"سوريا بين التفكك والعنف.. والحل السياسي ضرورة عاجلة لإنقاذها"

تواجه سوريا وفق وصف إعلامي سوري، تحولاً بنيوياً يشمل تفكك السلطة، تصاعد الانتهاكات، وتسييس الهوية، في ظل إفلات واسع من العقاب، ما يكرس حالة انعدام الأمان ويجعل العنف أداة ضغط متبادلة، وأن الحل المرجو يمر عبر مسار سياسي شامل يقوم على مواطنة متساوية، محاسبة حقيقية، ولامركزية ديمقراطية تحمي الحقوق وتعيد بناء الثقة الوطنية.

"سوريا بين التفكك والعنف.. والحل السياسي ضرورة عاجلة لإنقاذها"
الإثنين 5 كانون الثاني, 2026   07:25
السويداء

اليوم سوريا تمر بواقع معقد يجمع بين تصاعد الانتهاكات الأمنية، وضغوط اقتصادية واجتماعية شديدة، في ظل استمرار التوترات السياسية والمواجهات التي تزيد شعور المواطنين بانعدام الأمان وعدم الاستقرار.

لا يقرأ الإعلامي السوري، والمختص بالقضايا السياسية والاجتماعية في سوريا، الدكتور مجد القلعاني، ما تشهده سوريا في المرحلة الأخيرة كتصاعد عابر في الجريمة أو خلل أمني مؤقت، بل كتحوّل بنيوي في طبيعة الصراع والحياة اليومية، حيث تدخل البلاد تدريجياً في حالة تفكك سلطوي مدار بالعنف.

ويرى، في حديثه لوكالتنا عن واقع سوريا، أنّ هذا التحوّل تحكمه ثلاث مقاربات واقعية. أولها: تآكل احتكار القوة، حين تعجز السلطة القائمة عن فرض قانون موحّد ومساءلة متساوية، من خلال تقديم المرتزقة كأبطال وفاتحين. فيتحوّل السلاح من أداة أمنية إلى أداة لتثبيت الحكم، وتصبح الجريمة جزءاً من التوازنات السياسية غير المعلنة. وهنا لا يعود العنف استثناءً، بل وسيلة لإعادة ترتيب النفوذ والاعتبارات والمصالح.

أما ثانيها فقال عنها: "تسييس الهوية، إذ إنّ استدعاء الانتماءات الطائفية والمناطقية لا يتم عفوياً، بل يُستخدم كآلية للتعبئة والتجييش والردع المتبادل. وقد شكّل تفجير مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حمص مثالاً واضحاً على ما يمكن تسميته زرع الخوف، أي توجيه رسائل سياسية عبر الدم، بما يفتح الباب أمام منطق الانتقام الجماعي وينهي أي خطاب وطني جامع".

والثالثة قال إنها "الإفلات من العقاب كسياسة أمر واقع، فغياب المحاسبة لا يشجع فقط على تكرار الانتهاكات، بل يشرعن التعميم والعقاب الجماعي، ويحول المظلومية الفردية إلى سردية جماعية قابلة للاستثمار السياسي".

وأضاف: "من هذا المنظور، نقول إن السويداء اختبرت كلفة الانكفاء وكلفة الدفاع الذاتي معاً، وإن سوريا تدار اليوم بمنطق احتواء الانفجار لا بمنطق معالجته، ما يعني أن العنف سيبقى أداة ضغط متبادلة، وأن الثقة بأي مشروع وطني شامل ستستمر في التآكل والانحدار".

لافتاً إلى أن احتجاجات الداخل والساحل الأخيرة في سوريا لم تكن حدثاً معزولاً بعيداً عن الواقع السوري، بل رد فعل على شعور متزايد بانعدام الحماية وغياب الضمانات والثقة.

ونوّه الإعلامي السوري مجد القلعاني، أن المطالب التي رفعت بين "وقف الانتهاكات، والإفراج عن معتقلين، وطرح اللامركزية كصيغة أمان"، تعكس انتقال قطاعات كانت تُعد خارج دائرة الاحتجاج إلى موقع القلق السياسي، مبيناً أن المشكلة لم تكن في الاحتجاج بحد ذاته، بل في سرعة تحوله إلى مواجهات، ما يكشف هشاشة السلم الأهلي واستعداد الأرضية الشعبية للاشتعال عند أول صدمة.

وأشار إلى أن انتشار القوات والآليات الثقيلة قدّم صورة شكلية عن استعادة السيطرة، لكنه في الجوهر عزز منطق الردع القسري على حساب الطمأنة وبناء الثقة، ما عمّق الشعور بعدم الأمان بدل احتوائه.

وأضاف في السياق ذاته: "أعادت الرواية الرسمية تفسير الأحداث كونها من فعل مجموعات خارجة عن القانون، وهو خطاب مألوف يعيد إنتاج أسلوب النظام السابق في تفصيل الوقائع ضمن سرديات جاهزة، تقوم على شيطنة الخصم وتجريده من أي امتداد اجتماعي، بعيداً عن مقاربة الأسباب الحقيقية الكامنة على الأرض. وسياسياً، يكشف هذا المشهد أن الخوف لم يعد محصوراً بهوية أو منطقة بعينها، بل بات شعوراً عابراً للمكونات، ما يدفع أي جماعة تشعر بتراجع الحماية إلى البحث عن ضمانات خاصة، سواء عبر المطالبة باللامركزية، أو الحكم الذاتي، أو عبر ترتيبات أمنية محلية من خلال منطق حمل السلاح".

وأمّا من الناحية الأمنية، فإنّ تلك المشاهد من الفوضى المنضبطة أو المحدودة تشكّل البيئة الأكثر ملاءمة لبقايا الشبكات القديمة، وللجماعات المتطرّفة، وللقوى التي ترى في استمرار الانسداد السياسي مصلحة مباشرة تتيح لها إعادة التموضع وتوسيع نفوذها.

أما اجتماعياً، فإن الخطر الأعمق يكمن في ترسيخ منطق الشبهة الجماعية، حيث يختزل الأفراد ضمن هوياتهم الضيقة، وتدفع المكونات المختلفة، بما في ذلك الدروز والكرد والمسيحيون، إلى البحث عن صيغ حماية خارج إطار الدولة، وهو مسار يهدد ما تبقى من النسيج الوطني المشترك.

وأكد القلعاني أن الدفاع عن اللامركزية الديمقراطية، كما تطالب بها السويداء ويتقاطع معها المطلب في شمال وشرق سوريا وأمسى الآن مطلباً اجتماعياً وسياسياً للعلويين، ليس مشروع تفكيك، بل محاولة عقلانية لإعادة توزيع السلطة داخل دولة واحدة، شرط ألا تتحول إلى "كانتونات مسلحة أو غطاء لقمع جديد".

ورأى أنه إذا استمر الواقع الحالي دون تصحيح سياسي حقيقي، فإن سوريا تتجه عملياً إلى أحد ثلاثة مسارات، جميعها عالية الكلفة، وهي:

المسار الأول هو التفكك البطيء، حيث تتكرس مناطق نفوذ غير معلنة، لكل منها أمنها واقتصادها وخطابها، دون إعلان انفصال رسمي وهذا النموذج قد يبدو أقل دموية على المدى القصير، لكنه شديد الهشاشة، وقابل للانفجار عند أي حادثة نوعية، وهذا ما أنتجته السياسة الداخلية لسلطة الأمر الواقع في دمشق خلال الأشهر الماضية، حيث استبيحت مقدرات الدولة وحرمت منها باقي المحافظات مثل السويداء وشمال شرق الفرات.

أما المسار الثاني فهو إعادة فرض القبضة الأمنية، وهو خيار يمنح استقراراً شكلياً، لكنه يعيد إنتاج أسباب الانفجار نفسها؛ لأن المظلومية المؤجلة لا تختفي بل تتراكم، وهذا القرار صعب لأنه يحتاج إلى توافقات سياسية دولية وخريطة طريق وامتداد بين الدول المسيطرة "أمريكا، إسرائيل، تركيا، بريطانيا"، فقد أقدمت إسرائيل على ضرب تجمعات لميليشيات العشائر والبدو في طريقهم نحو السويداء.

فيما المسار الثالث والأصعب تحقيقاً هو إعادة تأسيس العقد الوطني، عبر مسار سياسي يضمن المواطنة المتساوية، قضاءً مستقلاً، محاسبة حقيقية، ولا مركزية سياسية وإدارية واضحة، تعترف بحقوق جميع المكونات، وفي مقدمتها الحقوق القومية والثقافية للكرد، ضمن إطار دولة سورية واحدة ديمقراطية.

ويتأسف الإعلامي السوري مجد القلعاني، لما أنتجته ما أسماها "سلطة الأمر الواقع" في دمشق، من خلق تيار سلفي ديني متشدد ينادي بالديمقراطية من إطار الأكثرية العددية بعيداً عن مفاهيم المواطنة والحرية والعدالة السياسية.

ويؤكّد أنّ سوريا لا تحتاج إلى مزيد من الإدارة الأمنية للأزمة، بل إلى قرار سياسي يعيد تعريف الدولة بوصفها حاميةً للحقوق لا منظِّمةً للخوف والإرهاب، ودولة مواطنين لا تجمعات تبحث عن الحماية السياسية أو الاجتماعية خارج إطارها. وحذّر من أنّ أي تأخير في اتخاذ هذا المسار سيعني بالضرورة أنّ البدائل ستُفرض من الخارج، وبكلفة أعلى على جميع السوريين.

ويقول القلعاني: "ممارسات سلطة الأمر الواقع في دمشق منذ لحظة تسلمها سلطة البلاد، من احتكار كامل للقرار السياسي، إلى إبرام اتفاقات دولية دون تفويض وطني، والتفريط بما تبقى من مقدرات البلاد، وصولاً إلى التعامل مع الأراضي المحتلة عبر معاهدات شكلية ووهمية لا يمكن قراءتها إلا بوصفها نهجاً استسلامياً أمام المطامع السياسية، يكرس فقدان السيادة بدلاً من استعادتها، ويعمّق أزمة الشرعية بدلاً من معالجتها".

(أم)

ANHA