فرحة عودة المهجّرين إلى عفرين تصطدم بعراقيل السكن والأمان

بعد أكثر من ثماني سنوات على تهجيرهم القسري، بدأت آلاف العوائل بالعودة تدريجياً إلى مدينة عفرين وقراها، إلا أن فرحة العودة سرعان ما اصطدمت بواقعٍ معقّد، يتمثل باستمرار احتلال العديد من المنازل، وارتفاع إيجارات السكن، وغياب الشعور الكامل بالأمان، إلى جانب شكاوى من انتهاكات وعراقيل تواجه العائدين في مرحلة ما بعد العودة.

فرحة عودة المهجّرين إلى عفرين تصطدم بعراقيل السكن والأمان
الأربعاء 13 مايو, 2026   06:35
مركز الأخبار
محمد عبدو

يشير ميرزان (32 عاماً)، وهو أحد العائدين إلى مدينة عفرين خلال الفترة الماضية، إلى أن مشاعره كانت مختلطة ما بين الفرح والحزن؛ فمن جهة انتهى كابوس تهجيره الممتد لأكثر من 8 سنوات، ومن جهة أخرى لا تزال العديد من الصعوبات والعراقيل تواجهه في مرحلة ما بعد العودة، بدءاً بمحاولة استعادة منزله الواقع في قرية شيخ خورزه، والتي لا تزال تُستخدم كقاعدة لجيش الاحتلال التركي.

وعادت خمس دفعات من أهالي عفرين المهجّرين إلى قراهم ومدنهم، بمجموع عوائل وصل، وفق ما أحصيناه كوكالة، إلى 3400 عائلة، إلا أن هناك العديد من التفاصيل غير الواضحة بشأن واقع هؤلاء العائدين الحالي، سنحاول إبرازها من خلال هذا التقرير.

العائدون ومن ينتظرون العودة

في هذا الإطار، يشير مدير منظمة حقوق الإنسان عفرين – سوريا، إبراهيم شيخو، إلى أن العدد الذي وثّقوه بالاستناد إلى الإحصائيات يبلغ نحو 3800 عائلة (منها 400 عائلة عادت بشكل فردي وليس عبر الدفعات).

أما عن العدد المتبقي في المنطقة الممتدة من الحسكة وديرك إلى جانب كوباني، فيشير شيخو إلى وجود نحو 5000 عائلة بانتظار إعادتها أيضاً.

وبذلك، فإن مجمل العوائل التي أرادت العودة إلى مسقط رأسها في عفرين وكانت موجودة في المنطقة المذكورة يبلغ 8800 عائلة حتى الآن، مع استمرار تسجيل الأسماء من قبل مجلس مهجّري عفرين.

وعادت هذه العوائل إلى المناطق والقرى التابعة لكل من: مدينة عفرين، جنديرسه، شيه، راجو، وموباتا، بالإضافة إلى أعداد أقل في بلبلة وشرا وشيراوا.

الأمان أهم متطلبات ما بعد العودة

بدورها، تقول شيراز (43 عاماً)، وهي إحدى العائدات ضمن الدفعات المعلنة، في إجابة عن سؤال: "ما هي المتطلبات التي تحتاجونها؟"، إن "الأمان" هو أكثر ما يحتاجونه حالياً.

الأمر الذي يتفق معه مدير منظمة حقوق الإنسان عفرين - سوريا إبراهيم شيخو، الذي قال إن هنالك العديد من الانتهاكات التي تطال العائدين من المهجرين والتي كان آخرها تصوير وثائق العائدين الشخصية، وهواتفهم، بدافع ابتزازهم، الأمر الذي ينتهك بنود الاتفاقية الموقعة والتي تنص على العودة غير المشروطة.

وتشير شيراز إلى أنه، وعلى الرغم من امتلاكها جميع الحجج والبراهين الخاصة ببيتها الواقع في ناحية شيه التابعة لعفرين، إلا أن هناك غرباء يقطنونه، وهو كان متزعّم فصيل وأصبح لاحقاً أحد منتسبي وزارة الدفاع، ويرفض إخلاءه متحججاً بأن أطفاله سينقطعون عن الدراسة إلى حين إيجاده منزلاً آخر.

وتبقى مسألة إفراغ منازل السكان العائدين إلى عفرين من الغرباء الذين تم توطينهم من قبل تركيا موضوعاً لم يُحلّ جذرياً بعد، إذ يتجه أغلب العائدين إلى بيوت أقربائهم بدلاً من منازلهم التي هُجّروا منها على مدار السنوات الثماني الماضية.

وتتابع شيراز حديثها بالقول: "لو كان هناك أمان مستتب ويحقق العدالة، لكانوا استجابوا لعشرات الشكاوى التي قدمتها من أجل استعادة منزلي".

5 قرى لا تزال تحت سيطرة الجيش التركي

فيما لا يزال أهالي خمس قرى في مدينة عفرين محرومين من تحقيق حلم العودة إلى مسقط رأسهم، بسبب استمرار تحويلها إلى قواعد عسكرية لجيش الاحتلال التركي، وفق ما أفاد به إبراهيم شيخو.

والقرى التي يمنع جيش الاحتلال التركي عودة سكانها منذ عام 2018، هي: (باصلة - Basilê، جلبرة - Cilbirê، شيخ خورز فوقاني - Şêxorz، درويش (راجو) - Dêwrîş، وجيه – Çiya).

في هذا الصدد، يشير ميرزان (32 عاماً)، وهو أحد سكان قرية شيخ خورز فوقاني المشمولة بمنع العودة، إلى أن قريتهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام: (فوقاني، وسطى، تحتاني)، حيث تم فصل القسم الفوقاني منها عبر السواتر الترابية ومنع اقتراب الأهالي منها من قبل جيش الاحتلال التركي إلى هذه اللحظة.

وكان يبلغ عدد العوائل في القرية قبل الاحتلال قرابة 800، إلا أن القرية تضم الآن نحو 480 عائلة فقط بنسبة 60%، مع انتظار النسبة الباقية لخروج جيش الاحتلال التركي.

إيجارات البيوت بـ "النار"

ويؤكد ميرزان أنه مجبر منذ عدة أشهر على استئجار منزل في مدينة عفرين، على الرغم من عودته بعد التهجير، نتيجة استمرار منعه من استعادة منزله.

وفي حال استلامه لبيته، فإنه يحتاج إلى آلاف الدولارات لإعادة صيانته بعد سرقة محتوياته بالكامل، إضافة إلى التدمير الممنهج الذي تعرّض له.

وارتفعت إيجارات المنازل في مدينة عفرين وقراها لتتراوح بين (150–300) دولار أميركي، بحسب المساحة والموقع.

ويقول إبراهيم شيخو إن المتهم الأول في هذه القضية هو تقاعس إدارة المنطقة في التعاطي مع هذا الملف، إلى جانب باقي الملفات الأخرى وعلى رأسها الخدمات "المحدودة"، مشيراً إلى أن كل ذلك يمكن أن يُصنَّف ضمن "العراقيل" التي تواجه العائدين من المهجّرين.

ماذا فعلت الحكومة المؤقتة حيال العراقيل؟

أمام سيل هذه العراقيل، أقدمت الحكومة المؤقتة على المضي بعدة خطوات خجولة، وعلى رأسها زيارة محافظ دير الزور السابق غسان السيد أحمد، بتاريخ 3 أيار الجاري، إلى مدينة عفرين، ولقائه بنائب محافظ حلب علي حنورة ومسؤول منطقة عفرين خيرو الداوود.

وأتى اللقاء للتمهيد من أجل الاجتماع مع أسر عناصر الفصائل التابعين لتركيا والمنخرطة في صفوف وزارة الدفاع بالحكومة المؤقتة، الرافضة لإخلاء بيوت المدنيين، كون غالبية هذه الأسر تنحدر من مدينة دير الزور.

وتحاول العديد من تلك الأسر ابتزاز المهجّرين العائدين بطلب مبالغ مالية تبدأ بـ (2000 وتصل إلى 5000 دولار أميركي)، مقابل إخلاء المنازل.

أما بصدد إفراغ القرى الواقعة تحت سيطرة الجيش التركي، فلم تخطُ الحكومة المؤقتة حتى لحظة إعداد التقرير أي خطوات جادة.

دعوات لتحقيق العودة الكاملة

ورغم الصعوبات التي تواجه العائدين، دعا مدير منظمة حقوق الإنسان عفرين – سوريا، إبراهيم شيخو، في ختام حديثه جميع المهجرين إلى ضرورة تحقيق العودة الكاملة، مطالباً طرفي الاتفاقية بتقديم كافة التسهيلات لتسريع وتيرة عودة المهجرين.

كما انتقد شيخو ربط الحكومة المؤقتة ملف الأسرى بإطار الضغوط السياسية، داعياً إلى إطلاق سراح جميع الأسرى وحل الملفات العالقة عبر الحوار، بدلاً من تعطيل وتأجيل القضايا التي تمسّ المهجرين والأسرى.

وتمنى عودة أهالي سري كانيه/ وكري سبي/تل أبيض وجميع المهجرين السوريين أينما كانوا إلى بيوتهم في القريب العاجل.

من جانبه، قال القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، في آخر حوار له مع وكالتنا، إن النقاشات التي جرت مع الحكومة المؤقتة حول قضية المهجرين العائدين تنص على ضرورة عدم المساس بأمان أي أحد، استناداً إلى وعود صادرة من أعلى المستويات.

ANHA