المرأة والتمـاسك المجتمعي: حين يكون الاحتفاء اعترافاً بالدور البنيوي – دعد قنوع

المرأة والتمـاسك المجتمعي: حين يكون الاحتفاء اعترافاً بالدور البنيوي – دعد قنوع
الجمعة 6 آذار, 2026   07:35

في كل عام، يشكّل عيد المرأة مناسبة رمزية للاحتفاء بإنجازاتها، غير أن هذا الاحتفاء يظل ناقصاً إن لم يُقرن بوعيٍ حقيقي بدورها البنيوي في بناء المجتمع وتماسكه. فالمرأة ليست مجرد عنصر مكمل في النسق الاجتماعي، بل هي فاعل مركزي في إنتاج التضامن، واستمرار القيم، وتعزيز الاستقرار.

المرأة كمنتِج للتضامن الاجتماعي

يشير عالم الاجتماع إميل دوركايم إلى أن المجتمعات تقوم على نوع من التضامن الذي يحفظ تماسكها. وإذا كانت المؤسسات الاجتماعية تتكامل لضمان الاستقرار، فإن الأسرة تمثل النواة الأولى لهذا التكامل. داخل هذه النواة، تلعب المرأة دوراً محورياً في التنشئة الاجتماعية، وفي نقل المعايير والقيم التي تحفظ هوية المجتمع.

فهي التي تزرع في الطفل مفاهيم التعاون، والانتماء، واحترام الآخر. ومن خلال هذا الدور اليومي المتكرر، تُنتج ما يمكن تسميته بـ "الاستقرار الصامت"؛ ذلك النوع من التماسك الذي لا يُرى لكنه يمنع التفكك والذي نحن في سوريا أحوج له اليوم لوقف الدفق الفوضوي لانهيار القيم، ونعيد للمرأة دورها التشاركي الفعال.

بين الرعاية ورأس المال الاجتماعي

لا يقتصر أثر المرأة على المجال الأسري الضيق. فقد بيّن كلٌّ من بيير بورديو وروبرت بوتنام أن رأس المال الاجتماعي — أي شبكات الثقة والتعاون — هو أساس المجتمعات المتماسكة. والمرأة غالباً ما تكون الأكثر حضوراً في هذه الشبكات في التعليم، والرعاية الصحية، والعمل التطوعي، والمبادرات المجتمعية.

إن هذا الانخراط يعزز الروابط الأفقية داخل المجتمع الحي، ويقوي جسور الثقة بين أفراده الأسوياء، مما يرفع مستوى التضامن العام ويحد من النزاعات إلى الحد الأدنى.

التماسك لا يعني الصمت على الاختلال

غير أن الحديث عن التماسك لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة إلى تثبيت أدوار تقليدية أو قبول باللامساواة. فوفق منظور نظرية الصراع عند كارل ماركس، فإن أي استقرار يقوم على اختلال في توزيع السلطة والموارد يظل هشاً. ومن هنا، فإن تمكين المرأة تعليمياً واقتصادياً ليس فقط مطلباً حقوقياً، بل شرطاً لاستقرار عادل ومستدام.

فالمجتمع الذي يتيح للمرأة فرص المشاركة الكاملة، يقلل من التوترات البنيوية، ويؤسس لعلاقات أكثر توازناً داخل الأسرة وخارجها.

في زمن التحولات

في ظل التحولات الرقمية، والضغوط الاقتصادية، والتغيرات القيمية المتسارعة، تتعاظم أهمية الدور الذي تؤديه المرأة في حماية النسيج الاجتماعي من التفكك. فهي ليست فقط ناقلة للثقافة، بل فاعلة في تجديدها. وليست فقط عنصر دعم، بل شريكة في صنع القرار، وبناء السياسات، وتوجيه التنمية حسب ما وصلنا للمفكر عبد الله أوجلان من أسس لتقوية المجتمع الديمقراطي.

عيد المرأة.. اعتراف بالمسؤولية المشتركة

إن الاحتفاء بعيد المرأة يجب أن يتجاوز الخطاب العاطفي إلى الاعتراف العميق بدورها البنيوي في حفظ التماسك المجتمعي. فالمرأة، عبر التاريخ، كانت وسيطاً بين الأجيال، وحافظة للهوية، وصانعة لرأس المال الاجتماعي، وعنصر توازن في أوقات الأزمات.

والرسالة الأهم في هذه المناسبة أن تمكين المرأة ليس تكريماً لها فحسب، بل استثماراً في استقرار المجتمع بأسره.

فحيث تكون المرأة قوية ومشاركة، يكون المجتمع أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على مواجهة تحدياته.