أعياد مفقودة… وذكريات يصاحبها الأمل بالعودة إلى سري كانيه

قضت آلاف العوائل المهجّرة من سري كانيه المحتلة، العديد من الأعياد بلا فرح، بين وجع فقدان الديار وذكريات الأعياد السابقة، تحلم اليوم بالعودة لاستعادة طقوسها وحياة مدينتها.

أعياد مفقودة… وذكريات يصاحبها الأمل بالعودة إلى سري كانيه
أعياد مفقودة… وذكريات يصاحبها الأمل بالعودة إلى سري كانيه
أعياد مفقودة… وذكريات يصاحبها الأمل بالعودة إلى سري كانيه
أعياد مفقودة… وذكريات يصاحبها الأمل بالعودة إلى سري كانيه
أعياد مفقودة… وذكريات يصاحبها الأمل بالعودة إلى سري كانيه
أعياد مفقودة… وذكريات يصاحبها الأمل بالعودة إلى سري كانيه
أعياد مفقودة… وذكريات يصاحبها الأمل بالعودة إلى سري كانيه
أعياد مفقودة… وذكريات يصاحبها الأمل بالعودة إلى سري كانيه
الأحد 22 آذار, 2026   05:12
الحسكة
ديار أحمد

مع حلول عيدي الفطر ونوروز، لا يبدو الفرح كما كان لدى مهجّري سري كانيه. تمرّ المناسبة اليوم مثقلة بالحنين والوجع، بعد أن غيّر التهجير القسري ملامح الحياة منذ التاسع من تشرين الأول 2019، حين اضطرّت أكثر من 150 ألف عائلة إلى مغادرة مدنها وقراها تحت وقع هجوم الاحتلال التركي ومرتزقته على مدينتي سري كانيه، وتل أبيض/كري سبي.

لم يعد العيد يوماً للفرح فقط، بل أصبح موعداً سنوياً لاستعادة الذاكرة، وقياس حجم الغياب الذي تركه الرحيل القسري في تفاصيل الحياة.

قبل التهجير: أعياد تنبض بالحياة

قبل سنوات النزوح، كان العيد في سري كانيه يحمل طابعاً خاصاً. مع ساعات الفجر الأولى، كانت العائلات تستيقظ على أصوات التكبيرات، تستعد لزيارة المقابر جنوب المدينة، حيث تُقرأ الفاتحة على أرواح الراحلين. بعد ذلك، تبدأ جولات الزيارة والمعايدة بين البيوت، حيث تمتد الزيارات من الأقارب إلى الجيران، في مشهد يعكس تماسك المجتمع بكل مكوناته.

ومع حلول المساء، كانت المدينة تزداد حيوية؛ حيث تمتلئ منتزهات مشوار وسيروب وكورنيش المدينة بالعائلات، الأطفال يركضون بفرح ويلهون في حديقة الشهيدة بيريفان وسط المدينة، والضحكات تعلو في كل زاوية. كانت الأعياد مناسبة للقاء، للمحبة، ولتجديد الروابط التي تجمع الناس.

التهجير: حين انطفأت تفاصيل الفرح

جاء التهجير ليقطع تلك التفاصيل دفعة واحدة. لم يفقد الناس بيوتهم فقط، بل فقدوا أيضاً طقوسهم التي كانت تمنح العيد معناه. خرجت العائلات على عجل، تاركة وراءها قبور أحبائها، وأزقة كانت تحفظ أسماءهم، وأماكن اعتادوا أن يجتمعوا فيها كل عام. ومع تشتتهم في مدن الجزيرة وكوباني والرقة، أو في مخيمات النزوح، بدأت الأعياد تفقد تدريجياً روحها.

انتهاكات وتغيير ديمغرافي: واقع مفروض بالقوة

لم تقتصر معاناة المهجّرين على فقدان منازلهم، بل رافق التهجير سلسلة من الانتهاكات الجسيمة التي طالت السكان الأصليين وممتلكاتهم. فقد تعرّضت المنازل للتدمير أو الاستيلاء، وانتقلت ممتلكات كثيرة إلى أيدي مستوطنين جدد، فيما واجه من بقي من السكان أشكالاً متعددة من الابتزاز والتضييق.

وخلال السنوات الماضية، شهدت المدينة وريفها تغييرات ديمغرافية واضحة، تمثلت في توطين عائلات بديلة، وفرض واقع إداري وخدمي جديد، من خلال ربط المنطقة بولاية أورفا التركية، واعتماد العملة التركية، وافتتاح مؤسسات مرتبطة بها، إلى جانب حضور جهات تديرها الاستخبارات التركية. هذه التحولات عمّقت مخاوف المهجّرين، وزادت من صعوبة العودة إلى واقعهم السابق.

العيد في المخيمات: فرح ناقص وحنين دائم

واليوم، يعيش أكثر من 200 ألف من المهجّرين أعيادهم في خيام أو مراكز إيواء، أو لدى أقربائهم في مناطق أخرى، في ظروف صعبة لا تشبه حياتهم السابقة.

في مخيمات مثل واشو كاني وسري كانيه ونوروز، يحاول الناس خلق أجواء عيد بسيطة، رغم قسوة الواقع. تُجهّز بعض العائلات ما تيسّر من الطعام، ويرتدي الأطفال ملابس جديدة إن توفرت، لكن الفرح يبقى ناقصاً.

لا زيارات كما كانت، ولا جولات طويلة بين الأقارب، فكثير من العائلات تفرّقت، وبعضها فقد القدرة حتى على الاجتماع. حتى المقابر، التي كانت أولى محطات العيد، أصبحت بعيدة، محرّمة عليهم، لا يستطيعون الوصول إليها أو الوقوف عندها.

مرّ على المهجّرين أعيادٌ كثيرة وهم بعيدون عن مدينتهم. خلال هذه السنوات، لم يكن الزمن عادياً؛ فكل يوم في المخيمات أو مراكز الإيواء يحمل ثقلاً مضاعفاً، وفق ما يرونه.

تتكرر الأعياد، لكن الشعور ذاته يرافقها: اشتياق لا ينتهي، وأمل مؤجل. الأطفال الذين خرجوا صغاراً، كبروا وهم لا يعرفون مدينتهم إلا من حكايات أهلهم، ومن صور يحتفظ بها الكبار كجزء من ذاكرة يخشون ضياعها.

ذاكرة تقاوم النسيان

وفي كل عيد، يستعيد المهجّرون تفاصيل حياتهم السابقة، وكأنهم يحاولون حمايتها من التلاشي. يتحدثون عن شوارع سري كانيه، عن صباحات العيد، عن أصوات المآذن، وعن لقاءات المساء في المنتزهات.

هذه الذكريات لم تعد مجرد حنين، بل أصبحت وسيلة للصمود، وربط الأجيال الجديدة بجذورها التي حُرمت منها.

فكورنيش المدينة، ومنتزهات سيروب ومشوار، ومنطقة أصفر نجار وعين كبريت وعين حصان، كانت محطات يجتمع فيها المهجّرون في كل مناسبة أو عيد، أو في رحلاتهم نحو أجواء الطبيعة التي تميّزت بها المدينة المهجّرة والمعروفة بينابيعها. واليوم تحوّلت تلك الأماكن إلى ذكريات يستحضرها المهجّرون في كل مناسبة، ويرونها في عيون أطفالهم، على أمل أن يعودوا يوماً برفقة أبنائهم إلى حضن المدينة وتفاصيلها التي ما زالت عالقة في ذاكرتهم.

أمل العودة: العيد المنتظر

ورغم كل ما تغيّر، يبقى الأمل حاضراً في قلوب المهجّرين. مع كل عيد، تتجدد أمنية واحدة: أن يكون العيد القادم في مدينتهم، بين بيوتهم، وعلى مقربة من قبور أحبائهم. ينتظرون يوماً يعودون فيه إلى سري كانيه، لا كزائرين، بل كأصحاب الأرض، ليعيدوا إحياء طقوسهم التي سُلبت منهم.

مهجرة سامية الجاسم من سري كانيه قرية كنيهر أمنيتها في العيد العودة الأمنة إلى سري كانيه حيث مسقط رأسها رغم تدمير منزلها في القرية وسرقة محتوياته، وتقول:" قاموا بسرقة حتى قطع البلوك من منزلي".

وفي هذا السياق، تتمنى المهجّرة سمية العواد من قرية الحلبية بريف سري كانيه أن تكون العودة آمنة، توفّر لهم الأمن وتحفظ كرامتهم. وتقول: "أنا مستعدة أن أعيش مع أطفالي في كوخ صغير، مكتفين بالماء والخبز، في سبيل العودة إلى دياري."

بدورها، باركت المهجرة فاطمة محمد قدوم عيد الفطر على جميع السوريين وتمنت العودة إلى منزلها في سري كانيه واللقاء بأشقائها وجيرانها في قرية بير نوح، وأن يعم الأمن والأمان على الجميع. 

بالنسبة لهم، لا يكتمل معنى العيد إلا بالعودة؛ عودة تعيد الفرح إلى مكانه الطبيعي، وتمنح الحياة فرصة لتبدأ من جديد، ولا سيما بعد اتفاق 29 كانون الثاني، الذي نصّ أحد بنوده على عودة آمنة للمهجّرين إلى مدنهم ومنازلهم.

(أم)

ANHA