نوروز.. عيد الشعوب وذاكرة النضال المشترك من أجل الحرية

في الحادي والعشرين من آذار من كل عام، يحتفل أكثر من 300 مليون شخص حول العالم بعيد نوروز الذي تحوّل عبر قرون طويلة، إلى رمز للنضال المشترك والحرية لدى العديد من الشعوب التي حافظت على طقوسه رغم المنع والتحديات.

نوروز.. عيد الشعوب وذاكرة النضال المشترك من أجل الحرية
السبت 14 آذار, 2026   05:00
مركز الأخبار

مع اقتراب الحادي والعشرين من آذار، تستعد شعوب عديدة تمتد جغرافيتها من الشرق الأوسط إلى آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان للاحتفال بعيد نوروز، العيد الذي يعني اسمه في اللغتين الكردية والفارسية "اليوم الجديد". 

ويُعدّ هذا اليوم يوم انتصار الحق على الظلم ويوم الحرية لدى الكرد ورأس السنة لدى الفرس، كما يحتفل به مئات الملايين من الأشخاص من شعوب مختلفة مثل البشتون والآذريين والطاجيك والبلوش والأوزبك وغيرهم.

وبحسب تقديرات منظمة اليونسكو، فإن أكثر من 300 مليون شخص حول العالم يحتفلون بهذا العيد الذي أدرج عام 2009 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية.

ويُنظر إلى نوروز بوصفه تقليداً تاريخياً وثقافياً عريقاً يعود إلى آلاف السنين، فلدى الكرد تحول نوروز إلى رمز للحرية حيث يرتبط العيد بقصة نضال تاريخية تجسد التمرد على الظلم والانتصار للحرية، كما يرمز لدى آخرين بقدوم الربيع وبداية دورة جديدة للحياة في الطبيعة.

عيد يتجاوز الحدود والقوميات

ويمتد الاحتفال بنوروز في مساحة جغرافية واسعة تشمل كردستان وإيران والعراق وتركيا وسوريا وأفغانستان ودول آسيا الوسطى مثل أوزبكستان وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان، إضافة إلى مناطق في القوقاز والبلقان وحتى بعض مناطق الهند والصين. وفي العديد من هذه البلدان يُعد نوروز عطلة رسمية تقام خلالها احتفالات جماهيرية ومهرجانات شعبية تعكس غنى التراث الثقافي للشعوب التي تحتفل به.

ويتميز هذا العيد بكونه واحداً من المناسبات النادرة التي تجمع بين قوميات وأديان مختلفة. فالمسلمون والمسيحيون والإيزيديون وأتباع ديانات أخرى يحتفلون به بطقوس متقاربة رغم اختلاف ثقافاتهم. ولهذا ينظر كثيرون إلى نوروز كونه عيداً إنسانياً يعبّر عن وحدة البشر حول قيم مشتركة مثل الأمل والتجدد والحرية.

نوروز في الذاكرة الكردية

ويحمل عيد نوروز لدى الكرد بعداً تاريخياً وسياسياً خاصاً. فبحسب الرواية الكردية القديمة، ارتبط هذا العيد بقصة كاوا الحداد الذي ثار على الملك الظالم "الضحاك أو أزدهاق"، الذي كان يقتل الشباب ظلماً ويبطش بالشعوب. وتروي الأسطورة أن كاوا تمكن في النهاية من القضاء على الملك، ثم صعد إلى الجبل وأشعل شعلة نار ليعلن للناس نهاية الظلم وبداية عهد جديد من الحرية.

ومنذ ذلك الحين أصبحت النار رمزاً مركزياً في احتفالات نوروز لدى الكرد. ففي ليلة العشرين من آذار، تُشعل النيران على قمم الجبال وفي الساحات العامة، ويقفز الناس فوقها تعبيراً عن التخلص من الظلم والمرض واستقبال حياة جديدة. كما يردد المحتفلون أهازيج وأغاني تراثية تعبر عن الفرح بالحرية والانتصار.

وعلى مر العقود، تحول نوروز لدى الكرد إلى مناسبة وطنية تعبّر عن الهوية الثقافية والنضال السياسي. ففي العديد من المراحل التاريخية، وخاصة في تركيا وسوريا، كان الاحتفال بهذا العيد ممنوعاً أو مقيداً من قبل السلطات التي عدّته رمزاً قومياً قد يعزز الهوية الكردية. ومع ذلك استمر الكرد في الاحتفال به رغم القيود، وغالباً ما كانوا يقيمون احتفالاتهم في ظروف أمنية صعبة أو بطريقة شبه سرية.

طقوس نوروز عند الشعوب المختلفة

ورغم اختلاف طرق الاحتفال بنوروز بين الشعوب، إلا أن معظم الطقوس تشترك في فكرة التجديد والاحتفاء بالحياة. ففي إيران مثلاً تُعدّ "مائدة هفت سين" واحدة من أبرز مظاهر الاحتفال. وتتكون هذه المائدة من سبعة عناصر تبدأ جميعها بحرف السين في اللغة الفارسية، ولكل عنصر منها دلالة رمزية.

ومن بين هذه العناصر "سبزه" التي ترمز إلى الحياة الجديدة، و"سمنو" التي ترمز إلى الوفرة، و"سير" الذي يرمز إلى الصحة، و"سيب" الذي يدل على الجمال، و"سماق" الذي يرمز إلى انتصار الخير على الشر، إضافة إلى "سرکه" الذي يدل على الحكمة و"سنجد" الذي يرمز إلى الحب والعطاء. وغالباً ما توضع إلى جانب هذه العناصر كتب مقدسة مثل القرآن لدى المسلمين أو كتاب “الأفيستا” لدى أتباع الديانة الزرادشتية.

كما تنتشر طقوس إشعال النار في العديد من مناطق إيران وآسيا الوسطى، حيث يقفز الناس فوق النيران في إشارة رمزية إلى التخلص من المرض والهموم واستقبال عام جديد مليء بالحيوية.

وفي دول آسيا الوسطى مثل أوزبكستان وكازاخستان وقرغيزستان، تقام مهرجانات شعبية كبيرة تتخللها عروض موسيقية ورقصات تقليدية وألعاب شعبية. كما يتم إعداد أطباق خاصة مثل "السومالك"، وهو طبق تقليدي مصنوع من القمح يُطهى لساعات طويلة ويُعد رمزاً للخصوبة وبداية موسم زراعي جديد.

أما في أفغانستان، فيرتبط نوروز أيضاً ببداية الدورة الزراعية، حيث يحتفل المزارعون بقدوم الربيع ويقيمون مهرجانات محلية تعكس العلاقة العميقة بين الإنسان والطبيعة.

نوروز بين المنع والاحتفال

ورغم الطابع الاحتفالي لهذا العيد، لم يكن نوروز دائماً مرحباً به من قبل السلطات السياسية في بعض البلدان. ففي فترات مختلفة، تم حظر الاحتفال به أو تقييده لأسباب سياسية أو دينية.

ففي تركيا وسوريا مثلاً، كان الاحتفال بنوروز لفترة طويلة ممنوعاً لأنه عُدَّ عيداً قومياً كردياً قد يعزز الروابط القومية. ولذلك كانت الاحتفالات غالباً ما تقام وسط إجراءات أمنية مشددة، وترافقت في كثير من الأحيان مع اعتقالات للنشطاء والمنظمين.

وفي بعض الجمهوريات السوفيتية السابقة مثل قرغيزستان وطاجاكستان، مُنع الاحتفال بنوروز خلال الحقبة السوفياتية لأنه اعتُبر عيداً دينياً مرتبطاً بالزرادشتية. لكن بعد استقلال هذه الدول في بداية التسعينيات عاد نوروز ليُحتفل به بشكل واسع وأصبح جزءاً من الهوية الثقافية الوطنية.

عيد الحرية والتجدد

ومع مرور الزمن، اكتسب نوروز معاني جديدة تتجاوز كونه مجرد عيد تقليدي. فهو اليوم يمثل رمزاً للحرية والتجدد لدى العديد من الشعوب التي عانت من الحروب والصراعات والاضطهاد.

وبالنسبة للكرد بشكل خاص، أصبح نوروز مناسبة للتعبير عن التمسك بالهوية والثقافة والنضال من أجل الحقوق والحرية. وغالباً ما تتحول الاحتفالات بهذا العيد إلى مهرجانات جماهيرية كبيرة ترفع خلالها الأعلام والرموز الثقافية، وتُلقى الكلمات التي تؤكد على قيم التضامن والوحدة.

كما ينظر الكثيرون إلى نوروز باعتباره فرصة لتعزيز التعايش بين الشعوب المختلفة التي تشترك في الاحتفال به، إذ يجمع الكرد والفرس والعرب والتركمان والآذريين وغيرهم في احتفالات مشتركة تؤكد أن الثقافة يمكن أن تكون جسراً للتواصل بين الشعوب.

نوروز في العصر الحديث

وفي السنوات الأخيرة، حظي نوروز باعتراف دولي واسع. ففي عام 2009 أدرجته منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، اعترافاً بأهميته الثقافية ودوره في تعزيز التفاهم بين الشعوب. كما أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2010 يوم 21 آذار يوماً دولياً لنوروز.

ويعكس هذا الاعتراف العالمي أهمية هذا العيد بوصفه رمزاً للتنوع الثقافي والتعايش السلمي. فبينما يحتفل الملايين بقدوم الربيع وإشعال النيران والرقص والغناء، يحمل نوروز أيضاً رسالة إنسانية عميقة مفادها أن الحياة تتجدد دائماً وأن النور قادر على الانتصار على الظلام.

نوروز.. ذاكرة الشعوب وأمل المستقبل

ويبقى نوروز أكثر من مجرد عيد تقليدي؛ إنه ذاكرة جماعية للشعوب التي احتفظت به عبر آلاف السنين رغم التحولات السياسية والدينية. فمن أسطورة كاوا الحداد لدى الكرد إلى مائدة هفت سين لدى الفرس، ومن مهرجانات آسيا الوسطى إلى احتفالات الجاليات في مختلف أنحاء العالم، يعكس نوروز قصة مشتركة من الأمل والنضال.

ومع إشعال شعلة نوروز كل عام، يستحضر المحتفلون رمزية البداية الجديدة والانتصار على الظلم، مؤكدين أن هذا العيد سيبقى رمزاً للتجدد والحرية والتعايش بين الشعوب مهما تغيرت الأزمنة والظروف.

(ح)

ANHA