تحديات إدارية ومعيشية تضع مستقبل الخبرات الحكومية في سوريا على المحك

تضع التحديات الإدارية وفروق الرواتب والامتيازات أوضاع الكوادر الوظيفية في سوريا أمام تساؤلات بشأن استقرار الموظفين وتأثير التغييرات الإدارية في قرارات بعضهم الاستقالة أو التقاعد، بالتزامن مع إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية والحاجة إلى الحفاظ على الخبرات المتراكمة.

تحديات إدارية ومعيشية تضع مستقبل الخبرات الحكومية في سوريا على المحك
تحديات إدارية ومعيشية تضع مستقبل الخبرات الحكومية في سوريا على المحك
تحديات إدارية ومعيشية تضع مستقبل الخبرات الحكومية في سوريا على المحك
الإثنين 19 تشرين الأول, 2026   06:25
دمشق

في سوريا التي لا تزال مؤسساته تواجه تحديات اقتصادية وإدارية متراكمة، يتحدث موظفون حكوميون قدامى عن ضغوط يقولون إنها تدفعهم إلى مغادرة وظائفهم، معيدينها إلى تفاوت الرواتب والامتيازات بين العاملين القدامى والموظفين الجدد، وتراجع دور بعض أصحاب الخبرات في مواقع عملهم، وفق شهاداتهم لوكالة ANHA.

وتشير هذه الشهادات إلى أن عدداً من الموظفين اختاروا تقديم طلبات الاستقالة أو إنهاء خدماتهم، والتوجه إلى القطاع الخاص، فيما يسعى آخرون إلى ضم سنوات خدمتهم السابقة أو شراء سنوات إضافية لاستكمال شروط استحقاق المعاش التقاعدي، تفادياً لفقدان حقوقهم بعد سنوات طويلة من العمل في مؤسسات الدولة.

وخلال مراجعة المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، رصد مراسلو وكالتنا مراجعين يصطفون لتقديم طلبات تتعلق بضم الخدمات السابقة، أو شراء سنوات خدمة، أو التسجيل لدى شركات أخرى لاستكمال المدد المطلوبة لاستحقاق المعاش التقاعدي.

موظفون يفضلون الاستقالة على البقاء في ظروف العمل الحالية

ويقول فهد إبراهيم، الذي تقدم بأوراقه لإنهاء خدمته، إن قرار الاستقالة جاء نتيجة ما وصفه بالتهميش داخل المؤسسة، وتعيين موظفين جدد في مناصب إدارية برواتب مرتفعة، رغم افتقار بعضهم إلى الخبرة اللازمة.

ويضيف: "يعتمدون في العمل على الطاقم القديم، وهم مشغولون فقط بالاجتماعات ومراقبة الدوام، ولديهم موارد تأتي من غير الموازنة. يضغطون على الطاقم القديم، وبما أن لدي 20 سنة خبرة، فضّلت الاستقالة والالتحاق بعمل في القطاع الخاص براتب 800 دولار أمريكي".

ويرى إبراهيم أن ما يجري أدى إلى تراجع دور أصحاب الخبرة في مؤسسات الدولة، معتبراً أن استمرار هذا الواقع يهدد بخسارة خبرات تراكمت على مدى سنوات طويلة.

من جهته، قال هشام سامح، الذي كان يقدم أوراق استقالته، إنه نُقل من اللاذقية إلى دمشق، وإنه مُنع من الحصول على الإجازات أو تجميع الدوام، الأمر الذي وصفه بأنه ضغط دفعه إلى التفكير في ترك العمل.

وأوضح أنه اضطر إلى التسجيل لدى شركة خاصة لاستكمال سنوات الخدمة المطلوبة للتقاعد، مشيراً إلى أن التعويض الذي يمكن أن يحصل عليه عند إنهاء خدمته يقل عن 15 مليون ليرة سورية، وهو مبلغ لا يراه كافياً لبدء مشروع أو تأمين مصدر دخل مستقر.

خبرات طويلة خارج مواقع القرار

وفي شهادة أخرى، قالت موظفة، فضّلت عدم ذكر اسمها، إنها قررت تقديم استقالتها بعد وصولها إلى 22 سنة من الخدمة، وتعتزم شراء ثلاث سنوات إضافية لاستكمال شروط استحقاق المعاش التقاعدي، مؤكدة أنها تمتلك فرصاً للعمل في القطاع الخاص.

وانتقدت الموظفة أداء بعض المسؤولين الجدد، وقالت إنهم يركزون، بحسب تجربتها، على متابعة الدوام وطلب الاستمارات والمعلومات، من دون امتلاك الخبرة الإدارية أو الفنية التي تتطلبها طبيعة العمل في المؤسسات.

وأضافت أن قرار الاستقالة لم يكن فردياً، بل جاء، وفق قولها، بعد نقاشات مع زملاء قرروا مغادرة العمل للأسباب نفسها، وفي مقدمتها التفاوت في الرواتب والامتيازات والتعامل مع الموظفين القدامى والجدد.

كما أشارت إلى ما وصفته بوجود تمييز على أساس الانتماء الطائفي في التعيينات الجديدة، مدعية أن الموظفين الجدد في المؤسسة التي تعمل فيها ينتمون إلى طائفة واحدة.

بدورها، قالت بشرى أحمد، وهي خريجة معهد التنمية الإدارية، إن خريجي المعهد السابقين تعرضوا، بحسب شهادتها، للتهميش وإبعادهم عن مواقع العمل، مضيفة أن بعض الموظفين يواجهون أسئلة تتعلق بعلاقاتهم العائلية والاجتماعية، من قبيل: "أنت زوجة مين؟ وأبو مين؟ وأخوك مين؟"، في سياق محاسبتهم على أي ارتباط لهم بالنظام السابق.

وأضافت أن تراجع دور أصحاب الخبرات، وإسناد المهام إلى موظفين لا يمتلكون، بحسب قولها، المؤهلات المطلوبة، يثير مخاوف بشأن مستقبل المؤسسات الحكومية وقدرتها على الاستمرار في أداء مهامها.

وقالت: "مع إفراغ هذه المؤسسات من الكوادر، نجلس ونراقب هذا الانتحار الإداري في مؤسسات الدولة، الذي يقودها إلى التهلكة. نحترق ونموت ببطء".

"احتراق وظيفي" وتراجع دور الكوادر الفنية

من جهته، وصف رئيس لجنة نقابية في إحدى المؤسسات الإنتاجية، فضّل عدم الكشف عن اسمه، ما يجري بأنه "احتراق وظيفي"، مشيراً إلى أن بعض الموظفين القدامى باتوا، وفق تعبيره، يشعرون بأنهم مستبعدون من ممارسة مهامهم الأساسية، في وقت تُسند فيه مسؤوليات إلى موظفين جدد لا يمتلكون الخبرة الفنية اللازمة.

وقال إن التدقيق على دوام الموظفين القدامى، وتقييد عملهم خارج الدوام الرسمي، وإبعادهم عن المهام الأساسية، إلى جانب تفاوت الرواتب والامتيازات، كلها عوامل تسهم في خلق بيئة عمل طاردة للخبرات.

وأضاف أن استبدال أصحاب الخبرة بموظفين من خارج الاختصاص، أو لا يحملون المؤهلات العلمية المطلوبة لبعض المواقع، يثير تساؤلات عن معايير التعيين ومدى مراعاتها لمتطلبات العمل المؤسسي.

التقاعد وشراء سنوات الخدمة

ويضع إنهاء الخدمة الموظفين أمام خيارات معقدة، خصوصاً أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة في مؤسسات الدولة، إذ يسعى بعضهم إلى ضم الخدمات السابقة أو شراء سنوات إضافية لاستكمال شروط استحقاق المعاش التقاعدي.

وبحسب المعلومات التي قدمها موظفون ومراجعون للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، تشمل شروط التقاعد التي يستندون إليها إتمام 25 سنة خدمة فعلية للتقاعد المبكر من دون شرط العمر، أو بلوغ سن التقاعد النظامي، المحدد بـ 60 عاماً للرجال و55 عاماً للنساء، مع خدمة لا تقل عن 15 سنة.

كما أشاروا إلى شروط أخرى للتقاعد بعمر مخفّض، هي 55 عاماً للرجال و50 عاماً للنساء، مع خدمة لا تقل عن 20 سنة.

وتشير المعلومات ذاتها إلى أن نسبة المعاش التقاعدي قد تصل إلى 80% من متوسط الأجر المرجعي أو الأساسي المعتمد عند إتمام 32 سنة من الخدمة.

إعادة الهيكلة الرسمية ومصير الخبرات

في المقابل، تواصل الجهات الحكومية الإعلان عن خطوات لإعادة هيكلة المؤسسات وتطوير أدائها الإداري. وكانت وكالة "سانا" قد أفادت في 4 آب 2026 بأن لجنة تمديد الخدمة، برئاسة وزير التنمية الإدارية محمد حسان السكاف، تدرس طلبات استمرار العاملين في الجهات العامة بعد بلوغ السن القانونية، وفق معايير تراعي الحاجة المؤسسية الفعلية وندرة الاختصاص وأهمية الخبرات الفنية المتراكمة.

كما أعلن وزير الإدارة المحلية والبيئة محمد عنجراني، في 5 آب 2026، إعادة 6520 موظفاً مفصولاً بسبب مشاركتهم في الثورة السورية إلى وظائفهم، من أصل 8014 شخصاً شملهم الملف.

وبينما تتجه المؤسسات الحكومية إلى إعادة تنظيم هياكلها الإدارية، يبقى الحفاظ على الكفاءات وضمان تكافؤ الفرص الوظيفية وتطبيق معايير واضحة للتعيين والترقية من القضايا المطروحة أمام الجهات المعنية، في ظل مخاوف من أن يؤدي خروج أصحاب الخبرة إلى خسارة معرفة فنية وإدارية يصعب تعويضها في المدى القريب.

(أم)

ANHA