تجاهل دستوري مزمن.. كيف غابت حقوق الشعب الكردي عن دساتير سوريا منذ الاستقلال؟

منذ إعلان سوريا استقلالها عام 1946، تعاقبت على البلاد دساتير متعددة عكست تحولات سياسية عميقة، من البرلمانية إلى الوحدة مع مصر، ثم الانقلابات العسكرية، وحكم الحزب الواحد، وصولاً للإعلان الدستوري الأخير الذي أعلنته الحكومة المؤقتة، غير أن بنداً ظل مثار جدل دائم، موقع الشعب الكردي في النص الدستوري.

تجاهل دستوري مزمن.. كيف غابت حقوق الشعب الكردي عن دساتير سوريا منذ الاستقلال؟
السبت 14 آذار, 2026   04:00
قامشلو
أحمد سمير

يشكل الشعب الكردي ثاني أكبر مكون قومي في سوريا، ويتمركزون منذ فجر التاريخ في مناطق الشمال، والشمال الشرقي للبلاد، ويتوزعون في معظم الجغرافية السورية. 

وعانى الشعب الكردي لعقود من تهميش دستوري وسياسي، وإنكار الوجود القومي، ولم تعترف الدساتير السورية المتعاقبة بوجودهم، كما فرضت قيوداً وحظراً على لغتهم وثقافتهم ومشاركتهم السياسية، وبقيت قضية الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي داخل المجتمع السوري عالقة دون انصاف، وخاصة حقوق الشعب الكردي.

وشهدت سوريا منذ مطلع القرن العشرين سلسلة من الدساتير، بدءاً من مرحلة ما بعد سقوط الدولة العثمانية، مروراً بالانتداب الفرنسي والانقلابات العسكرية وصولاً إلى الأنظمة الاستبدادية المعاصرة.

دستور 1920

وصدر دستور عام 1920 في عهد الملك فيصل الأول بعد إعلان المملكة العربية السورية، ويعد أول دستور سوري حديث، أقره المؤتمر السوري العام في 13 تموز 1920، قبل أيام قليلة من معركة ميسلون ودخول القوات الفرنسية إلى سوريا.

دستور 1930

وصدر دستور عام 1930 خلال فترة الانتداب الفرنسي، وحافظ على مركزية الدولة ولم يتضمن اعترافاً بالتعددية القومية.

وشهدت منطقة الجزيرة السورية بين عامي 1937–1939 توتراً سياسياً متصاعداً، وبلغ ذروته عام 1938. وجاءت هذه الأزمة في سياق تعثر معاهدة الاستقلال لعام 1936 بين الحكومة السورية التي قادتها الكتلة الوطنية والسلطات الفرنسية، وفي ظل صراع حول شكل الدولة السورية ومستوى مركزية الحكم.

وكانت الحكومة في دمشق تسعى إلى ترسيخ دولة مركزية وفق دستور 1930، وطالب الأهالي في الجزيرة بالحصول على وضع إداري خاص يراعي خصوصية تلك المناطق.

وشهدت مدن وبلدات الجزيرة احتجاجات واسعة وتوترات سياسية، وتشكلت لجان محلية من بعض الوجهاء الكرد والمسيحيين للمطالبة بإصلاحات إدارية وسياسية، ورفضت الحكومة المركزية هذه المطالب وعدّتها تهديداً لوحدة الدولة.

ومن أبرز هذه المطالب الحكم الإداري المحلي، ومنح منطقة الجزيرة نوعاً من الإدارة المحلية أو الحكم الذاتي ضمن الدولة السورية، وتمثيل إداري محلي، وتعيين موظفين وإداريين من أبناء المنطقة في المؤسسات الحكومية، والسماح بالحفاظ على اللغة والثقافة الكردية وممارستها بحرية، وضمان مشاركة السكان المحليين في الحياة السياسية وعدم احتكار السلطة من قبل النخب المركزية في دمشق.

وعلى أثر ذلك، تدخلت سلطات الانتداب الفرنسي لإدارة الأزمة، ما زاد من تعقيد المشهد السياسي في المنطقة، ولم يتم التوصل إلى اتفاق حول هذه المطالب، واستمرت الخلافات بين الحكومة المركزية والقوى المحلية. وفي عام 1939 استغلت فرنسا الاضطرابات السياسية لتعليق الدستور السوري وحل البرلمان، فعادت البلاد إلى الحكم المباشر للانتداب الفرنسي لفترة قبل استعادة الحياة الدستورية لاحقاً.

دستور 1950

بعد الاستقلال سوريا عن فرنسا عام 1946، صدر دستور عام 1950 ولكنه أيضاً لم يتضمن نصوصاً تعترف بالحقوق القومية للمكونات غير العربية.

دستور 1973

وفي عهد حافظ الأسد، بعد استلام حزب البعث في السلطة، صدر دستور عام 1973 ومنح الدستور صلاحيات واسعة للرئيس، وكرس دور الدولة المركزية ولم يعترف بالحقوق القومية للمكونات غير العربية.

دستور 2012

وفي عهد بشار الأسد صدر دستور عام 2012 في سياق الأزمة السورية، وأبقى على النظام المركزي، ولم يدخل أي تغييرات جوهرية على مستوى الاعتراف بالتعددية القومية.

الدساتير والإعلانات الدستورية المؤقتة

وشهدت سوريا عدداً كبيراً من الدساتير المؤقتة نتيجة للانقلابات السياسية والعسكرية، أبرزها: "الدستور المؤقت 1949 بعد انقلاب حسني الزعيم، الدستور المؤقت الثاني 1949 بعد انقلاب سامي الحناوي، الدستور المؤقت 1951 خلال حكم أديب الشيشكلي، دستور 1953 الذي وضعه الشيشكلي، دستور الجمهورية العربية المتحدة 1958 خلال الوحدة مع مصر، الإعلان الدستوري 1961 بعد الانفصال عن مصر، الإعلان الدستوري 1963 بعد انقلاب حزب البعث، الدستور المؤقت 1964، الدستور المؤقت 1969 الذي سبق دستور 1973.

الإعلان الدستوري السوري المؤقت لعام 2025

وفي 13 آذار 2025 أُقر الإعلان الدستوري السوري المؤقت، لعام 2025 من قبل رئيس الحكومة المؤقتة في سوريا أحمد الشرع، بهدف تنظيم المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام البعثي نهاية عام 2024.

وآثار الإعلان السوري المؤقت جدلاً كبيراً بعد إقصاء المكونات السورية من المشاركة في صياغته، ولم يغير الإعلان الدستوري نصوص الدساتير السابقة، بل أبقى على تركيز السلطة بيد الرئيس، كما لم يقدم حلولاً واضحة لمسألة الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي في البلاد.

ومن المقرر أن يستمر العمل بهذا الإعلان الدستوري لمدة خمس سنوات (2025–2030) حتى صياغة دستور دائم جديد.

ولم تتضمن الدساتير السورية نصوصاً تعترف بالتعددية القومية والثقافية، بل قدمت سوريا كونها دولة عربية، وهو ما عدَّه الشعب الكردي والمكونات الأخرى في سوريا، تجاهلاً لوجودهم التاريخي.

وتعرضت القوى السياسية الكردية لقيود واسعة، منعتهم من القيام بتنظيم الأنشطة الثقافية والسياسية المرتبطة بالهوية واللغة الكردية، فواجه الشعب الكردي مشكلة انعدام الجنسية نتيجة الإحصاء الاستثنائي الذي جرى في الحسكة 1962، وقد حرم ذلك الكرد من حقوق مدنية أساسية مثل التملك والعمل في بعض الوظائف الحكومية.

وشهدت المناطق ذات الغالبية الكردية، تغييراً في الهندسة الديمغرافية، من بينها مشاريع إعادة توزيع الأراضي وسياسات النظام البعثي لتعريب المنطقة، والتي أثرت على البنية السكانية.

وتظهر التجربة السورية أن الدساتير التي صيغت في القرن الماضي والحالي، ركزت على مفهوم الدولة المركزية والهوية العربية دون غيرها، وتجاهلت الاعتراف الصريح بالتلون والتنوع القومي والثقافي داخل المجتمع السوري.

ومؤخراً، أصدر رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع مرسوماً في 16 كانون الثاني 2026، أشار فيها أن المواطنين السوريين من أصول كردية يشكلون "جزءا أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة"، غير أن مراقبين يرون أن ذلك غير كافٍ، في حال لم يتم ضمانه في الدستور.

وقد استمر الجدل حول شكل الدولة السورية المستقبلية، ولإنهاء حالة الانقسام والثقة في البلاد يتطلب إقامة عقد اجتماعي جديد، يراعي ويضمن مشاركة الجميع في صياغة الدستور، وضرورة الاعتراف الدستوري بالتعددية القومية والثقافية في البلاد، ضمان حق اللغة الأم في التعليم والإعلام والحياة الثقافية.

بالإضافة إلى مشاركة سياسية حقيقية لجميع المكونات في صياغة الدستور ومؤسسات الدولة، وحماية قانونية للثقافات المحلية ومنع سياسات الإقصاء أو التغيير الديموغرافي، وقيام إدارات محلية قوية تسمح للمناطق بالحفاظ على خصوصيتها الثقافية ضمن إطار الدولة.

(ح)

ANHA