أيُّ نماذج الديمقراطية هي الأنسب لسوريا؟

تتواصل الجهود الحثيثة لحل الأزمة السورية وبدء مرحلة إعادة الإعمار، فيما يبرز النقاش حول طبيعة النظام السياسي المنشود كأحد المحاور المركزية، وبينما تتنازع الأطراف المختلفة على صيغة الحكم المقبلة، يصبح التساؤل جوهرياً: أي نموذج ديمقراطي يمكن أن يستوعب تعقيدات التركيبة السورية ويحقق الاستقرار والعدالة في البلاد وتطلعات أبنائها؟

أيُّ نماذج الديمقراطية هي الأنسب لسوريا؟
السبت 13 كانون الأول, 2025   05:00
مركز الأخبار
روكر روجيان

تُعدّ الديمقراطية الحل الأكثر طرحاً للأزمة السورية، وبأخذ التنوّع في سوريا بعين الاعتبار، تأتي مفاهيم الإدارة الذاتية والديمقراطية الإقليمية والاستقلال الذاتي لتكون الأكثر بروزاً، وقد أُعلنت مناطق شمال وشرق سوريا كمناطق تتمتّع بالإدارة الذاتية والديمقراطية، بينما أعلنت السويداء استقلالها الذاتي وتطالب بالفيدرالية، كما تطالب مكونات مناطق الساحل أيضاً بالإدارة الذاتية، وفي المقابل تفرض حكومة دمشق الانتقالية نظاماً مركزياً قائماً على الدين.

وتعمّقت النقاشات في ظلّ الوضع الراهن، لكن بقي موضوع الديمقراطية الموضوع الأبرز والأكثر شيوعاً، لذا نستعرض هنا شرحاً لمفهوم الديمقراطية، وتطورها، وأمثلة على تطبيقها.

يعود أصل مفهوم الديمقراطية إلى اللغة اليونانية، وهو مصطلح مُركّب من كلمتي "Demos" التي تعني الشعب و"Kratos" التي تعني الإدارة أو السلطة، وعند دمج الكلمتين معاً، يتكوّن مصطلح "الديمقراطية" التي تعني حكمُ الشعب.

يُنسب علم أصول الكلمات (الإيتمولوجيا)، الديمقراطية إلى اليونان، لكن وفقاً لدراسات حديثة وبعض التعليقات عليها، يعود أصل الديمقراطية إلى عهد القبائل الأولى، كما يشير إلى أن أصلها يعود إلى جغرافية ميزوبوتاميا، حيث بدأت فيها عملية التنشئة الاجتماعية والإدارة والمؤسسات، وشهدت هذه المنطقة ظهور القبائل أو المجتمعات الصغيرة الأولى ومن بعدها القبائل والعشائر، ويُعدّ نظام إدارتها مصدراً للديمقراطية، ورغم أن مصطلح الديمقراطية لم يُستخدم آنذاك، فإنّ الحكم الذاتي للعشائر والقبائل يُعدّ أول مثال عليها.

واستناداً إلى أنظمة الحكم العشائرية والقبلية، يمكن ملاحظة تطوراتٍ متعلقة بالديمقراطية وأساليب تطبيقها عبر التاريخ.

الديمقراطية الأثينية

نشأت الديمقراطية في الشرق الأوسط، وتبلورت في اليونان بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، وروّج هسيودوس لفكرة الديمقراطية في هذه المنطقة عام 700 قبل الميلاد، لاحقاً، طورها سولون، وبريكليس، وسقراط، وأفلاطون، وأرسطو، وبوليبيوس، وزينون، وبانتيوس، وسينيكا، وإبيكتيتوس وماركوس أوريليوس، في كل من اليونان وروما، وطُبّقت بطرقٍ مختلفة.

كان عدد سكان المدن في اليونان آنذاك، يبلغ عشرة آلاف نسمة كحد أقصى، ما استدعى مشاركة أغلبية المجتمع في الإدارة والحكم، إلّا أنّه لم يكن للنساء والعبيد مكان في الإدارة والانتخابات، لذا لم يشاركوا، فقد كان مواطنو أثينا الشبان يصبحون أعضاء في مجلس المدينة المعروف باسم "الاكيلازيا أو الإكلسا" بعد بلوغهم سن العشرين.

روما

بعد أثينا، يمكن رؤية تطبيق الديمقراطية في الجمهورية الرومانية أيضاً، وأصبح هذا النظام أساساً للديمقراطية التمثيلية، فلم يكن المجتمع بأكمله مشاركاً في الحكم، بل كان له ممثلون، ويُعرف هذا النظام اليوم باسم "الجمهورية"، وظهرت خلال الجمهورية الرومانية، 3 مجالس هي: مجلس الشيوخ (مجلس طبقة النبلاء)، ومجلس الشعب (الكوميتيا: المواطنون الرومان الخاضعون لسيطرة الأثرياء) ومجلس القضاة (مجلس المسؤولين المنتخبين)، بقي نظام الجمهورية الرومانية قائماً لمدة قرن، ثم حلّت الإمبراطورية محله عام 27 قبل الميلاد.

عصر التنوير والديمقراطية

بعد العصر الإقطاعي، وخلال عصر التنوير، شهدت الديمقراطية تطورات ملحوظة نظرياً وتطبيقياً، ففي أوروبا، أُعيد اكتشاف ودراسة كتابات اليونان وروما القديمة حول الديمقراطية، وقدّم مفكرون، مثل مونتسكيو وروسو ولوك، تفسيرات ونظريات جديدة حول الديمقراطية.

كما شهدت أمريكا خطوة ملموسة نحو تطوير وترسيخ الديمقراطية، ففي عام 1776، صدر إعلان الاستقلال الأمريكي لتقرير المصير في مواجهة ضغوط إنكلترا، ونصّ الإعلان على أن جميع البشر خُلقوا متساوين، وأنّ الله منحهم حقوقاً معينة، تشمل حق الحياة والحرية والسعي وراء السعادة.

ويعدّ الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن الصادر عام 1789 خطوةً مهمةً في مسيرة الديمقراطية، ويتألف هذا الإعلان من 17 بنداً؛ أبرزها الحقوق العالمية، والانتخابات، والإعلام والعديد من حقوق الإنسان الأخرى.

برزت كلمة الديمقراطية كمفهوم بشكلٍ جليّ بين عامي 1784-1787 مع الثورتين الهولندية والبلجيكية، وفي عام 1795، صدرت في أمستردام صحيفة باسم "الديمقراطية (Democraten)"، وفي الفترة نفسها، طالبت جماعة "نادي أمستردام السياسي" بالحكم السياسي.

أنواع الديمقراطية

مع التطورات الفكرية في الحياة والحكم والإدارة والاقتصاد وغيرها، ظهرت حتى مطلع القرن الحالي، العديد من الأفكار المختلفة، مثل الرأسمالية والليبرالية والاشتراكية والأناركية (اللا سلطوية) والنسوية، وكل منها يفسر ويطبق مفهوم الديمقراطية كما يشاء.

ولا أحد يعارض الديمقراطية علناً، لكن التطبيق يختلف، ففي إيطاليا مثلاً، يقول الديكتاتور الفاشي موسوليني: "إذا كان هناك نظام حكم ديمقراطي في التاريخ، فهو نظامنا الفاشي".

وتنقسم الديمقراطية عموماً إلى ثلاثة أقسام؛ الديمقراطية المباشرة، والديمقراطية شبه المباشرة والديمقراطية التمثيلية، وتتعدّد أشكال التطبيق في إطار هذه العناوين، منها الديمقراطية الليبرالية، والديمقراطية الاجتماعية، والديمقراطية البرلمانية والديمقراطية التشاركية وغيرها، وقد تأسّست في أوروبا وأمريكا وآسيا العديد من الأحزاب تحت مسميات الديمقراطية الليبرالية أو الاجتماعية أو التشاركية، أمّا في معظم الدول التي تقوم على النظام الرأسمالي، فيُطبق نظام الديمقراطية التمثيلية وفقاً لمبادئ الليبرالية، ويُعرف أيضاً بالديمقراطية الجمهورية أو البرلمانية أو الفيدرالية.

وفي الدول التي تتبنى مبادئ الاشتراكية، كالدول الإسلامية، تُطبق غالباً أنظمة جمهورية وبرلمانية وفيدرالية، ولكن تختلف طرق تطبيقها.

الديمقراطية المباشرة: كومونة باريس

بعد الديمقراطية الأثينية، تُعدّ كومونة باريس أهم مثال على الديمقراطية الشعبية، حيث قُسّمت المدينة إلى 20 قسماً، وشُكّلت في كل قسم منها، لجان إدارية (Comités de Vigilance)، تُنفّذ القرارات الصادرة عنها من قبل اللجنة المركزية (Comité Central).

اتّخذت كومونة باريس، التي استمرّت 70 يوماً من 18 آذار إلى 28 أيار عام 1871، العديد من القرارات المهمة، فقد أُلغي الجيش الدائم، وعند الضرورة، أُجبر القادة وجميع المواطنين على أداء الخدمة العسكرية، كما تحققت العدالة والمساواة في أجور العمال، وفُصل الحكم عن الكنيسة، ووُزّعت ثروة الكنيسة على الشعب، وصودرت العديد من المصانع التي تجاهلت جهود العمال، ونُقلت إدارتها إلى العمال.

الديمقراطية التمثيلية- الليبرالية والنماذج الأوروبية

تطبّق أوروبا الديمقراطية البرلمانية التمثيلية، والتي تُعرف أيضاً بالديمقراطية الليبرالية، ويعرّف القائد عبد الله أوجلان هذا الأسلوب بأنّه استخدام الرأسمالية للديمقراطية، ويقول: "تمارس الحداثة الرأسمالية سلطة الدولة بشكل متزايد وأكثر شمولاً كدولة قومية على جميع القوى الاجتماعية خارجها، من جهة، وتسعى لإقناع من يُستغلّون ويُضطهدون من قبل النظام بالديمقراطية البرلمانية التمثيلية، من جهة أخرى، وهذه هي الظاهرة التي تُسمى الديمقراطية الليبرالية".

وقد ظهرت في أوروبا نتيجةً للصراع ضدّ السلطة عدة أمثلة على الحكم الذاتي، إلّا أنّها تأثرت أيضاً بالفكر الليبرالي، ومن الأمثلة البارزة على ذلك؛ جزر أولاند في فنلندا، وتيرول أوستا في إيطاليا، وكاتالونيا والباسك وغاليسيا في إسبانيا، واسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية في بريطانيا، والإقليم الفلمنكي وإقليم الوالوني وإقليم بروكسل في بلجيكا وجزر غرينلاند وفارو في الدنمارك وآروبا وكوراساو وسينت مارتن في هولندا. 

الديمقراطية الاجتماعية - الاشتراكية ومثال الاشتراكية الوضعية

هذا، ويمكن ملاحظة تجارب واسعة النطاق في تشكيل الديمقراطية الاجتماعية أو الاشتراكية، فبين عامي 1917 و1991، هيمن النظام الاشتراكي على ما يقارب ثلث دول العالم، وسقطت الاشتراكية الوضعية على الرغم من رفعها لشعارات العدالة والمساواة والديمقراطية، لعدم تحررها من السلطة والدولة، ففي دول مثل الاتحاد السوفييتي والصين وكوبا ويوغسلافيا وفيتنام، كان هناك نظام برلماني فيدرالي، لكن الأحزاب الشيوعية كانت محور كل شيء.  

الدولة والديمقراطية

في جميع أشكال الديمقراطية المطبقة حتى الآن، لم تُحل المشكلات الاجتماعية المتعلقة بالحرية والمساواة والاقتصاد والسياسة والعدالة، وغيرها، فقد أدى كل شكل منها إلى ظهور طبقات عليا ودنيا، وحكام ومحكومين، وتعمّق الصراع بين الدولة والديمقراطية.

يصف القائد عبد الله أوجلان هذا الصراع قائلاً: "يجب على السلطة، بحكم طبيعتها في علاقتها بالدولة، أن تقاوم الديمقراطية وتحدّ منها، فيما تسعى قوى الديمقراطية دائماً إلى توسيع حدودها من خلال إنكار الدولة، وتكمن المشكلة في أنّ الدولة تخفي وجهها وراء الديمقراطية، بينما تسعى الديمقراطية إلى أن تصبح دولة، وهذا هو سبب الصراع والأزمة".

لم يتم تخطي الأزمة بعد، لذا ازدادت التقييمات والشروحات حول الديمقراطية وأساليب تطبيقها واتّسعت. 

ومن أبرز هذه الشروحات وأكثرها تأثيراً تقييمات القائد عبد الله أوجلان.

يُعرّف القائد عبد الله أوجلان، في مرافعاته المؤلفة من 5 مجلدات بعنوان "مانيفستو الحضارة الديمقراطية"، الديمقراطية بأنّها: "بمعناها الواسع، يمكن تعريف الديمقراطية بأنّها الحكم الذاتي للمجتمعات التي لم تعترف بالسلطة أو الدولة، ويمكن اعتبار الحكم الذاتي للمجتمعات الأولى والقبائل والعشائر ضمن هذه الفئة، أما في المجتمعات التي تمارس فيها السلطة والدولة بشكل متزايد، فيمكن اعتبار الإدارات الطبيعية التي تبقى خارج نطاق الدولة والسلطة ديمقراطية بالمعنى الضيق".

الديمقراطية الإقليمية ونموذج روج آفا

إلى جانب النماذج المطبقة في العالم، تشهد منطقة شمال وشرق سوريا تجربة جديدة، بدأت هذه التجربة مع ثورة 19 تموز عام 2012، واتّخذت شكلها النهائي وفقاً للتطورات في المنطقة.

ويستند هذا النظام المعروف باسم الإدارة الذاتية الديمقراطية، إلى فلسفة القائد عبد الله أوجلان، ولذلك، تُوصف هذه التجربة بأنّها "المختبر الأكثر تجسيداً للحداثة الديمقراطية، أي الديمقراطية الإقليمية".

بدأت الخطوة الأولى لهذا النظام في عام 2014، وقد بُني النظام على أساس تمثيل القوميات والمعتقدات والثقافات، وتمّ تحديد أسلوب الإدارة على أساس المقاطعات، في ذلك الوقت، كانت المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة هي الجزيرة وكوباني وعفرين، وقد أُنشئت كل منها كمقاطعة مستقلة، وتمّ تحديد العلاقة بينها على أساس التنسيق.

وحدّد العقد الاجتماعي شكل الإدارة والتمثيل والانتخابات والتعليم والصحة والاقتصاد والخدمات والشؤون الدينية وشؤون المرأة والثقافة، وغيرها، وبناءً عليه، اعتُمدت اللغات العربية والسريانية والكردية لغات رسمية، بينما اعتُبرت اللغات الأخرى لغات ثانوية، وحدّد العقد الاجتماعي إدارات المقاطعات والمدن بالمجالس والبلديات، وحُددت نسبة تمثيل المكونات في الإدارات بحسب عددها، واعتُمد نظام الرئاسة المشتركة كمبدأ أساسي، وحُدد تمثيل المرأة والرجل بنسبة 50 %.

وبعد التوسع الجغرافي لمناطق الإدارة الذاتية، جرى تعديل نظام الإدارة، وأُعلنت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا عام 2016.

عندما انتهت السيطرة الجغرافية لمرتزقة داعش في آخر معاقله في الباغوز عام 2019، وأُضيفت مناطق جديدة إلى الإدارة الذاتية، جرى تعديل النظام مرة أخرى، وبعد الجهود المبذولة، جرى تعديل العقد الاجتماعي لشمال وشرق سوريا عام 2023، وحُدّد اسم المنطقة بإقليم شمال وشرق سوريا.

وبموجب العقد الاجتماعي، تمّ تعديل مؤسسات الإدارة، وفي هذا السياق، جرى تحديد سبع مقاطعات (دير الزور، الرقة، الطبقة، منبج، الفرات، عفرين والشهباء، الجزيرة)، إضافةً إلى ذلك، صدر قانون التقسيم الإداري.

أجندة إقليمية ودولية

أحدث النظام الديمقراطي الذي بني في شمال وشرق سوريا تأثيراً كبيراً، وأصبح اليوم، إلى جانب الشعوب، محور اهتمام القوى الإقليمية والدولية، فمع انهيار نظام البعث، أصبح يُنظر إليه كخيارٍ رئيسي لمستقبل سوريا، وفي هذا السياق، تجري مفاوضات بين الحكومة السورية الانتقالية والإدارة الذاتية وقد وقعا في الـ 10 من آذار الماضي اتفاق بينهما. 

وتطرح الإدارة الذاتية النظام اللامركزي باعتباره الحل الأمثل، وتركّز على إرساء الديمقراطية.

مع العملية التي أطلقها القائد عبد الله أوجلان في 27 شباط الماضي، بندائه إلى "السلام والمجتمع الديمقراطي"، أصبحت الإدارة الذاتية أجندة رئيسة.

ويسلّط القائد عبد الله أوجلان الضوء على هذه القضية في لقاءاته مع وفد حزب المساواة وديمقراطية الشعوب وفي رسائله إلى المنطقة، قائلاً: "لا ينبغي النظر إلى الإدارات الذاتية الديمقراطية وسلطة الدولة على أنهما شيء واحد، لا يجوز تشويه الإدارة الذاتية الديمقراطية باسم الشعبوية أو ديكتاتورية البروليتاريا، فإذا ما تمّ تطوير الإدارة الذاتية الديمقراطية، فإنّ هذا النموذج هو الأقرب إلى الحل الأمثل، فأساس الإدارة الذاتية الديمقراطية وميزته أنّه لا يُنشئ دولة باسم الشعب، ولا يصبح مجرد تابع أو ملحق بالدولة".

(ر)