اتفاق 10 آذار.. خطوات محدودة للحكومة الانتقالية وسط تحديات التنفيذ

يغيب الالتزام الفعلي للحكومة الانتقالية في سوريا بتنفيذ بنود الاتفاق مع شمال وشرق سوريا، الذي وُقِّع في 10 من آذار العام الجاري، لتبقى الخطوات محدودة وسط استمرار رفضها المشاركة الكاملة.

اتفاق 10 آذار.. خطوات محدودة للحكومة الانتقالية وسط تحديات التنفيذ
الثلاثاء 2 يلول, 2025   02:30
مركز الأخبار

شهد الـ 10 من آذار 2025، توقيع اتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية في سوريا، تضمّن ثمانية بنود تهدف إلى تنظيم العلاقة بين الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا والحكومة الانتقالية، وإعادة بناء مسار سياسي شامل يعتمد على المشاركة، ووقف إطلاق النار، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في إطار الدولة.

ومنذ نشر نص الاتفاق، برزت أهمية تقييم مدى التزام الطرفين بتنفيذ كل بند، مع الأخذ في الاعتبار المواقف الحالية والتطورات الميدانية والسياسية، بما يتيح قراءة دقيقة لمدى إمكانية تطبيق الاتفاق على الأرض.

البند الأول: حقوق التمثيل والمشاركة في العملية السياسية

يؤكد الاتفاق على ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكل مؤسسات الدولة، استناداً إلى الكفاءة بعيداً عن أي خلفيات دينية أو عرقية. وبعد توقيع الاتفاق، شهدت سوريا اجتماعات أولية في 19 آذار و12 نيسان، تم خلالها تشكيل لجان من الطرفين لبحث وتطبيق آليات التمثيل والمشاركة.

لكن، الحكومة الانتقالية اتخذت خطوات أحادية مثل: عقد "مؤتمر الحوار الوطني"، و"تشكيل الحكومة"، و"الإعلان الدستوري"، وبدء إجراءات لانتخابات برلمانية "مجلس الشعب". ما أظهر عزوف الحكومة الانتقالية عن تطبيق مبدأ المشاركة المتساوية لجميع المكونات، وهو ما أثار اعتراض ممثلي شمال وشرق سوريا وباقي المكونات السورية مثل الدروز والعلويين.

البند الثاني: ضمان حقوق المجتمع الكردي

أكد الاتفاق على اعتراف الدولة السورية بالمجتمع الكردي كمكون أصيل، ومنحه الحقوق الدستورية والمواطنة كافة. غير أن الواقع العملي أظهر تحديات كبيرة أمام تطبيق هذا البند، إذ أبلغ وفد شمال وشرق سوريا الحكومة الانتقالية بوقوع اعتقالات لأشخاص في مدينة حلب ودمشق وعلى الطرق الرئيسة الواصلة بين المدن السورية، على خلفيات عرقية أو بسبب التعاون مع قوات سوريا الديمقراطية، ما يشير إلى تجاوزات تمس مبدأ المساواة والاعتراف بالمكون الكردي.

إلى جانب ذلك، برز دور وفد كردي انبثق عن كونفرانس "وحدة الموقف والصف الكردي في روجآفاي كردستان" في قامشلو، والذي قدّم مقترحات واضحة لضمان حقوق الكرد في الدستور. إلا أن مواقف دمشق أظهرت عدم الجدية في استقبال الوفد والدخول في حوار حقيقي معه.

ويضاف إلى ذلك استمرار الحكومة الانتقالية في رفض مطالب مكونات أخرى مثل الدروز والعلويين، ما يعكس قصوراً في تبنّي رؤية شاملة وعادلة للحقوق الدستورية لجميع السوريين.

البند الثالث: وقف إطلاق النار في جميع الأراضي السورية

شهد الاتفاق على ضرورة وقف إطلاق النار في جميع الأراضي السورية، وقد ركّزت الاجتماعات الأولية في 19 آذار و12 نيسان على هذا الموضوع، حيث أكدت قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية أهمية ضمان السلام في المنطقة. غير أنّ الوقائع الميدانية أظهرت استمرار التوتر في عدة مناطق، من خلال مهاجمة قوات الحكومة الانتقالية لحواجز قوى الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية.

وقد تعرّضت مواقع مختلفة ضمن مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية لعمليات استهداف من قبل تركيا وأيضاً قوات الحكومة الانتقالية، من بينها سد تشرين، وحواجز قوى الأمن الداخلي في مدينة حلب، والتحشيد العسكري في محيط الشيخ مقصود والأشرفية، الأحياء ذات الغالبية الكردية في حلب. إضافةً إلى استهداف حواجز ومناطق في ريف دير الزور، وآخرها الهجوم الذي وقع يوم 31 آب على ريف تل تمر، وعمليات استهداف محيط سد تشرين قبل يومين من أيلول.

البند الرابع: دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية

اتفق الطرفان على دمج كل المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا ضمن هيكل الدولة السورية، بما في ذلك المعابر الحدودية، المطارات، وحقول النفط والغاز. ورغم اجتماعات دمشق الرسمية في 1 حزيران، ومقترحات وفد شمال وشرق سوريا حول التعاون الأمني والإعمار وتشكيل غرف عمل مشتركة، اتجهت الحكومة الانتقالية إلى خطوات أحادية تتمثل في التوجيه صوب "حل قسد والقوات الأمنية ودمجها فرادى".

واكتفت من الناحية الإدارية والمؤسساتية بمشاركة وزارة التربية والتعليم مع هيئة التربية والتعليم في الإدارة الذاتية الديمقراطية لإدارة مرحلة امتحانات شهادات الإعدادية والثانوية لمناهج النظام السابق.

تشير المعطيات وتصريحات ممثلي شمال وشرق سوريا إلى قصور الحكومة الانتقالية في الالتزام ببند الدمج وغياب الإرادة السياسية لتحقيق توافق فعلي.

يوضح آخر تصريح للقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، لوكالتنا بتاريخ 4 من آب الجاري، إلى أين وصل العمل وفق هذا البند، إذ قال: "الاندماج يعني الشراكة، وسوريا الجديدة ستبنى على أساس شراكة جديدة بين جميع مكونات البلاد، ولا يمكن فرضها بالقوة. وأهالي دير الزور والرقة مع الاندماج ضمن الدولة السورية ولكنهم يريدون المحافظة على مؤسساتهم الموجودة، وأن تتم إدارة هذه المؤسسات من قبل أبنائها.

البند الخامس: ضمان عودة المهجـرين وتأمين حمايتهم

تضمّن الاتفاق عودة المهجّرين السوريين إلى بلداتهم وتأمين حمايتهم. رغم التطرق لهذا البند في الاجتماعات التنسيقية، لم تشهد المرحلة الأخيرة خطوات ملموسة لإعادة المهجّرين أو ضمان أمنهم لا سيما في تلك المناطق المحتلة من قبل تركيا ومرتزقتها "عفرين، الباب، منبج، تل ابيض، سري كانيه".

الإدارة الذاتية الديمقراطية من جهتها، سرعت على الفور تسيير رحلات الخروج الطوعية للمهجرين من المخيمات الموجودة في شمال وشرق سوريا، للعودة إلى ديارهم ضمن مناطق سيطرة الحكومة الانتقالية، آخرها قافلة عادت من مخيم المحمودلي الواقع في الجهة الشمالي لمقاطعة الطبقة.

البند السادس: دعم الدولة في مكافحة الإرهاب

أكد الاتفاق على التعاون في مواجهة فلول الإرهاب وكل التهديدات الأمنية، حيثُ أصدرت الحكومة الانتقالية تصريحات مشتركة مع ممثلي الولايات المتحدة وفرنسا في 25 تموز، دعت فيها إلى دعمها في مكافحة الإرهاب وتعزيز التماسك المجتمعي في شمال وشرق سوريا. رغم هذه التصريحات، تبرز صعوبة التطبيق العملي بسبب التباين في الرؤية بين الطرفين حول دور شمال وشرق سوريا في العمليات الأمنية والجيش، ما يعكس تفاوتاً بين الموقف الرسمي والتطبيق الفعلي.

وفي تصريح سابق لوكالتنا خلال آب الفائت، أشار القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، إلى محاولات قوات سوريا الديمقراطية تشكيل غرف عمليات مشتركة لمكافحة داعش، إلا أنها لم تتحقق بعد.

البند السابع: رفض التقسيم وخطاب الكراهية

تم الاتفاق على رفض جميع الدعوات للتقسيم أو خطاب الكراهية وبث الفتنة بين مكونات المجتمع السوري. تصريحات وفد شمال وشرق سوريا خلال الاجتماعات أشارت إلى استمرار خطاب الكراهية والتفرقة في مناطق سيطرة الحكومة الانتقالية، إضافة إلى محاولات تهميش الإدارة الذاتية، ما يعرقل تحقيق الهدف الرئيس للبند السابع، ويبرز وجود فجوة كبيرة بين النص المكتوب والواقع السياسي.

من الأمثلة على ذلك استمرار الحملات الإعلامية من قبل الحكومة الانتقالية ومناصريها التي تصف قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية بالانفصال، واتهامات ومزاعم واهية بحق مكونات الشعب السوري الأخرى مثل الدروز والعلويين، كما حدث في بيان الحكومة الانتقالية حول كونفرانس "وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا" في الحسكة، ما يبرز الفجوة بين النص المكتوب والواقع السياسي.

البند الثامن: عمل اللجان التنفيذية على تطبيق الاتفاق قبل نهاية العام

حدد الاتفاق إطاراً زمنياً لإنجاز تطبيق بنوده، مع تشكيل لجان تنفيذية مشتركة، إذْ شهدت الفترة من 19 آذار إلى 1 حزيران سلسلة اجتماعات تنسيقية بين الطرفين، منها في شمال وشرق سوريا وأخرى في دمشق. مع ذلك، رفضت الحكومة الانتقالية المشاركة في جولات تفاوضية لاحقة، بما في ذلك لقاء باريس المزمع في 9 آب، مبررة ذلك بكون بعض الاجتماعات لا تمثل إطاراً وطنياً جامعاً، ما أعاق استمرار عمل اللجان التنفيذية وفق الجدول الزمني المتفق عليه.

وتشهد اليوم المفاوضات بين ممثلي شمال وشرق سوريا والحكومة الانتقالية حالة من الجمود، مع تزايد الضغوط التركية، لتتعمق الأزمة وتبقى آفاق الحوار الوطني غامضة، وليبقى غياب موعد واضح للقاءات مقبلة.

تقييم شامل لمدى التزام الحكومة الانتقالية

رغم الإشارات الإيجابية في التصريحات الرسمية، يبقى التزام الحكومة الانتقالية محدوداً بل ومعدوماً في أغلب البنود، مع تركيزها على خطوات أحادية تركز على المركزية وتهمّش الإدارة الذاتية، سيما إعلان الدستور، وتشكيل الحكومة المؤقتة، وتنظيم انتخابات مجلس الشعب، واستمرار اعتقالات بعض المكونات واستهدافها، ما يشير إلى توجه الحكومة الانتقالية لتطبيق أجندة مركزية تضيق مساحة التوافق الوطني، وتخالف روح اتفاق 10 آذار.

وتعكس وفق بيانات الإدارة الذاتية الديمقراطية، والساسة السوريين، تبايناً واضحاً بين التصريحات الدولية الداعمة للحوار والتوافق، مثل بيانات وزارة الخارجية الفرنسية ووزارة الخارجية الأمريكية، وبين الممارسات الفعلية للحكومة الانتقالية التي تتجنب المشاركة في جولات تفاوضية مهمة، فيما يأتي تدخل تركيا في مسار العملية الانتقالية، سواء عبر زيارات رسمية لمسؤولين أتراك أو دعم موقف الحكومة الانتقالية، يضيف تعقيداً إضافياً أمام تحقيق الالتزام الكامل ببنود الاتفاق، ويضعف فرص بناء سوريا شاملة لكل المكونات.

(ع م)