدة تدعمها في حربها مع إيران واستخدام العراق الصريح والمباشر لأسلحة الدمار الشامل في حربها مع إيران وبروز حلفاء لإيران كالصين وكوريا الشمالية وليبيا وسوريا كلاعبين مهمين في تزويد إيران بالأسلحة والإمدادات المؤثرة والنوعية.

كل هذه العوامل شجعت إيران على العودة إلى ملفها النووي، فكانت المبادرة الأولى في إعادة تصليح وتأهيل مفاعلي بوشهر تلاها في أواخر الثمانينات ظهور العديد من المصدرين والمتعاونين في المجال النووي مع إيران.

خلال هذه الفترة أظهر الاتحاد السوفياتي، وهو حليف تقليدي للعراق، رغبة في التعاون نووياً مع إيران. وفي عام 1990 بدأت بمباحثات معها لإكمال مفاعلي بوشهر وتزويدها بمزيد من المفاعلات.

وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي, أصبحت روسيا أكثر براغماتية في سياسة مصالحها الخارجية, ففي عام 1992 فاجأت موسكو العالم بحلولها محل شركة سمينز الألمانية لبناء مفاعل بوشهر بعد أن انسحبت ألمانيا من ذلك.    

كما كانت إيران تستغل انشغال أمريكا في حرب الخليج الثانية والاحتلال العراقي للكويت، فوقعت اتفاقية مع الصين لتزويدها بالوقود النووي، ومما ساعد على تمرير هذه الاتفاقية أن أمريكا كانت تسعى لموقف حيادي من قبل الصين وإيران  تجاه أزمة العراق والكويت وبدأت إيران تنظر إلى الخارج نحو شركاء جدد لبرنامجها النووي، ولكن نظراً للمناخ السياسي المختلف جذرياً والعقوبات الاقتصادية الأمريكية العقابية، وُجِد عدد قليل من المرشحين.

في عام 1991، تم التوصل إلى اتفاق للخلاف الفرنسي الإيراني منذ عام 1979، فردت فرنسا أكثر من 1.6 مليار دولار. وظلت إيران مساهمة في يوروديف (اختصار المجمع الأوروبي لتخصيب اليورانيوم بواسطة الانتشار الغازي, وهي فرع من شركة أريفا (آرفا) الفرنسية) عبر سوفيديف Sofidif، وكانت أحد المساهمين الكونسورتيوم الفرنسي الإيراني بنسبة 25٪ من اليوروديف. ومع ذلك، امتنعت إيران من أن تسأل عن إنتاج اليورانيوم.

في عام 1992، في أعقاب مزاعم وسائل الإعلام حول أنشطة نووية غير معلنة في إيران، دعت إيران مفتشي الوكالة الدولية إلى البلاد وسمحت لهؤلاء المفتشين بزيارة جميع المواقع والمرافق التي طلبوا أن يروها. وذكر المدير العام هانز بليكس أن جميع الأنشطة التي شاهدوها تتفق مع الاستخدام السلمي للطاقة الذرية. وشملت زيارات هذه الوكالة مرافق غير معلنة ومشروع تعدين اليورانيوم الوليدة في إيران في ساغاند Saghand. . وفي العام نفسه، كشف مسؤولو الأرجنتين أن بلادهم قد ألغت بيع معدات نووية مدنية لإيران بقيمة 18 مليون دولار، تحت ضغط الولايات المتحدة.

وفي عام 1995، وقعت إيران عقداً مع روسيا في وزارة الطاقة الذرية لاستئناف العمل جزئياً في محطة بوشهر بالكامل، وتركيب في مبنى بوشهر الموجودة لإمداد 915 ميغاواط VVER-1000 بمفاعل الماء المضغوط، وتوقع الانتهاء منه في عام 2009.

وفي عام 1996، أقنعت الولايات المتحدة جمهورية الصين الشعبية على الانسحاب من عقد البناء لمحطة تحويل اليورانيوم. ومع ذلك، فإن الصين قدمت مخططات مرفقة للإيرانيين، والتي نصحت الوكالة بأن تواصل العمل على البرنامج، حتى أن مدير الوكالة، محمد البرادعي، قد زار موقع البناء.

وتبين أنه وخلال مطلع التسعينيات ضغطت أمريكا على الدول الأوروبية والغربية بما فيهم إسبانيا وايطاليا وألمانيا وبلجيكيا وبولندا, لإلغاء أي صفقة أو تعاقد مع إيران لتزويد مفاعلها بوشهر من أجهزة ومعدات ومجسات نووية, حيث وصل الأمر إلى توقيع اتفاق سري عام 1995م بين نواب رؤساء أمريكا وروسيا آل جور- وفيكتور تشرنوميردين يقضي بتوقيف روسيا عن تزويد إيران بأي أسلحة تقليدية وأدوات تقنية متطورة بدءاً من عام 2000م, بعد ذلك تقلد الرئيس فلاديمير بوتين الحكم وأعلنت موسكو انسحابها من الاتفاق الروسي حول حظر التعاون العسكري مع إيران.

دخول مرحلة الشكوك والكشف عن مواقع نووية قيد الإنشاء

في 14 آب/أغسطس عام 2002، كشف علي رضا جعفر زاده، المتحدث باسم الجماعة الإيرانية المنشقة من المجلس الوطني للمقاومة في إيران، علناً عن وجود موقعين نوويين قيد الإنشاء، منشأة تخصيب اليورانيوم في نطنز، ومرفق المياه الثقيلة في أراك.

وجاء في تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2003 ولأول مرة, بأن إيران لم تعلن مساهمتها النووية الحساسة, وأنشطتها في التخصيب والمعالجة، والتي يمكن استخدامها لتخصيب اليورانيوم ولإنتاج وقود للمفاعلات (في مستويات أعلى من التخصيب) لصنع أسلحة نووية, بينما قالت إيران إن برنامجها النووي هو لأغراض سلمية، وإنها قامت بتخصيب اليورانيوم بنسبة أقل من 5 %، حيث يتفق مع وقود محطة الطاقة النووية المدنية, وأكدت أنها اضطرت في لجوئها إلى السرية بعد عدة ضغوط أميركية, حيث طالب مجلس محافظي الوكالة الدولية بأن تعلق إيران أنشطتها النووية غير المعلنة سابقاً، بعد ذلك أطلقت وكالة الطاقة الذرية تحقيقاً في تشرين الثاني 2003, تلخص في أن إيران قد فشلت في تلبية التزاماتها المنصوص عنها في اتفاق ضمانة معاهدة حظر الانتشار النووي، على الرغم من أنها أقرت بعدم وجود أي دليل على برنامجها للأسلحة النووية.

واستنتجت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بعد زيارات عدة إلى مواقع إيرانية تقع تحت دائرة الشك في شباط/فبراير 2003 وبالاقتران مع تصريحات عديدة لمسؤولين إيرانيين أن هناك عدداً من المنشآت التقنية ذات خصوصية حساسة إما في بداية عملها أو لا تزال تحت الانجاز أو في طور التخطيط للإنجاز.

فيما صرح الدكتور محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية أن إيران أخفقت في التزاماتها تجاه معاهدة حظر الانتشار النووي تحت الفقرة (4) وبأنها لم تكن شفافة في نشاطاتها النووية أو استيرادها للمواد ذات العلاقة (مزدوجة الاستخدام) وطالب البرادعي إيران بالإفصاح الكامل عن كافة نشاطاتها ولا سيما مشروع التخصيب وتجارب ما بعد التحويل. ثم دعاها إلى وقف نشاطات التخصيب كافة وتوقيع بروتوكول إضافي مع الوكالة قبل 31 أكتوبر 2003 يسمح للوكالة بالتفتيش الاستثنائي على منشآت إيران ذات العلاقة بالمشروع النووي.

ولنزع فتيل أزمة متفجرة بين الوكالة الدولية وإيران عمل وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا على حث إيران على استصدار موافقة للتعاون مع الوكالة قبل نهاية فترة الإشعار. وكانت النتيجة أن أعلنت إيران في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2003 بأنها ستتعاون مع الوكالة بكل شفافية ووضوح وبأنها ستوقع البروتوكول وتوقف كافة نشاطات التخصيب. وتم توقيع البروتوكول فعلاً في 18 كانون الأول/ديسمبر 2003.

وفي حزيران/يونيو 2004، تم البدء في بناء المفاعل النووي (آي آر 40) الذي يعمل بالماء الثقيل وبقدرة 40 ميغاواط بدعم من الفريق الأوروبي الثلاثي فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2004، بدأت إيران تنفذ شروط ما يعرف باتفاق باريس الخاص بالبروتوكول الطوعي الإضافي، والمتعلق بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم بضغوط من الفريق الثلاثي الأوروبي.

(ح)

ANHA