اعتقالات غامضة تعيد هواجس السوريين وغياب الشفافية يفاقم معاناة مئات الأسر

يلازم القلق مئات الأسر السورية في ظل موجة اعتقالات غامضة تنفذها الحكومة الانتقالية دون أي توضيح رسمي، وقد شبّهها الأهالي بممارسات الحقبة البعثية، ما يترك العائلات عالقة بين الخوف وانتظار معلومة عن مصير أبنائها. وتكشف الشهادات عن دائرة مستمرة من الغموض وحرمان الأهالي من معرفة أماكن الاحتجاز، رغم المطالبات الحقوقية.

اعتقالات غامضة تعيد هواجس السوريين وغياب الشفافية يفاقم معاناة مئات الأسر
الأحد 14 كانون الأول, 2025   03:40
دمشق

يعيش آلاف السوريين حالة قلق مستمرة، عقب تنفيذ الحكومة الانتقالية موجة اعتقالات طالت مدنيين وعسكريين سابقين دون أي توضيح رسمي، في مشهد يعيد إلى ذاكرة السكان ممارسات النظام البعثي السابق.

يروي الأهالي في هذا التقرير لوكالتنا ما يتعرضون له، مفضلين عدم الكشف عن أسمائهم لدواعٍ أمنية. وتعكس هذه الشهادات حجم المعاناة المتراكمة، وكيف تحوّل انتظار أي معلومة عن مفقود ومفقودة إلى اختبار قاسٍ يثقل حياة عائلات بأكملها.

المشهد الأول: بيوت نصفها فراغ… والنصف الآخر انتظار

في أحد أحياء الريف الدمشقي، تقف أمّ لثلاثة أبناء أمام باب منزلها. تحرّك بيديها عبثاً قطعة قماش، وتقول بصوت مخنوق: "من ستة أشهر اعتقلوه… لا نعرف أين هو ولا حتى إن كان حيّاً. ابني لم يحمل سلاحاً… كان ذاهباً إلى عمله فقط".

تقول امرأة أخرى: "نعيش كل يوم كمن يمشي فوق جمر… نريد فقط أن نعرف أين هم".

المشهد نفسه يتكرر في عشرات القرى والبلدات، اعتقالات مفاجئة دون مذكرة، وحرمان تام من الزيارات، ومنع الأهالي من معرفة مكان الاحتجاز أو الجهة المسؤولة، يرويه الأهالي.

المشهد الثاني: ذاكرة لا تشفى ما قبل وما بعد سقوط النظام

في الأيام الأولى لسقوط النظام البعثي، توزّع مصير مئات المفقودين بين قتلى ومعتقلين في سجون "هيئة تحرير الشام" في المناطق التي امتدّ سيطرتها إليها، ومفقودين لم يعثر عليهم أحد حتى اليوم.

فيما يروي أحد الناجين من تلك المرحلة، بصوت منخفض: "كنا مجموعة مكونة من 27 شخصاً بين عسكريين ومدنيين… سبعة فقط خرجوا أحياء. اعتُقل كثيرون، ولا أحد يعرف من بقي منهم على قيد الحياة".

وعلى الرغم من مرور الأشهر والعام، إلا أن الأهالي ما زالوا يبحثون عن أدنى معلومة، أو شاهد ربما رأى وجهاً مألوفاً خلف باب زنزانة.

المشهد الثالث: غياب الشفافية… ومخاوف تتزايد

ما يفاقم المخاوف اليوم هو أنّ الاعتقالات الجديدة تتمّ وفق نمط مشابه لما عرفه السوريون سابقاً، توقيف بلا إعلان رسمي، ونقل إلى أماكن مجهولة، فضلاً عن منع الزيارات وسط غياب كامل لأي توضيح قانوني

من جهتها، حذرت منظمات حقوقية محلية من أن هذه السرية تشكل "بيئة خصبة للانتهاكات"، وطالبت الحكومة الانتقالية بأن تعلن أماكن الاحتجاز، وتسمح بزيارات عائلية أو رقابية، بالإضافة إلى تقدّم المعتقلين لمحاكمات واضحة، وكشف مصير المفقودين منذ سقوط النظام لكن لا يوجد حتى الآن، أي ردّ رسمي.

المشهد الرابع: الأهالي في معركة ضدّ الصمت

في منزل آخر، والد خمسيني يضع صورة ابنه على الطاولة. يحدّق فيها طويلاً قبل أن يقول: "لا أريد شيئاً من الدنيا… فقط كلمة حيّ ولا ميّت؟".

تغلب الدموع على كلامه، ثم يضيف: "نعيش بين الخوف والأمل… الخوف من أن يكون قد انتهى مصيره، والأمل بأن يكون في مكان ما يسمعنا الآن".

في قرية أخرى، يجتمع أهالي المفقودين داخل غرفة صغيرة، يتبادلون الأخبار والشائعات، يجمعون أسماء الذين اختفوا، يحاولون تحديد آخر مكان شوهدوا فيه… وكأنهم يبنون خريطة غير مكتملة تبحث عن باب يمكن فتحه".

المشهد الخامس: الحقيقة الغائبة… والمصير المعلّق

الوقائع على الأرض تشير إلى حالة غموض تام. لا السلطات تعلن شيئاً، ولا الأهالي يملكون معلومة، ولا المنظمات قادرة على دخول أماكن الاحتجاز. بلا شفافية، تصبح كل ساعة من الانتظار ثقيلة، وكل أيام الغياب تشبه بعضها، كأن الزمن توقف عند لحظة اختفاء الأبناء.

امرأة مسنّة تختصر المأساة بعبارة واحدة: "السجون لا تقتل من في داخلها فقط… تقتل من ينتظر خارجها أيضاً".

مع كل هذه الشهادات، يبقى سؤال واحد فوق كل الأسئلة، يراود ذوي المعتقلين والمفقودين: إلى متى سيظل مصير هؤلاء مجهولاً بين سجون الماضي وسجون الحاضر؟ وما لم تُفتح الأبواب المغلقة، ولم يتحقق الحد الأدنى من العدالة، هل سيظل السوريون يعيشون في دائرة يتكرر فيها الألم، وتكبر فيها الفجوة بين الناس والسلطة، وبين الأم وولدها، وبين الحقيقة والغياب؟

(ي م)

ANHA