في اليوم العالمي للطيور المهاجرة تحذيرات من تراجع عالمي متسارع

يحمل اليوم العالمي للطيور المهاجرة رسالة تتجاوز الطابع الرمزي، مفادها أن حماية الطيور ليست قضية بيئية فحسب بل جزء من حماية التوازن العام للحياة، إذ إن تراجعها يعكس ضغطاً متزايداً على النظام البيئي يتراكم بصمت قبل أن تظهر آثاره بشكل مباشر، فماذا ينتظر الانسان؟

في اليوم العالمي للطيور المهاجرة تحذيرات من تراجع عالمي متسارع
السبت 9 مايو, 2026   05:50
مركز الاخبار

يحلّ اليوم العالمي للطيور المهاجرة في السبت الثاني من أيار، في وقت تتزايد فيه المؤشرات البيئية التي تُظهر أن هذه الكائنات العابرة للقارات باتت تواجه تحديات غير مسبوقة، تتجاوز في تأثيرها حدود الطبيعة لتلامس نمط حياة الإنسان نفسه وعلاقته بالبيئة.

خلال العقود الأخيرة، سجلت تقارير بيئية دولية تراجعاً لافتاً في أعداد الطيور حول العالم، إذ تشير تقديرات علمية إلى أن ما يقارب نصف أنواع الطيور على الأقل تشهد انخفاضاً في أعدادها نتيجة تداخل عوامل متعددة، أبرزها فقدان الموائل الطبيعية، وتوسع النشاط البشري، والتغيرات المناخية المتسارعة.

وفي تقديرات أكثر شمولاً، يُعتقد أن نحو ستة من كل عشرة أنواع طيور على مستوى العالم باتت في حالة تراجع مستمر، ما يعكس اتساع رقعة الخلل في التوازن البيئي العالمي.

وفي سياق الطيور المهاجرة تحديداً، تُظهر بيانات مركز مسارات هجرة الطيور الدولية أن أكثر من ثلث تجمعات الطيور المائية المهاجرة تعاني من انخفاض واضح في أعدادها، مقابل نسب أقل تحقق استقراراً أو تحسناً، وهو ما يعكس ضغطاً متزايداً على "محطات التوقف" التي تعتمد عليها هذه الطيور خلال رحلاتها الطويلة بين القارات.

اختفاء الموائل الحلقة الأخطر

تجمع التقارير البيئية على أن العامل الأكثر تأثيراً في هذا التراجع هو فقدان الموائل الطبيعية، خاصة الأراضي الرطبة والبحيرات والمستنقعات، التي تشكل نقاطاً أساسية للراحة والتغذية والتكاثر أثناء الهجرة.

ومع تقلص هذه البيئات بسبب التجفيف أو التوسع العمراني أو التلوث، تصبح رحلات الطيور أكثر خطورة وأقل استقراراً.

كما تبرز عوامل أخرى لا تقل خطورة، مثل: "الصيد غير المنظم في بعض المناطق خلال مواسم الهجرة، التلوث البلاستيكي والمبيدات الزراعية، تغير أنماط المناخ الذي يؤثر على توقيت ومسارات الهجرة، التمدد العمراني الذي يقطع المسارات الطبيعية للعبور".

مؤشر بيئي يتقدم على الإنسان

يرى مختصون أن الطيور المهاجرة تمثل أحد أكثر المؤشرات حساسية لتغير البيئة، إذ أن أي اضطراب في أعدادها أو سلوكها يعكس غالباً اختلالاً أوسع في النظام البيئي. وبالتالي، فإن تراجعها لا يُقرأ كظاهرة طبيعية منعزلة، بل كإشارة مبكرة إلى تحولات أعمق في التربة والمياه والغذاء والمناخ.

وتحذر دراسات بيئية من بينها تقرير التقييم العالمي للتنوع الحيوي وخدمات النظم البيئية الصادر عن  (IPBES) وتقرير حالة طيور العالم الصادر عن (BirdLife International)، أن استمرار هذا التراجع لا يقتصر أثره على التنوع الحيوي، بل يمتد ليؤثر على التوازن البيئي العام، بما في ذلك انتشار الحشرات، وتدهور جودة الأراضي الزراعية، وتغير سلاسل الغذاء الطبيعية.

الهجرة التي تضيق مساراتها

مع مرور الوقت، أصبحت بعض مسارات الهجرة التقليدية أقل أماناً مما كانت عليه، نتيجة اختفاء محطات رئيسة كانت تستخدمها الطيور عبر آلاف الكيلومترات. هذا التغير التدريجي جعل من رحلة الهجرة نفسها عملية أكثر هشاشة، حيث ترتفع نسبة المخاطر وتتقلص فرص البقاء.

ومن بينها كأمثلة "الأراضي الرطبة في بلاد الشام والعراق: مثل الأهوار العراقية التي كانت محطة رئيسة للطيور المهاجرة بين آسيا وأفريقيا، لكنها تراجعت في مساحات واسعة بسبب الجفاف وتغير تدفق المياه، ما قلل من قدرتها على استضافة أعداد كبيرة من الطيور في فترات الراحة والتغذية.

وكذلك حوض شرق المتوسط: كانت بحيرات ومستنقعات مثل مناطق شمال سوريا وجنوب تركيا تشكل نقاط توقف مهمة لطيور مائية ولقالق وطيور جارحة، لكن التوسع الزراعي والعمراني أدى إلى تقلص هذه البيئات أو تلوثها، ما جعل بعض الطيور تغير مساراتها أو تتعرض لإجهاد أكبر أثناء الهجرة.

بين الطبيعة وسلوك الإنسان

لا ينفصل واقع الطيور المهاجرة عن سلوك الإنسان اليومي تجاه البيئة. فكل تعديل في مجرى نهر، أو تجفيف مستنقع، أو توسع عمراني غير مدروس، ينعكس بشكل مباشر على هذه الكائنات التي لا تعترف بالحدود السياسية، لكنها تعتمد على استقرار البيئة العابرة لها، تؤكد الأمم المتحدة.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: إذا كانت الطيور أول من يغادر عند اختلال البيئة، فماذا يعني ذلك عن المستقبل الذي يتشكل أمام الإنسان نفسه؟

رؤية الأمم المتحدة لمستقبل البيئة

وفق ما تعتمده الأمم المتحدة، خصوصاً عبر برامجها البيئية مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) واتفاقيات حماية التنوع الحيوي، فإن مواجهة تراجع الطيور المهاجرة لا تُعالج بإجراء واحد، بل عبر حزمة من التدخلات المتكاملة التي تربط بين حماية المواطن الطبيعية والإدارة المستدامة للموارد والتعاون الدولي.

وتشدد الأمم المتحدة على أن الحل يبدأ من حماية واستعادة النظم البيئية الأساسية مثل الأراضي الرطبة والأنهار والسواحل، بوصفها محطات حيوية للطيور أثناء الهجرة، مع توسيع نطاق المناطق المحمية وربطها عبر ما يعرف بـ"مسارات الهجرة العالمية". كما تدعو إلى وقف تدهور الموائل الطبيعية وإطلاق مشاريع استعادة بيئية واسعة النطاق ضمن عقد الأمم المتحدة لاستعادة النظم البيئية.

وفي السياق ذاته، تؤكد على أهمية تقليل التلوث بأنواعه، خصوصاً البلاستيك والمبيدات الزراعية، والحد من الصيد غير المستدام للطيور المهاجرة، إلى جانب اعتماد تخطيط عمراني وبنى تحتية “صديقة للطيور” تقلل من المخاطر خلال الهجرة. كما تركز على ضرورة دمج التغير المناخي ضمن سياسات حماية التنوع الحيوي كونه عاملاً رئيسياً في تغيير مسارات الهجرة وفقدان الموائل.

وتعتبر الأمم المتحدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على التعاون الدولي العابر للحدود، لأن الطيور المهاجرة لا ترتبط بدولة واحدة، بل تمر عبر قارات متعددة، ما يجعل حمايتها مسؤولية مشتركة بين الدول، مدعومة بالعلم، والسياسات البيئية، ومشاركة المجتمعات المحلية.

(أم)

ANHA