عام على الإعلان الدستوري

مع سقوط نظام البعث في سوريا، تجددت آمال السوريين في تحقيق التغيير الديمقراطي المنشود، الذي ينهي عقوداً من الاستبداد والتهميش وحكم الحزب الواحد واللون والقومية الواحدة. غير أن الحكومة المؤقتة التي شكّلتها "هيئة تحرير الشام" فرضت إعلاناً دستورياً على البلاد في 13 آذار 2025، يتشابه إلى حد كبير مع دساتير حزب البعث، ويتناقض تماماً مع أهداف الثورة السورية.

عام على الإعلان الدستوري
الجمعة 13 آذار, 2026   02:30
مركز الأخبار

كان حزب البعث، خلال سنوات حكمه، مسؤولاً عن القضاء على الحياة السياسية التي شهدتها البلاد عقب الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، كما فرض هيمنة القومية العربية على حساب القوميات والمكوّنات الأخرى. وقد مهّد ذلك للتطورات الأخيرة، حيث انتفض السوريون مع انطلاق ما يُعرف بالربيع العربي.

الحكومة المؤقتة في سوريا انتهجت السياسة نفسها من خلال تكريس حكم اللون الواحد، وإلغاء أي تعددية سياسية أو قومية أو طائفية. ففي 13 آذار 2025 أصدرت إعلاناً دستورياً عدّه البعض امتداداً لدساتير حزب البعث التي رسّخت حكم الاستبداد لعقود، فيما رأى آخرون أنه تجاوز حتى تلك الدساتير في سلبيته، نظراً لعدم التزام الحزب السابق فعلياً بالكثير من البنود التي تضمنتها، والتي وصفها العديد من المراقبين بأنها لم تكن سوى نصوص غير مُفعّلة.

تكريس للإقصاء الديني

يحاكي الإعلان الدستوري الذي أقرّته الحكومة المؤقتة مضمون دستور 2012 في عدد من مواده، مثل النص على أن دين رئيس الجمهورية هو الإسلام، وأن الفقه الإسلامي يعد مصدراً رئيساً للتشريع، مما يكرس إقصاء الأديان الأخرى، ويمنع مواطنيها من الوصول إلى منصب الرئاسة، وهو ما يتعارض مع الطبيعة التعددية الدينية والطائفية التي تتميز بها سوريا.

كما أن هذا النهج يخلق حالة من التمييز المجتمعي، إذ يُصنَّف المواطنون وفقاً لانتماءاتهم الدينية، ما يهدد مبدأ المواطنة، حيث يصبح هناك مواطنون من الدرجة الأولى وآخرون من الدرجة الثانية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن صياغة المادة التي تنص على "احترام الدولة لجميع الأديان وكفالة حرية القيام بشعائرها، بشرط عدم الإخلال بالنظام العام" تتيح للسلطات فرصة لقمع أي تحرك تحت ذريعة الحفاظ على النظام العام، ما قد يؤدي مستقبلاً إلى تفاقم الانقسامات المجتمعية، وزيادة الحقد والكراهية الدينية داخل البلاد.

وكنتيجة لذلك، ساعد هذا الإقصاء وتمييز طائفة أو مكوّن على حساب آخر في تكريس خطاب الطائفية والتحريض والكراهية، حيث بات كل مختلف دينياً أو طائفياً هدفاً لموالي هذه الحكومة.

التعددية اللغوية ضحية القومية الأحادية

ويؤكد كل من دستور 2012 والإعلان الدستوري للحكومة المؤقتة على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، وهو ما يعزز التمييز ضد القوميات والمكونات الأخرى، ويحرمها من حق العيش بمواطنة كاملة في وطنها.

كما أن هذا النص يمنح السلطات صلاحية قمع أي محاولة من قبل المكونات غير العربية لاستخدام لغتها في المؤسسات العامة، التعليمية منها والإدارية، وهو ما عانى منه الكرد السوريون طيلة سنوات حكم البعث، حيث مُنعوا من التحدث بلغتهم. وقد يمتد هذا التمييز ليشمل تقييد فرص الدراسة والعمل لهذه المكونات، بل وإقصائها من التمثيل الدبلوماسي والسياسي لسوريا على المستوى الدولي.

رئيس بصلاحيات مطلقة

ومنح الإعلان الدستوري رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، حيث نصت المادة 32 على كونه القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، دون وضع أي آلية واضحة للمساءلة، ما يفتح الباب أمام الاستبداد المطلق، حيث يتركز القرار العسكري والسياسي في يد شخص واحد دون ضوابط قانونية.

وفي المقابل، كان دستور 2012 يتضمن بنوداً تحدد عمل المحكمة الدستورية العليا، ومن مهامها مراقبة دستورية القوانين والمراسيم التشريعية واللوائح، وإبداء الرأي في مدى دستوريتها، والإشراف على انتخاب رئيس الجمهورية، وتنظيم إجراءات الطعون المتعلقة بصحة الانتخابات، فضلاً عن محاكمة رئيس الجمهورية في حالة ارتكاب الخيانة العظمى.

المحكمة الدستورية.. مؤسسة شكلية بلا صلاحيات

وعلى الرغم من أن المحكمة الدستورية لم يتم تفعيلها فعلياً خلال حكم البعث، إلا أن الإعلان الدستوري الجديد لم يعرْها أي اهتمام، بل تجاهلها تماماً باستثناء الإشارة إلى أن أعضاءها يتم تعيينهم من قبل رئيس الجمهورية، ما يقوض استقلال القضاء، ويحوِّل المحكمة إلى مجرد أداة خاضعة للسلطة التنفيذية، تفقد دورها كجهة رقابية مستقلة.

كما أن المادة 50 من الإعلان الدستوري منحت "الرئيس" صلاحية تعديل الإعلان الدستوري نفسه بموافقة ثلثي مجلس الشعب، ما يعني أن صلاحياته قد تتعاظم مستقبلاً، وقد تمتد المرحلة الانتقالية إلى أجل غير مسمى بقرار داخلي، دون الحاجة للعودة إلى إرادة الشعب.

لا وجود لكلمة ديمقراطية

وعلى الرغم من أن نظام الأسد لم يكن يعترف فعلياً بالديمقراطية، إلا أن دساتير البعث تضمنت، شكلياً على الأقل، نصوصاً تفيد بأن سوريا دولة ديمقراطية، بينما غاب هذا المصطلح كلياً عن الإعلان الدستوري للحكومة المؤقتة، في إشارة إلى تأثر السلطة الجديدة بتيارات دينية متشددة ترفض أي مظهر من مظاهر الحكم الديمقراطي.

تفكيك الحكومة

كان دستور 2012 ينص في المادة 118 على وجود مجلس للوزراء، يرأسه رئيس مجلس الوزراء الذي يعينه رئيس الجمهورية، ويشرف على تنفيذ القوانين والأنظمة، ويراقب عمل أجهزة الدولة ومؤسساتها. وعلى الرغم من أن دور رئيس الوزراء كان شكلياً خلال حكم البعث، حيث كانت السلطة الفعلية بيد الرئيس، إلا أن الإعلان الدستوري الجديد ألغى هذا المنصب تماماً، محولاً جميع السلطات التنفيذية إلى يد رئيس الجمهورية.

مجلس شعب منزوع الصلاحيات

كما منح الإعلان الدستوري رئيس الجمهورية سلطة تعيين أعضاء الحكومة وأعضاء مجلس الأمن القومي، وقضاة المحكمة الدستورية العليا، بالإضافة إلى تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، واللجنة التي تختار الثلثين الآخرين، مما يقوض تماماً أي فرصة لوجود برلمان يمثل إرادة المجتمع السوري بشكل حقيقي.

ومن خلال تحليل نص الإعلان الدستوري، يتضح أن رئيس المرحلة الانتقالية يملك القدرة على التأثير المباشر على السلطة التشريعية، إذ يمنحه الإعلان الدستوري صلاحية رد أي تشريع إلى مجلس الشعب، مع إمكانية رفع نسبة التصويت المطلوبة لإقراره.

وعلى الرغم من ذلك، إلا أنه حتى الآن لم يتم العمل بمجلس الشعب وهذا ما يمثل إشكالية دستورية ومؤسسية ذات آثار واسعة على مسار بناء الدولة السورية في المرحلة الانتقالية. فقد أدى هذا التأخر إلى نشوء فراغ تشريعي انعكس على قدرة الدولة على إصدار التشريعات اللازمة لتنظيم شؤونها، كما أفسح المجال أمام توسع السلطتين التنفيذية والقضائية في ممارسة وظائف ذات طبيعة تشريعية.

هل هو دستور انتقالي.. أم صياغة لاستبداد طويل الأمد؟

كما أن المادة 39 من الإعلان الدستوري تمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة على مجلس الشعب، إذ يحق له اقتراح القوانين وإصدارها بعد موافقة المجلس، كما يمكنه الاعتراض على أي قانون بقرار معلل، ولا يُقرّ القانون المعترض عليه إلا بموافقة ثلثي مجلس الشعب، الذي يملك الرئيس سلطة تعيين أعضائه.

أما دستور 2012، فقد كان يمنح مجلس الشعب صلاحيات أوسع، وإن كان حزب البعث قد صادرها جميعاً عملياً، حيث نصت المادة 74 منه على حق أعضاء مجلس الشعب في اقتراح القوانين، وتوجيه الأسئلة والاستجوابات للوزراء، فضلاً عن تولي مهام رئيسية، مثل إقرار القوانين، ومناقشة بيان الحكومة، وحجب الثقة عن الوزراء، وإقرار الموازنة العامة، والمصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وإقرار العفو العام.

ولكن الإعلان الدستوري الجديد حصر جميع هذه الصلاحيات بيد رئيس الجمهورية، ما يعكس تركيز السلطة بالكامل في يد واحدة، بعيداً عن أي شكل من أشكال الرقابة المؤسسية.

وكنتيجة لما سبق، زاد الإعلان الدستوري من تركيز السلطة بيد الرئيس، وعمّق سياسة الإقصاء بحق المكونات السورية غير العربية وغير المسلمة، كما تجاهل تماماً أي ذكر للديمقراطية أو التعددية السياسية. هذه التطورات تشير إلى أن سوريا تسير نحو نظام حكم أكثر استبداداً من النظام البعثي.

(ي ح/أ ب)

ANHA