ثلاثون عاماً من الوفاء 

أكد المناضل الكردي صادق باديان، المفرج عنه بعد 30 عاماً من الاعتقال في السجون التركية، تمسّكه بخط القائد عبد الله أوجلان، وأشاد بثورة روج آفا التي أثبتت، صواب فكر القائد ومشروع الأمة الديمقراطية، وتعهد بمواصلة النضال حتى تحقيق حريته الجسدية.

ثلاثون عاماً من الوفاء 
ثلاثون عاماً من الوفاء 
ثلاثون عاماً من الوفاء 
ثلاثون عاماً من الوفاء 
الخميس 6 تشرين الثاني, 2025   03:30
قامشلو
بسنة شمو 

تجسّد مسيرة المناضل الكردي صادق باديان من منطقة آليان نموذجاً للإرادة الثورية التي استلهمت روحها من فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان، ومن ميراث رفاقه في إضراب 14 تموز الذين خطّوا بدمائهم طريق المقاومة داخل سجون الدولة التركية.

اختار طريق حرية كردستان منذ بداياتها

ينحدر المناضل صادق محمد طيب حسن برجس، المولود عام 1970 في قرية باديان الواقعة بريف جل آغا ضمن منطقة آليان في مقاطعة الجزيرة، من عائلة وطنية قدّمت تضحيات كبيرة في مسيرة حركة حرية كردستان وثورة روج آفا.

درس في كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق، وهو الابن الرابع لأسرة مكوّنة من 6 إخوة وأخوات.

تعرّف صادق على حركة حرية كردستان، بين 1980 و1985، حين كان كوادر الحركة المعروفين حينها باسم "الطلبة" يدخلون إلى منطقة آليان عبر الحدود، في طريقهم إلى جبال كردستان.

في البداية، رأى صادق في الحركة مجرد تنظيم وطني كردي يناضل من أجل بناء كردستان حرة وديمقراطية، لكن مع مرور الوقت تغيّرت نظرته جذرياً. فقد لفت انتباهه أسلوب حياة كوادر الحركة وخطابهم الفكري والرفاقي المختلف عن بقية الحركات الكردية الأخرى، ومع الزيارات المتكررة لهم إلى منزل العائلة، لا سيما الرفيق عكيد برفقة الرفيق محمد قرسنكول وآخرين، انخرط صادق وعائلته بشكل فعّال في نشاطات الحركة، ليبدأ مسيرته الطويلة في درب النضال والمقاومة دفاعاً عن قضية الحرية والكرامة.

من قاعات الجامعة إلى جبال كردستان

تعمّق ارتباط صادق محمد طيب حسن بحركة حرية كردستان خلال فترة دراسته في كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق، حيث بدأ بالتعرّف على مجموعات الحزب التي كانت تنشط بين الطلاب وتعمل على تنظيمهم سياسياً داخل الجامعة.

وفي عام 1986، انخرط فعلياً ضمن النشاطات التنظيمية للحزب، فكرّس ما يقارب عامين ونصف في العمل الطلابي والسياسي، قبل أن يتخذ قراره التاريخي عام 1990 بالانضمام إلى صفوف الكفاح المسلح من أجل بناء كردستان حرة ديمقراطية.

واجه قراره في البداية معارضة من والديه اللذين أرادا أن يُكمل دراسته الجامعية، إلا أن إصراره دفع الأسرة في النهاية، إلى دعمه ومساندته، حتى أن والده سلّمه سلاحاً وودّعه بثقةٍ وإيمانٍ بطريقه.

في 19 آذار 1990، انضمّ صادق رسمياً إلى صفوف الكفاح المسلح في حركة حرية كردستان، ودخل إلى جنوب كردستان، حيث بدأ مسيرته النضالية من منطقة حفتانين، بعد تلقّيه تدريباته العسكرية والسياسية، ثم التحق بإحدى المجموعات التي كانت تستعد للدخول إلى شمال كردستان، وتحديداً إلى ساحة ديرسم بين عامي 1990 و1991، وهي المرحلة التي شهدت انضماماً واسعاً لأبناء روج آفا إلى صفوف الكفاح المسلح.

وعند وصول مجموعته إلى آمد، واجهت حصاراً من الجيش التركي بعد اشتباكاتٍ عنيفة أسفرت عن استشهاد أربعة من رفاقه، ما اضطرّهم للبقاء في آمد. ومن هناك بدأ ثلاثة أعوام من النضال المستمر ضمن صفوف كريلا آمد بين عامي 1991 و1994، مكرّساً حياته بين الجبال والمناطق الوعرة في مقاومةٍ لا تعرف التراجع.

في عام 1994، وبعد إصابته في الظهر، خضع على أثرها لعملية جراحية في أحد مشافي آمد، نُقل إلى مدينة جقلوڤا في أضنة، لاستكمال العلاج الفيزيائي. كلف بمواصلة مهامه التنظيمية في أضنة، وأكد التزامه بعهد انضمامه، وقال لوكالتنا إن: "الكادر الحقيقي يناضل في أي ساحة تُكلّفه بها الحركة، دون اعتراض."

واصل صادق نضاله في أضنة لمدة عامٍ كامل، منخرطاً في العمل التنظيمي السري بين صفوف الشعب، إلى أن اعتُقل لاحقاً من قبل السلطات التركية.

ثلاثة عقود من الصمود

في 19 كانون الثاني عام 1995، وأثناء وجوده في مدينة أضنة، ألقت السلطات التركية القبض على صادق حسن (صادق باديان) بعد أن أبلغ أحد الأشخاص عنه للأجهزة الأمنية. ومنذ اعتقاله، بدأت رحلة جديدة من النضال داخل السجون، اتّسمت بالصمود والثبات على الرغم من التعذيب والقهر.

تعرض صادق منذ الأيام الأولى للاعتقال لتحقيقات قاسية وضغوط شديدة بهدف انتزاع معلومات عن رفاقه في حركة حرية كردستان، إلا أنه رفض الإدلاء بأي اعترافات، وتحمّل صنوف التعذيب الجسدي والنفسي بثبات وإصرار. وبعد فترة طويلة من التحقيق، أصدرت المحكمة التركية حكماً بحقه بالسجن 30 عاماً بتهمة الانضمام إلى الكفاح المسلح ضمن حزب العمال الكردستاني.

بدأت مراحل سجنه الطويلة من سجن قونية، حيث قضى فيه 8 سنوات، ثم نُقل إلى سجن سنجان في أنقرة لمدة 8 سنوات أخرى. وبعدها تم تحويله إلى سجن قراقلي الذي بقي فيه 7 سنوات، قبل أن يُنقل إلى سجن أدرنه الواقع على الحدود البلغارية، ليقضي فيه 7 سنوات الأخيرة من محكوميته.

وعلى الرغم من انتهاء مدة حكمه، احتُجز صادق تسعة أشهر إضافية بسبب رفضه التوقيع على وثيقة "الندم" التي تطلبها السلطات التركية من المعتقلين السياسيين، مؤكداً أنه لم ولن يندم على نضاله في صفوف الحركة.

وفي 9 تشرين الأول 2025، أُفرج عنه بعد 30 عاماً وتسعة أشهر من الاعتقال. وبعد أيام قليلة، وتحديداً في 22 من تشرين الاول، وصل المناضل صادق باديان إلى مسقط رأسه في قرية باديان بمنطقة آليان في مقاطعة الجزيرة، وسط استقبال جماهيري حافل شارك فيه الأهالي ورفاقه القدامى وأعضاء من مؤسسات المجتمع المحلي.

وفي حديثٍ خاص لوكالتنا، لخّص صادق تجربته قائلاً: "طيلة 30 عاماً لم أدلِ بشيء عن الرفاق أو الحركة. كنت أرى في اعتقالي خطأ ارتكبته بحق الحركة وشعبي، لأن المناضل الحقيقي لا يُؤسر بسهولة. ومع ذلك، حوّلت السجن إلى ساحة مقاومة."

وأضاف: "ظروف السجن كانت قاسية جداً. عندما دخلنا، لم نكن نعرف شيئاً عن حياة المعتقل، لكننا تعلمنا من رفاقنا الذين اعتُقلوا في ثمانينيات القرن الماضي. نظمنا حياتنا وفق ما تعلمناه من فكر الحزب وحياة الكريلا. حتى وإن لم نتمكن من خوض المقاومة كما فعل شهداء 14 تموز، إلا أننا واصلنا النضال داخل الزنازين بروحهم الرافضة للخضوع والاستسلام، على أمل أن نعود يوماً إلى ميادين المقاومة."

هكذا، اختتم صادق باديان رحلة ثلاثة عقود من الأسر والمقاومة داخل السجون التركية، حاملاً معه ذاكرةً من العزيمة والإصرار، وعهداً بمواصلة النضال من أجل حرية القائد عبد الله أوجلان وكرامة الشعب الكردي.

"ثورة روج آفا أثبتت صواب فكر القائد أوجلان وروح مقاومة 14 تموز ما زالت تنبض في السجون"

أكد صادق باديان، وقال: "بفضل مقاومة مناضلي 14 تموز الذين زرعوا بذرة هذا النضال داخل المعتقلات. حافظنا على الخط التنظيمي الذي رسموه، خط يرفض الاستسلام ويتمسك بفلسفة القائد عبد الله أوجلان، فيما كانت مقاومة الكريلا ترفع من معنوياتنا في كل عملية بطولية كانت تنفذها الحركة."

وأضاف: "الأهم بالنسبة لنا في السجن هو ألا نفقد الأمل في الخروج والعودة مجدداً إلى صفوف النضال. كنا نحيا على حلم العودة واستكمال المسيرة من النقطة التي توقفنا عندها."

وتحدث باديان عن ثورة 19 تموز في روج آفا: "حين رأيت ما تحقق من مكتسبات أدركت أن هذا كان في خيال القائد عبد الله أوجلان منذ عقود. لقد جهّز الشعب لهذا اليوم قبل عشرين عاماً."

وأشار باديان إلى أن نضال مكونات روج آفا في ثورة 19 تموز، وخاصة دور المرأة الريادي، رفع من معنويات المناضلين في السجون التركية، وقال: "ما حققته المرأة في روج آفا بفضل فكر القائد وتوجيهاته غيّر نظرتنا جميعاً. اليوم أرى أمامي ثورة ديمقراطية حقيقية ووحدة بين المكونات تحت مظلة مشروع الأمة الديمقراطية الذي قدّمه القائد."

وفي ختام حديثه، تعهّد المناضل الكردي صادق باديان بمواصلة النضال على نهج القائد أوجلان، قائلاً: "ما رأيته في روج آفا زاد من ارتباطي بالقائد وفلسفته. هذه فرصة لنعيد تصحيح أخطائنا ونرفع من وتيرة نضالنا بروح رفاقية أقوى مع القائد. سنستمر حتى تحقيق حريته الجسدية وبناء مجتمع ديمقراطي، لأن حريتنا لن تكتمل إلا بحريته".

(ل م)